الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 169الرجوع إلى "الثقافة"

شخصية الشعب،

Share

الحياة والعبس :

وكل إنسان ، وكل حى بشرى نتملكه المشاعر والاحساسات عند ذكر هذه الكلمة ... الحياة ... ولكن قل من الناس من إذا ذ كرت أمامه كلمة الحياة هذه ، سارع إلى التعبير عنها فى فكر واضح جلى محدود . فالحياة عمل وجهد وشقاء ، وهى حر كة دائبة وسعى لا ينقضى ، الحياة كائنة خالدة ، ولكنها بحار لا يثبت أن يذهب فى الجو بددا ، الحياة إرادة وفكر ، وهى سر الطبيعة ومظهر الوجود . الحياة دنيا والحياة آخرة . الحياة مادة وهى أحياء وناس . الحياة ... الحياة...  وهكذا يجد الإنسان أنه بعد فترة من الزمن ، مليئة بالتفكير والشعور ، قد شعر بالشدد والتشتت فتعب وهجع ، ولم يعد يقوى على التحديد فيقول لك إن الحياة هى كل شيء ، هى الحياة ...

وإذا كان معنى الحياة كثيرا ما يبعث الشعور بالإيهام وعدم الوضوح ، فلعل استعمال كلمة " العيش" ينقلنا إلى جو أ كثر ضياء وإلى محيط أقل فى الاتساع . فالعيش - على الأغلب_ تعبير يقوله الفرد وفى ذهنه أن يذ كر نفسه على اعتبار أنه وحدة لها ذات وشخصية ، ولكنها وحدة ليست أ كثر من جزء صغير من كل واحد كبير ، وبين الجزء الصغير والكل الكبير علاقات كثيرة ، مثبتة ، وواضحة . وإذا كان معنى الحياة قد يثير فى الذهن اتجاهات مطلقة فلسفية ، فان معنى العيش لا يثير فى الذهن من الاتجاهات إلا ما اتصل منها بالناس والمجتمعات ، بما فى هذه المجتمعات من جهود وعواطف وأفكار واجتماع ، فالعيش أن توجد فى بيوتنا بين عيالنا وأبناء عشيرتنا ، نحب ونعطف ونشجع ونعاون ونأ كل ونسهر وننام . العيش أن تتصل بالأقارب والجيران تشار كهم العاطفة ونتبادل واياهم الرأى والملعونه . العيش أن يشترك الفرد فى عمله ومهنته مع من يحبطون  به من أقرانه . العيش أن تخرج إلى المجتمعات والناس ، حيث تتمتع بروح الاجتماع . وحيث اسعد بالانغماز فى روح الجماعة الحية حين تطغى عليها عواطف السرور أو الحماسة أو الارتياح ، العيش أن توجد مع الناس ، وأن تتعامل معهم وأن نتبادل وإياهم المنافع والسلع والخدمات والقيم ، فنأخذ ونعطى مقابلا لما أخذنا ، نبيع ونشترى ، نناقش ونساوم ، ثم نتفق .

وعلى ذلك فإذا كانت كلمة الحياة تثير فى الذهن معنى الوجود والكينونة المطلقة ، فان كلمة العيش تمزج هذا المعنى المطلق بحركات الناس ، وبنواحى نشاطهم وأوضاع اجتماعهم ، وبالإنسانية البشرية المتمدنة متمثلة فى أفرادهم وشخصياتهم ؛ وهي بذلك تعبر

عن حالة الاجتماع بكل ما له من ميزات تشمل العقل حين يفكر ، والفؤاد حين يشعر ، والشخصية الاجتماعية حين يتمثل مزاجها وتبرز أخلاقها .

بيت الأمة :

يمارس الانسان عيشته فى هيئات وتكوينات اجتماعية متصلة ، فهو يمارس شئون العيش فى بيته بين أولاده ، وفى بيوت أصدقائه وفى الجمعية أو النادى بين خلانه ورفاقه ، وفى مكاتب الأعمال ودواوين السلطات ومنشآتها مع زملائه وأقرانه ؛ وهو يمارس شئون عيشه أيضا مع جميع مواطنيه فى الدكان والسيارة والحديقة والطريق . فاذا جلس الانسان إلى نفسه وحيدا منفردا وجعلت الخواطر تتجارى فى ذهنه متتابعة تحمل إليه صورا لاخوته وأبنائه ومنزله ، ثم صورا لأصدقاء وخلانه ، ثم صورا لزملائه وأقرانه . ثم صورا لمواطنيه وأهل بلده - إذا تأمل الانسان كل هذه الصور والبيئات مترتبة فى ذهنه هذا الترتيب فانه لا يحس انتقالا فجائيا من بيئة إلى بيئة اخرى تخالفها ، بل إنه ليشعر بنوع من الاسراء الهادئ الجميل كالذى يشعر به مسافر فى حرية اتهادى فى اتزان وارتياح .

وهذا الانسياب الهادئ من محيط إلى محيط آخر ليس له من معنى الا أن بين هذه البيئات كلها روابط وعلاقات ومشابهات تجعل الانسان يستكن إلى كل بيئة منها بقدر واضح ملموس فهو يستكن إلى أهل بيته ، لأنه فى " بيته هو " الذى يشاركه فيه هؤلاء الأهل الذين يحبهم . وهو يستكن إلى أصدقائه وخلانه لأنه يجد فى عواطفهم وأمزجتهم وأفكارهم مجالا تتبلور فيه أفكارة ويقبل فيه مزاجه وتتجاوب فيه عواطفه . وهو يستكن إلى زملائه وأقرانه إذ يجد فيهم من يشاركه عمله بروح من التعاون والموافقة والانسجام نحو قصد واضح شريف . وهو يستكن إلى مواطنيه إذ يجد فيها إنسانية تتصل بأنسانيته ، وقد أتخذت طريقا واحدا مشتركا من اللغة والأخلاق والمزاج وطريقة التفكير والادراك .

فكان الانسان حين ينتقل من بيته إلي أصدقائه ثم إلى زملائه فمواطنيه ، هو فى الواقع ينتقل من تفكير محصور ضيق إلى تفكير يجرى على الطريقة عينها ، ولكنه أوسع آفاقا وأيسر تحفيذا . ومن عواطف شديدة عميقة إلى عواطف من نفس النوع ولكنها أفسح وأشمل ، ومن بيت الى بيت آخر ، ولكنه بيت أوسع وأرحب . وبذلك يكون للانسان بيوت كثيرة متعددة - بينه ، فبيت أصدقائه ، فبيت زملائه ، ثم بيت مواطنيه الذى هو بيت الأمة جمعاء ... بيت الشعب ، وبيت الشعب هذا بجمع تحت سقفه كل مواطن مهما بعد عن الديار أو أى من أرض الوطن .

وإذا كانت شئون العيش عسيرة معقدة فى بعض الأحيان ثم مريضة مخلخلة فى أحيان أخرى ، وإذا كانت جهود الناس خشنة

عنيفة فى بعض الأوقات ثم تافهه خرقاء فى أوقات أخرى ، فليس هذا إلا من باب النفوذ . وأما القاعدة فهى أن الحياة فى أغلب أوقاتها تكون هادئة متزنة مستقرة ، وأن شئون العيش فى جل ظروفها وأحوالها تسير فى مجراها المعتاد حية نشيطة لا أثر بها للثورة أو التوتر أو الخمود .

وهذا الانتظام فى شئون العيش وأحوال الناس واجتماعهم ، يستمد عناصره من طبيعة النفس الانسانية ، ومن أخلاق الناس وأمزجتهم ، ومن طريقة تفكيرهم وإدرا كهم . وكلما تقاربت هذه العناصر وتوافقت ، انتظمت حياة الأمة ، واستقرت نفوس الأفراد ، وترتبت شئون عيشهم ، وتمتع الناس بإنسانيتهم فى سعادة ورضى وارتياح .

مصرنا هى بيتنا :

وبيت الأمة الأرحب الذى تحيا فيه ، وترتع فى جوانبه ومجتمعاته ونواحيه ، وتستكن إليه ، تمارس عيشنا فى هدوء وانتظام ورضى ، هو بيت أمنا ... بيت شعبا ... مصر . ومصر العزيزة لنا وهى الوطن ، وهى حمانا وبيتنا وهى السكن . ومصر هذه التى تعنيها ليست هى الوادي بل هى الشعب يعيش فى هذا الوادى . وعيشنا بين مواطنينا من المصريين هو الذى ينتظم نشاطا فى المنزل والنادى والديوان والمدبر والطريق . ونشاطنا فى هذه التكوينات والهيئات الاجتماعية هو الذى ينتظم منطق تفكيرنا ، وطريقة شعورة ، وأسلوب تعبيرنا ، وذوقنا العام ، وأخلاقنا الشائعة المشتركة ، ودوافعنا التى توجهنا وجهات متقاربة . وراحتنا وسعادتنا فى مصر كشعب ، وكأمة تحيا وتتحرك وتعيش - هذه الراحة تتوقف على وجود روح من الانسجام والموازنة تلائم بين جميع نواحى نشاطنا المعيشى ، سواء فى ذلك ما ظهر من هذه النواحى وتمثل كالعمل والرياضة والحديث والثقافة والاجتماع أو ما خفى منها وتعمق كالتفكير والشعور والآمال والأشواق .

عوالم خاصة متفرقة :

وفى ضوء هذه المعانى التى توضح لنا مسلك الوحدة الشعبية ، فنظر فى شتونا المصرية فنرى ثيابا شديدا وانقلابات متكررة ، واتجاهات كثيرة متباعدة لا تكاد تظهر حتى تختفى ثم تتلاشى ، فكانها لم تكن قد وجدت من قبل . ويتضح لنا ذلك إذا ذكرنا : أن بقاعا كثيرة فى مصر يسودها الشعار الدائم والنزاع المتواتر ، فى حين أن من البقاع الأخرى ما لا نكاد نسمع عنه لفرط هدوئه _إن لم نقل خموده - وأن بقاعا اعتاد أهلها بسطة فى اليد حتى أصبحوا من المبذرين ، وغيرها من البقاع اقبضت أ كف ساكنيها

فى تقتير مر شنيع ، وأن بقاعا تحرر أهلها حتى خرجوا من حدود اللياقة إلى الاباحيه المجيبة ، فى حين أن من سكان البقاع الأخرى من يضيق عليهم الخناق حتى لسكانهم أسرى فى سجون ، بل وأعجب من هذا وذاك أن من المناطق المصرية ما تمرد سكانها واعتصموا فى أحرازهم ، حتى لسكانهم حكومة صغرى فى بطن الحكومة الرسمية القائده ؛ كما أن الأنقلابات السياسية والتحولات المتعافية فى حياة الأحزاب والمؤيدين لها ليست عنا ببعيدة ، وعنصر الداين فيها ظاهر غير خاف .

وكذلك أحوال الثقافة والفكر ، فإنها تنطوى على مفارقات كثيرة من هذا النوع . فعندنا صاحب الثقافة الفرنسية شاعر ، رفيق المزاج ، جاد العاطفة ، لا يرى الحياة إلا تاما وهياما ومثلا ، وعندنا صاحب الثقافة الأمريكية الذى لا يرى الدنيا إلا مكسبا وربحا ، وصاحب الثقافة الانجليزية وهو يعيش بمعزل عن الجيرة والأخرين ، لا يخرج عن عزله إلا اضطرارا . وأما صاحب " الثقافة المصرية " ، فانه بين هذه كلها كشكول جامع ، فيه من كل ثقافة من هذه الثقافات جانب لم يتأ كد ولم ينضج بعد .

وأخذت هذه الفوارق الفكرية والمزاجية والأدبية تقدر وتتمثل فى شئون عيشنا حتى أصبحنا فى حال من التوزع والأنتقام مرحلة للجهود مهددة للسكيان ، بحيث لم يعد من العجيب أن يكثر بيننا التوزع وسوء التفاهم والفرفة والخصام ، وبلغت هذه الصفات جدا جعل انقسام الشخصية من الاختبارات الشائعة ، وانقسام الأسرة من مشكلاتنا الحادة ، وانفصام الكثير من حبال المودة بين العامة والخاصة والعادة أمرا عاديا ليس فيه غرابة ، وحتى أصبح من معمولنا اللغوى تعبيرات كثيرة التداول من مثل - الثبات على المبدأ- فوضى النقد - الانقلاب - السخط . .

بل وأ كثر من هذا ، فان المسألة من الجوانب الخفية ما يثير الخاطر ويلفت النظر ، إذ لسنا نجد من كتب الأدب الكثيرة بين أيدى الشباب ما يقرأ ويعاد ويرجع إليه مرة ومرات ، فبعث فى أجيال الناشئة ذات المبادئ وذات المزايا ، ولسنا نجد من بين أنواع الآداب الكثيرة عندنا نوعا معينا واضحا نال مقاما ثابتا فى الأوساط الأدبية وفى أوساط القراء ، واستمر فى مقامه هذا جيلا واثنين أو أ كثر يوجه الشباب ويصنع لهم مزاجا أدبيا وخلقيا فيه عنصر الوحدة والتقارب .

هذه المظاهر كلها ليست تدل على شئ أ كثر من الدلالة على أننا شعب لا زال فى دور البلوغ والكثرة والأمتلاء الدافق بالقوى والملكات . فنحن نحتاج إلى الاستقرار والتشكل والتوازن والتقارب والترتيب ، حتى تكون لنا شخصية متميزة لها طريقة تفكيرها ، ولها مزاجها ، ولها طريقة تأثرها وأسلوب تعبيرها - أى أن يكون لها طابعها الخاص الذى تظهر معالمه فى كل فرد من أفراد الأمة حين يفكر أو يشعر او يعمل أو يعبر أو يعيش .

وإذا شيئا أن نتعرض لتوضيح العلل التى تعمل على بث الاختلال بين القوى التى تشكل الشعب يسير لنا أن تذ كر الكثير منها .

طغيان الفكر :

فأولى هذه العلل علة الفكر . ويكفى الباحث الاجتماعى أن يضع أمامه عددا من مجلدات الكتب والمجلات المصرية ، ثم يأخذ فى مراجعتها ليتبين إلى أى حد تمتلئ صحائفها لآراء والأفكار الكثيرة ، والمذاهب والنظريات الاجتماعية المتباينة ، وبالبحوث الفلسفية والعلمية والطبيعية ، وبالنقد المتطرف فيها أو منعا ، وكل ذلك فى كثرة وغزارة وغنى ، ثم ينقب الباحث عله يجد شيئا مكتوبا يخاطب القلب والعقل معا ، فلا يجد إلا القليل ، وحتى إذا هو وجده فكثيرا ما يكون ذلك الحديث حادا قد قصد به إلى الاثارة والإيقاظ الشديد . وأما الأحاديث الأخلاقية الهادئه المتزنة ، التى تراود الذهن وتهذب النفس وتشكل المزاج ، فانها قليلة نادرة تكاد لا تكون موجودة .

وسمى ذلك أن الكتاب عندنا فى جل ما يكتبون - سواء فى الاجتماع أو فى الأخلاق أو فى العلم - إنما ينسون الحكمة العتيقة الخالدة (الأدب فوق العلم) . وترجمة هذه الحكمة أن الاحساس فى الانسان سابق للادراك ، وأن شعور البصرى أفعل من تفكيره ، وأن أخلاقه أقوى من علمه وأثبت ، وأن ممارسة شئون العيش بين الناس يجب أن توضع فى المقام الأول ، ثم يأتى الفكر والعلم فى المقام الثانى .

مذالق التجديد :

وأما العلة الثانية التى تعمل على فساد الوحدة الشعبية عندنا فأنها كامنة فى حركات التجديد والمجددين . فمع أن كل إصلاح يحتاج - فيما يحتاج إليه من وسائل عديدة - إلى قدر من التجديد ، إلا أن هذا القدر يجب أن يكون قليلا واضحا ، وبشرط أن يراعى فيه اعتبار عدم المفاجأة والأستغراق الذهنى ؛ ويرجع ذلك إلى أن العديد مزالق خطيرة يجب أن تجنب نفوس أفراد الشعب ويلاتها . فكثيرا ما يؤخذ المحدثون بسعر الجديد والطريف من أوجه النشاط الانسانى ، فينسون أغراضهم الأساسية ويندفعون فى تجديدهم لا يفتقدون إلا بالسعى وراء كل مجيب جديد ، وكأنهم أصبحوا من البهلوانات أو من رجال الا كتشاف ، وهم فى حقيقة الأمر لا يفعلون أ كثر من إرضاء رغبة التطلع فى النفوس ، حتى إنهم كثيرا ما يلجأون إلى الاختراع والابتكار أو المزاوجة الخيالية المستغربة بين أشياء لا توجد بينها علاقات طبيعية معقولة . وقد حدث أيضا أن يتوجه هؤلاء المحدثون إلى الأجنبى ليأخذوا منه بقدر لتنظيم الحياة المصرية ، فتتشعب بهم المسالك وتجذبهم غرابة

الأجنبى وعناء حتى تغمرهم ، هذا ما تركوه وجاءوا الى أوطانهم وأخذوا يبذلون الجهود الاصلاحية شعروا باتساع الشقة بين الأجنبى وبين المواطن فى ميدان الاصلاح ، ثم بين أنفسهم وبين أوضاع المجتمع الذى يريدون له الإصلاح ، فتصيبهم حيرة مربكة ، وكثيرا ما ينتهى بهم الأمر إلى الوحدة القاتلة والأنطواء على الذات فى شعور تمتزج فيه عناصر الخيبة والفجيعة .

فالتجديد ، والمبالغة ، والأخراق فى تقصى الغرائب والمبالغات ، واتساع القوة بين المتغربين والمواطنين ، كل هذه الظاهرات نتجم عن التوسع فى الاهتمام بالوسيلة ، حتى تصبح هي الغاية ، ويسببها عدم المحافظة على وضوح الغاية وجلاء القصد ، والابتعاد عن الواقع بقدر أ كبر من القدر اللازم . فإذا ما تطرقت هذه الاثار إلى جماعات الشعب كانت نتيجتها الأولى هى إخفاء شخصية أفراده بين أستار كثيفة من الغرائب والأجانب والمبالغات . وهنا موطن الخطر الذى يهدد العامل الأهم فى إنجاح الجهود الاصلاحية ، ذلك هو ما يكمن فى هذه الجهود الأولى من قدرة على إحياء الروح ، وتوضيح الشخصية ، وإنماء ملكة الجلاء والادراك الثانى ، سواء فى ذلك إدراك الأفراد لذواتهم أو إدراك الجماعات والطبقات لكيانها .

تمسكك الارتباط الزمنى - التطور :

وعلة ثالثة تعمل على ضبيع الكثير من جهودنا الاصلاحية ، تلك هى إهمالنا لفكرة الارتباط الزمنى ، أى التطور ، فكم من راغب فى الاصلاح متشوق إلى التقدم والمستقبل لا يرى من الصور والأوضاع إلا ما تعرضه عليه عنياته المتولية على طريقة الحيالات والرؤى والنبوات ؛ وكم من مصلح يمتلئ ذهنه بالعيوب والصور والمآ سى الحاضرة ، فلا يعود يرى بيصيرته شيئا من أضواء المستقبل الزاهى وألوانه الزاهية . فالأول إذ يتوجه بصره إلى الآفاق البعيدة التى هو واقف عليها ، والثانى وهو لا ينظر إلا بين يديه يرى من الزمن فسحة قصيرة تموج بالآلام . وكم عندنا من ثالث لا يرى إلا ذكريات السنين الحوالى وأمجاد ما قيل كل بطره والبلاد .

ولكن يجب أن نعلم أنه إذا كانت الصور التى نسجلها لأيامنا ومصورنا وأجيالنا متباعدة غير مترابطة ، وإذا كانت نظراتنا فى ازمتنا وأدوار تاريخنا يشيع بينها القلق والتخبط ، وإذا كنا حين نتحدث عن الماضى لا نذكر إلا ماضيا آخر أبعد منه ، وحين نتحدث من الحاضر لا نرى إلا أوضاعه المحيطة بنا ، وحين نتشوف إلى المستقبل ننسى أننا فى الحاضر نعيش - إذا كان هذا هو ما يحدث فى أذهاتنا ، فهى ذلك أننا لا نفكر تفكيرا اجتماعيا إصلاحيا صادقا ، وأننا لا ندرك المعانى متسرحه فى ثنايا أحداثنا التاريخية المتصلة ، بل معناه أننا نرى صورا لعيش تجرد من عناصر الحياة والوحدة والتطور .

فهاتوا لنا عيشا الماضى صورا صادقة مرتبة ، ولكن عيشنا الحاضر واضحا ملموسا بما يعثوره من أمراض أو قوى ، وضعوا فى الأذهان رغبات وأسا ومقاييس توجه الأهداف والرأى المقبله ...ايكم  أن تقبلوا كل هذا ، وأن تعرضوا منه علينا ما شئتم ، ولكن قبل أن تعلموا ذلك يجب عليكم أن تبسطوا كل هذه الصور فى سمط واحد جامع ، وأن تكبوا عليها بالدرس والتمسيس ، ثم تقولوا لما يمئذكم تقدمنا وكم  تحضرنا ، وفى أى المسالك ضمن نتجه ونسير ، وما الذى أردناه بالأمس وتريده اليوم ، وكيف تحققت رغباتنا تلك على مدى الأجيال والعصور .

وإذا عرفنا أى ماض عمل إلى ضيافتنا ، وأى حاضر يؤثر فينا ويحملنا فى تياره ، وأى مستقبل فيه وترجوه وأى معنى جليل يربط حاضرنا بماضينا ومستقبلنا ، إذا عرفنا ذلك ، أدركنا حينئذ أن لحياتنا الاجتماعية مسالك واضحة نلتزمها واتجاهات مشتركة تدنيه إليها وتتمتع بها ، وبذلك الإدراك الحى ينتظم الشعب كله فى وحدة فكرية ونفسيه و معينيه،  وهذا الادراك الموحد يجعلنا نمارس شئون عيشنا فى ظلال من المعانى المشتركة الشائعة ، فنجمل لدينا شخصية واضحة البنيان ، مفسرة القوى والاتجاهات ، متساندة الجوانب والأجزاء .

الشعب ، الشعب ، الشعب :

طغى الفكر فى حياتنا حتى امتلأت أدمغتنا بالآراء الكثيرة المتعارضة ، فحرمنا صفاء الفكر وهدوء العاطفة والشعور ومتعة العيش مع الناس والاجتماع بهم ، وتعددت دعوات المجددين وغرائبهم ومبالغاتهم واختراعاتهم حتى كدنا نرى الحياة لمحات كالتى يراها مسافر راكب فى قطار سريع بتهب الأرض ؛ وأعمل رجال التاريخ وصل ماضينا بحاضرنا فى ضوء المعانى الانسانية والاجتماعية ، فأصبحنا لا نرى التاريخ إلا كلوحات متناثرة لا رابط يربطها بيننا ، فلم يعد لها أثر فى نفوسنا واجتماعنا ، وتحدث الكثيرون وتأدبوا ، ولكن كانت أحاديثهم فردية شخصية ضيقة النطاق لا تمس سواد الشعب .

ولو كان كل مفكر حين يقتظ ذهنه يتذكر أنه إنما يفكر لا من أجل الحقيقة فقط بل من أجل الشعب أيضا ، ولو كان كل مجدد حين ينوى القيام بدعوة بذكر أنه لن يخلق شيئا جديدا مبتكرا إنما سيهز فى الشعب روحا موجودا را كدا . ولو كان كل مصلح يبدأ إصلاحه وتوجيه بأن يوضح للشعب المعنى الكامن فى تطوره التاريخى ، ولو كان كل أديب ناصح حكيم ، يتمثل الجموع لا لأفراد ، والوضع الشائع المشترك لا الحالة الفردية الخاصة - لو كان كل هؤلاء يدوخون الحكمة ، لـــكان لنا منهم إصلاح عملى شعبى شامل حكيم بعيد الأثر .

وليعلم كل مشتغل بالاصلاح أنه ما من سياسة أو اقتصاد أو

طب أو علم أو تربية أو تأديب أو تدين - ما من قوة من هذه القوى يمكن أن تعاون فى الاصلاح ما لم تذهب مستقرة من الشعوب فى مواطن الادراك ومصيبة منها بواطن الشعور . ولن يحدث هذا إلا إذا كانت الجهود الاصلاحية كلها ذات صبغة إنسانية ، بعيدة عن الفكر البحث المجرد من الشعور والفردية الضيقة الحدود .

المتأهب والجدوى :

لا تصورنا الأدلة نفسها أن حياتنا وعيشتنا فى حاجة إلى إصلاح وأننا نشعر بهذه الحاجة ونعبر عنها ، وأن عندنا من قوى العلم والعرفان والشعور والأخلاص ما يكفل فيها الاصلاح الذى تريد ، وأننا بدأنا تحقق البعض من أوجه هذا الاصلاح حتى يئتنا نفس آثارها وجدواها ... لسنا فى حاجة إلى هذه الأحاديث ، لأن الكلام فيها قد بلغ غايته منذ زمان ليس بقريب . إنما نحن الآن فى حاجة إلى رجال إصلاح يتأهبون لعملهم بالدرس والوضوح والقصد والخطة الموضوعة ، حتى يعملوا فى نظام ، ويبذلوا الجهود فى حكمة ، ويحققوا أ كبر قسط من النفع يشمل الشعب كله - روحه ، عقله ، مزاجة ، شئون عيشه .

ونحن نقصد بقولنا هذا أن يتجنب رجال الاصلاح الخطط والغموض والمزالق والعثرات وضيق النظرة والفردية . نحن نقصد أن يسلك رجال الاصلاح المسالك الطبيعية الواضحة ، وأن تستقر نفوسهم وتهدأ أعصابهم حتى إذا خطوا قال الأمام قدما لا تراجع ولا قلق إذ فى خطرهم روح وحكمة ومثاله .

شخصية وشخصية :

وكل فرد عامل أن يكون لجهوده اتصال وجدوى إلا إذا كانت له قدرة على العمل والبذل ، ومثابرة على الدعوة ، وهذه الصفات تستعد معها من أعماق العاملين وشخصياتهم : عقولهم البرة ، أخلاقهم القوية ، شعورهم الاجتماعى ، ضميرهم الانسانى الحى ، خطتهم المنتظمة المحكمة .

وكل شخصية عاملة عاقلة ، مخلصة متأهبة ، تخدم الشعب والأمة ، لا يد لها أن تفى بمزاياها فى غمار الشعب وكيانه ، إذ ينمو و يشمل  .

وكلما كانت الشخصية العاملة قوية ، مصفاة ، متميزة الدعوة ، نقية من الشوائب ، أفاد منها الشعب إذ يمثلها فى نموه غذاء دعما ، وفى عيشه معى ورمزا شائعا ، وفى شخصيته ميزة ظاهرة مفسرة . وإذا لم يكن من الإسراف والتبذير الانسانى أن يبقى عدد من القريبين شخصياتهم فى سبيل إنماء شخصية لفرد ، فانه ليس بالكثير  أيضا أن تقى الألوف من الشخصيات المنفردة فى سبيل صياغة الأمة وإيجاد شخصية للشعب .

اشترك في نشرتنا البريدية