لم يكد عصر الخلفاء الراشدين تؤذن شمسه بالمغيب ، حتي وجد المسلمون انفسهم احزابا وشيعا ، امتزجت في تفكيرها السياسة والعصبية والدين ، ولعب البيان في اصطراعها دورا كبير الخطر ؛ فبرز من كل فريق دعاة يقررون حقه ويدحضون باطل خصومه ، وخلق اتساع الملك قوادا وولاة على الأقاليم ، يسلون السيوف تارة والالسنة تارة اخري ، لإخضاع الثائر وتشريد الخارج على سلطان الدولة .
ومن هؤلاء الرجال خطباء حفظ التاريخ بعض خطبهم ، كزياد بن أبي سفيان ، وقطري بن الفجاءة ، وعبدالله بن الزبير ، وعتبة بن أبي سفيان ، وعمرو بن سعيد الأشدق ، والحجاج . ولا تزال شخصيات هؤلاء الأفذاذ علي توالي العصور مصدر إلهام لمن يحاول أن يرسم صورة متحركة لذلك العهد ، ويضع كل علم من أعلامه في مكانه من المنظر العام
وقد حاولت في مقال سابق أن أتبين الخطوط الرئيسية لشخص " الحجاج ) ١ ( وأن أربط بينها وبين نوع بيانه وأحداث أيامه . وأحب أن أنهج اليوم هذا النهج نفسه في رسم شخصية " زياد " وان استمد من كل من الصورتين ضوءا يجلو الآخرى . والحق أن بين شخصيتي الرجلين فروقا أساسية هي التي تهمنا في هذا المقال ، ولكن بينهما إلي جانب ذلك تشابها في بعض النواحي ؛ فقد شهد زياد تأسيس الدولة الأموية على يد " معاوية " ، وشهد الحجاج إعادة بنائها على يد " عبد الملك وبلغ كلاهما الجهد في إرضاء بني أمية وفي قمع الثائرين عليهم ، وحكم كل منهما العراق بيد من حديد ، وخطب كل منهما في مستهل حكمه بالعراق خطبة حفظتها الرواية الأدبية ، ووطد كلاهما دعائم الحكم على أساس القوة والجبروت .
نشأ زياد نشأة غامضة ، عرض لها الغموض من ناحية النسب ؛ فقد كانت أمه أمة اسمها " سمية " ولم يتفق المؤرخون من أبوه ! ولكنهم يروون تارة أن أباه عبيد أحد موالي الحارث بن كلدة ، ويروون تارة أخري أنه أبو سفيان ، ثم يزعمون أن أبا سفيان كاد أن يدعية بعد ان سمع خطبة له في عهد (عمر) لولا خوفه من عمر " أن يفسد عليه إعادته" ويروون أن (معاوية) استلحقه وشهد الشهود بنسبته إلي أبي سفيان ، وان " زيادا " قام في أعقابهم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : " هذا أمر لم اشهد أوله ولا علم لي بآخره ، وقد قال أمير المؤمنين ما بلغكم ، وشهد الشهود ما سمعتم ، فالحمد لله الذي رفع منا ما وضع الناس ، وحفظ منا
ما ضيعوا . . فان صحت رواية هذه الخطبة كان فيها اشارة إلي جانب من جوانب حياة زياد لا يستطيع الباحث إلا أن يتنبه إليه ، ويتنبأ بما سيكون له من أثر في موقف زياد الشاب والرجل من الحياة ومن الناس . فهناك -إذا - جانب من زياد وضعه الناس وضيعوه ، وقد جرت سنة الحياة وموازينها على أن يحاول صاحب الضمة تعويضا لنفسه بالسبق في ميدان ما ، أو بالثورة على المجتمع ، أو باصطناع الاستخفاف وعدم المبالاة أو بغير ذلك مما بحثته الدراسات السيكولوجية الحديثة ، وضربت له مئات الأمثال . ولهجة صاحبنا في خطبته تشير إلي أنه اتخذ عدم المبالاة سلاحا ، وستثبت سيرته بعد ان ذلك كان شعاره ، في موقفه من الخصومة بين على ومعاوية ، وان رائده في ذلك الموقف لم يكن العقيدة والإخلاص ، وإنما كان السياسه والدهاء
وكانت ولادة زياد - على الأرجح - في السنة الأولى من الهجرة ، وكان منذ صغره - كما تقول الأخبار - ذكيا هماما سديد الرأي مثلا في الصرامة والكياسة ويظهر ان لبعض هذه الأحكام ما يؤيدها ، فقد روي " صاحب العقد " أن أحد عمال عمر بن الخطاب وجه " زيادا " بفتح فتحه الله على المسلمين ( فأمره عمر ان يخطب الناس به علي المنبر فأحسن في خطبته وجود . فإذا صح هذا . وإذا عرفنا أن خلافة عمر كانت من سنة ١٣ إلي ٢٣ من الهجرة ، رجحنا أن " زيادا " كان إذ ذاك حوالي العشرين من عمره . وشاب في العشرين أو أقل يقود حملة وينتصر ويخطب في أمر الفتح ويعجب به الخليفة الخطيب عمر ، لابد أن يكون على درجة كبيرة من مضاء العزم وقوة الحنان وفصاحة اللسان . وإذا كان هذا الشاب قد حظي من عمر بإعجابه فمن المحتمل كثيرا ان يكون قد تأثر عمر في شدته وفي خطابته ، ووجد فيه بطله الذي يحذو حذوه ويقلده وهذا احتمال تؤيده رواية
صاحب العقد إذ يقول فيما يروي : " تشبه زياد بعمر فأفرط ، وتشبه الحجاج بزياد فأهلك الناس " ومن مظاهر هذا التشبه انك تجد في نفس زياد الخطيب أحيانا ريحا من عمر . يروي الطبري انه لما جمعت الكوفة والبصرة لزياد اقبل حتى دخل القصر بالكوفة ، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثني عليه ثم قال : " أما بعد فإنا قد جرينا وجر بنا ، وسسنا وساسنا السائسون ، فوجدنا هذا الأمر لا يصلح آخره إلا بما صلح به أوله ، بالطاعة اللينة المشبه سرها بعلانيتها ، وغيب اهلها بشاهدهم ، وقلوبهم بألسنتهم ، ووجدنا الناس لا يصلحهم إلا لين في غير ضعف وشدة في غير عنف . وإني والله لا أقوم فيكم بأمر إلا امضيته على أذلاله . .
ألست تري أن هذه اللهجة تذكرك الفاروق ، إذ يحلف بالله ليحملن العرب على الطريق ، وإذ يدعو الله في خطبة بهمته ان يرزقه الغلظة والشدة على أعداء الله ، وان يرزقه خفض الجناح ولين الجانب للمؤمنين ويظهر ان هذا المزج بين الشدة واللين كان شعارا يجب زياد أن يعرف به بين الناس ، فقد كان مكتوبا في مجلسه . كما يقولون . " الشدة في غير عنف ، واللين في غير ضعف ، والمحسن يحازي بإحسانه ، والسئ يعاقب بإساءته ، لإعطيات في أيامها ، لا احتجاب عن طارق ليل ، ولا صاحب ثغر " .
هذه الصلة بين زياد وعمر لها جانبها السلبي ، ولسنا نريد أن نستطرد إليه هنا إلا بمقدار ما يعيننا ذلك على فهم شخصية زياد ، فعمر كان خليفة ، وصاحب النبي وأبا بكر ، وكان كأنما ينزل الوحي بلسانه احيانا ، وكان رجلا معروف النسب غير مجهول في قريش ، ثم كانت الرعية في عهده موحدة الكلمة متجهة كلها إلي الفتح ونشر الدين . أما زياد فقد حرم معظم هذه المزايا . كان واليا من ولاة الأقاليم يجتهد في إرضاء خليفة فوقه ، وقد استلحقه معاوية كما رأيت استلحاق يمكن ان يتهم فيه ، وكان العراق في عهده
عبادة لمعارضة سياسية مذهبية عنيفة متآمرة ، فقد دفعت (الكوفة) لواء الشيمة وأذعن هؤلاء ظاهرا ولكنهم لبثوا يتربصون الفرص بمعاوية . وغلبت على " البصرة " دعاية الخوارج ، وهؤلاء كانوا حنابلة السياسة في ذلك الوقت . هذا إلي أن الجو الاجتماعي كان إذ ذاك جو مضطربا اختلط فيه العرب بغيرهم من الموالي ، وظهرت فيه أحداث لاتلائم الطهر والنقاء للذين دعا إليهما الاسلام
واجه زياد الكوفة والبصرة وهما على هذه الصورة ، ففرض النظام فيهما قوة وقسرا ، ورويث عن صرامته فيهما أخبار يجب الاحتياط في الأخذ بها مخافة أن تكون يد التهويل قد اعتدت إليها في العصر الذي كتبت فيه فشخص زياد- إذا -وظروفه وأهدافه كانت مختلفة عن مقابلاتها في عمر . ولعل من بعض مظاهر هذا الاختلاف أنك تقرأ خطب زياد واحدة بعد الأخري فلا تكاد تعثر فيها على اقتباس من القرآن أو الحديث ، أو إشارة إلي هديهما وأسرارهما ، على حين أنك لا تقرأ خطبة لعمر إلا تراه فيها مشيرا إلى القرآن أو مقتبسا منه صراحة أو ضمنا أو منتفعا به فيما يعقد من أحكام وموازنات ، يقول : ( اقرءوا القرآن تعرفوا به ، واعملوا به تكونوا من أهله ( ، ويقول : ) فأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون . . وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض ، وأسبغ عليكم نعمة ظاهرة وباطنة ، وحملكم في البر والبحر ، ورزقكم من الطبيبات ويقول : (فان الله عز وجل قال لموسي : أخرج قومك من الظلمات إلي النور ، وقال لمحمد : وإذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ( . وعمر - على أنه خليفة - شاعر بضعفه ، إلا إذا أعانه الله ، وبأنه إنسان يجوز عليه الخطأ والصواب ، وهو يعد المؤمنين أن يتقدم إليهم في مهام الأمور التي يجتهد فيها ، ثم هو دائم الذكر للحساب والوقوف بين يدي الله
وخلو خطابة زياد من هذه النواحي السامية بجعلنا نشك كثيرا في أنه أنس بالقرأن ولازمه وفقه اسراره ، وفي أنه تشرب روح الدعوة الإسلامية وصقل بها نفسه البدوية الخشنة . ومهما يكن من امر فان هذه المرحلة من تحليلنا لحياة زياد قد ابرزت لنا فيها ثلاث نواح : غموض نشأته وذكاء عقله ،و نفسه الجاهلية التي لم تنفذ إلي أعماقها دعوة القرآن
ليس ما بين أيدينا من أخبار التاريخ كافيا لرسم سلسلة متصلة من حياة زياد . وإنما نعرف -فيما نعرف - أنه ولي الكتابة حقبة لأبي موسي ، وأن عمر رضي الله عنه عزله عنها ، فقال له زياد " أعن عجزاً أم عن خيانة قال : " لا عن واحدة منهما ، ولكن كرهت أن أحمل على العامة فضل عقلك ونعرف أنه كان عاملا لعلي بن أبي طالب علي العراق ، وانه ظل طوال النزاع بين على ومعاوية على الولاء لعلي ، فلما مات على وبائع الحسن معاوية ، بقي زياد بفارس ، فاغتم معاوية لهذا ، واستدعي ناصحه المغيرة بن شعبة ، فذكر له " زيادا " واعتصامه بأرض فارس ومقامه بها ، وهو داهية العرب ومعه الأموال ، وقد تحصن بأرض فارس وقلاعها يدبر الأمور ، وان المغيرة بن شعبة استأذن معاوية في أن يأتيه ، فأتاه ( أي زيادا ) ، وقال له : " إني انصحك أن تصل حبلك بحبل معاوية ، وان تعير الناس أذناً صماء وعيناً عمياء فراقت زيادا الفكرة وعمل بها ، وكان ما كان له من شأن في توطيد الملك لمعاوية
(يتبع)
