الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 182 الرجوع إلى "الثقافة"

شخصية زياد، ابن أبي سفيان

Share

( بقية المنشور في العدد الماضي )

هذا العرض المجمل لحياة زياد السياسية يريك دورانه مع الدهر حيث دار ، وانقلابه في ولائه من الضد إلي الضد ، ثم يريك جانبا آخر من جوانب شخصيته لا بد من تسجيله ، وهو وصف معاوية إياه بأنه داهية العرب . ومثل معاوية من تقبل شهادته في هذه الصفة . والظاهر أن معاوية ليس وحده في هذه التزكية ، فإن صاحب العقد يقول : " الدهاة اربعة : معاوية للروية ، وعمرو بن العاص للبديهة ، والمغيرة للمعضلات ، وزياد لكل صغيرة وكبيرة " وهذا الدهاء جزء من ظاهرة اوسع هي التي قام عليها مجد

زياد وخلوده . وتلك هي براعته في فن السياسة والحكم ، وفهمه لتطورات الحوادث ، وقدرته على تكييف نفسه حسب الظروف المتغيرة . ويظهر ان عبقرية زياد السياسية وجدت من خبرته خير معين على النضج والا كتمال ، فأتت ثمارها في ضبطه أمور العراق ، وفي آرائه التي تكشفت عنها خطبه في فلسفة الحكم ونوازع النفوس .

ولعل ما بين أيدينا من خطب زياد خير سجل لهذه المراحل التى تقلبت فيها احاسيسه وعواطفه . فحين كان في صف على خطب في الأزد يحرضهم على نصرة صاحبه ويقول : " وليس ابن آكلة الأكباد - في بقية الأحزاب وأولياء الشيطان - بأدنى إلي الغلبة من أمير المؤمنين في المهاجرين والأنصار

ويقول : " وإني والله ما اخترتكم إلا على التجربة ، ولا أقمت فيكم إلا على الأمل ، فما رضيتم أن أجرتموني حتى نصبتم لي منبرا وسريرا ، وجعلتم لي شرطا وأعوانا ومناديا وجمعة . .

ولم يكد على يقتل حتى كتب معاوية إلي زياد بتهدده فغضب زياد غضبا شديدا ، وجمع الناس فخطبهم خطبة صب فيها جام غضبه على معاوية ، ووصفه بأنه " ابن آكلة الأكباد ) هند أم معاوية ( وقائلة أسد الله . ومظهر الخلاف ومسر النفاق ورئيس الأحزاب ومن أنفق ماله في إطفاء نورالله " ووصف تهديد معاوية إياه بأنه " إرعاد وإبراق عن سحابة جفل لا ماء فيها وعما قليل تصيرها الرياح قزعا " . ثم نفذ ببصيرته إلي سيكلوجية معاوية فقال : " والذي يدلني على ضعفه تهدده قبل القدرة ". ثم تحدي معاوية فقال : " والله لو أذن لي فيه أو ندبني ) أي الحسن ( إليه لأريته الكواكب نهارا " . وأسلوب زياد في هذه الخطبة ومثيلاتها قوي مر لاذع ، إلا أنه غير فوار ولا متدفق . وتبدو هذه الخاصية الأخيرة أوضح ما تكون في خطبته البتراء . وهو على وضوحه وقوة منطقه يستطيع أن يبهم أحيانا إذا اقتضت المصلحة السياسية ذلك ؛ فإنه لم يكد معاوية يتألفه ويرسل إليه المغيرة بن شعبة برسالة الود والسلام حتى غير نغمته القوية الصريحة ، وبدأ يشكك الناس في موقفهم ، وخطبهم خطبة ردد لهم فيها كلمات السلامة والعافية ، وشككهم في مواقف المتحاربين منذ قتل عثمان ، حتي تركهم - كما قال هو في كتابه لمعاوية - كالمتحيرين بمهمه ضل بهم الدليل ، وأنا على أمثال ذلك قدير "

وأما خطبه وهو في جانب معاوية فقد اشرنا قبل إلي بعضها ، ونضيف هنا انه بلغه ان جماعة من الشيعة بالكوفة يجتمعون إلي حجر بن عدي ويظهرون أمن معاوية والبراءة منه ، قصد المنبر وعليه قباء سندس ومطرف خز أخضر ، قد فرق شعره . وحجر جالس في المسجد وحوله أصحابه أكثر ما كانوا - فحمد الله وأثني عليه ثم قال : " أما بعد فان غب البغي والغي وخيم . إن هؤلاء جموا فأشروا ؛ وأمنوني فاجترأوا على ، وايم الله لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم " وقال : " ما أنا بشيء إن لم امنع

باحة الكوفة من " حجر " وأدعه نكالا لمن بعده - ويل امك يا حجر سقط العشاء بك على سرحان " .

هذه الصرامة والجرأة والاقتحام والأخذ بالحزم في الضرب على أيدي الثائرين جانب من جوانب ، زياد أعدته له طبيعته إعدادا كبيرا ، وفي هذه الناحية يقول الطبري ؛ إن زيادا كان أول من شد امر السلطان ، وأكد الملك لمعاوية ، والزم الناس الطاعة ، وتقدم في العقوبة ، وجرد السيف ، وأخذ بالظنة ، وعاقب على الشبهة ، وخافه الناس في سلطانه خوة شديدا حتى أمن الناس بعضهم بعضا - وقد كان له في مطاردة الحرورية مواقف فاصلة . وكان من أساليبه معهم ان يغري بهم أهل البصرة ويجبرهم على التنكيل بهم ، فقد قال مرة وهو على المنبر : " يا أهل البصرة والله لتكفني هؤلاء أو لأبد أن بكم ، والله لئن أفلت منهم رجل لا تأخذون العام من عطائكم درهما ، فثار بهم الناس فقتلوهم .

وليس هناك من شك في أن أشهر خطبة عرفت لزياد وأثرت عنه ، وحفظت له مكانه بين خطباء الولاة والقواد هي خطبته البتراء التي خطبها في البصرة سنة ٤٥ ه . والتي ترويها أمهات كتب الأدب والتاريخ . وهي وثيقة سياسية ادبية ، جديرة بأن تفرد بالدراسة والتحليل  من هاتين الناحيتين . ولكننا سنشير إليها هنا بقدر ما تعيننا على فهم شخصية زياد ونوع بيانه . إن القارئ لهذه الخطبة لا يملك إلا أن يلاحظ أنها تكاد تكون مقسمة أقساما ثلاثة متكافئة : ) أحدها ( تناول الحكم العام على ما كان فيه البصريون من الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والغي الموفي بأهله على النار ، ومن إهمالهم كتاب الله ونسيانهم ما أعد لأهل الطاعة والمعصية من مثوبة وعقاب ثم خصص بعد تعميم فعدد عليهم تركهم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله ، وسماحهم لأماكن الريبة والفسوق أن تنتشر فيهم ، واعتذارهم بغير عذر ، وإقضائهم على المختلس ،

وحمايتهم لسفهائهم . ) والقسم الثاني ( كان إعلانا للمنهج الذي اعتزم نهجه في معالجة هذه الأدواء ، منهج يجمع بين اللين والشدة ، ولكنه لا يتفق ومبدأ المسئولية الشخصية ، بل هو رجوع إلي المسئولية الجمعية التي تأخذ الولي بالمولي ، والمقيم بالظاعن ، والمقبل بالمدبر ، والمطيع بالعاصي . وزياد في هذا القسم بعد وبوعد ، ويذكر سامعيه أنه في موقف ليس من السياسة فيه الكذب ، وأن كذبة المنبر يلقاه مشهورة . فهو قد عقد العزم على أن يفعل ما يقول ، وقد أخذ على نفسه حماية المحكومين وضمان أموالهم ، على أن يتجنبوا دلج الليل وإثارة روح العصبية ، وأن يكفوا عن الوالي أيديهم وألسنتهم ، وألا يقفوا مواقف الريب . ) والقسم الثالث ( يشبه أن يكون رأيا في الرعية وراعيها ، وما يجب أن يكون بين هذين من صلات وشئون . فاالله قد أعطي زيادا وأضرابه من الولاة السلطان على الناس ، وجعلهم ساسة لهم وذادة عنهم . فللرعية على راعيها العدل على شريطة أن تناصح له ، وله عليها السمع والطاعة فيما أحب . ويأخذ زياد على نفسه عهدا أمام الجمهور أنه مهما يقصر فلن يقصر في ثلاث مسائل مهمة . لن يحتجب عن طالب حاجة ولو أتاه طارقا بليل . ولن يحبس عطاء أو رزقا عن إبانه ، ولن يجمر بعثا ؛ ثم يستمر في تقرير ما أشار إليه من العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، فيذكر أن الأئمة هم ساسة الأمة المؤدبون لها ، وكهفها الذي تأوي ليه ، وأن في صلاحهم صلاحها ، وانه لا خير يرجي للأمة من وراء بغضها لأئمتها . ثم يختتم الخطبة على نغمة واضحة من الانذار والتهديد فيقول : " وايم الله إن لي فيكم لصرعي كثيرة . فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي " .

فأظهر مايطالعنا في هذه الخطبة كما نري ذلك الترتيب الذي يشبه أن يكون معدا مزورا من قبل ، فهي تسير في حدود المعنى الذي رسمته جزءا جزءا ، وكلما انتهي

جزء المعنى انتهى معه ما يقابله من الكلام . وهذا البيان بيان منطق وروية ، له وجدان وانفعال ، بيان يتفق والعناصر الأخرى التي لمسناها في زياد من دهاء وحزم وترقب لتطورات الأيام

والخطبة مظهر من مظاهر ذلك الروح القوي الذي لازم زيادا منذ نشأته ، والذي لم يعرف ضعفا ولا فتورا ، روح يفيض قوة في الفاظه ومعانيه ، ويعتمد في تلك القوة على ما تمد به اللغة صاحبها من لفظ جزل وفواصل محكمة وتأكيد متنوع الأشكال والضروب . والخطبة كما رأينا ليست تحذيرا وتهويلا وتقريعا فحسب ، ولكنها تقرر أفكارا في فلسفة الحكم وفي النظرية السياسية للدولة ، وتقرر نوع الصلة الذي يجب - في عرف الخطيب - أن يكون بين الراعي والرعية .

هذه صورة من غير شك تخالف صورة الحجاج الشاعرة العنيفة الصاخبة التى تتدفق كالسيل المنهمر ، وتقذف بالفقرة بعد الفقرة من بيان شعري ذي صور فنية رائعة ، تعتمد على الخطابيات أكثر مما تعتمد الاقناع ، وتستمد ما شاء لها الموقف من اساليب قرآنية بالغة ، وصور شعرية ساحرة ، ولا كذلك زياد

اشترك في نشرتنا البريدية