تحدثت الصحف أخيرا عن شركة زراع السودان . وتطوعت بعض صحف لندن بهذه المناسبة بإقحام مصر والمصريين ولا أذكر أني قرأت عبارة في صحفنا تصحيحا لما ذهبت إليه تلك الجرائد . ولهذا أرجو ألا يكون هنالك بأس ، في أن أتناول هذا الموضوع اليوم . والحديث عن " زراع السودان " ليس المقصود منه زراعه الحقيقيون من أبنائه ورجاله ، الذين يحرثون الأرض ويسقونها ؛ وإنما زراع السودان ، الذين جاء ذكرهم في صحفنا وأثاروا ضجة متوسطة الحجم في الأيام الأخيرة ، هم شركة ليس أعضاؤها من السودان ، ولا يمتون إلى أبنائه بصلة الدم أو القرابة . بل هم شركة مالية تجد وتعمل لاستثمار أرض الجزيرة فيما بين النهرين : النيل الأبيض والنيل الأزرق .
وحديث هذه الشركة ليس مرتبطا بشئون السودان وحده ، بل كان له اتصال متين بشئون مصر أيضا ولا شك أنه لولا الحرب الدائرة اليوم وأحداثها الجسام ، لكانت الضجة التي أثيرت حول تلك الشركة أجل وأعظم . بل ليس من المستغرب مطلقا أن يثار الموضوع مرة أخرى في وقت أشد ملاءمة من الوقت الحاضر ، وبصورة أقوى مما أثير بها اليوم .
انشئت شركة زراع السودان في عام ١٩٠٤ ، أي منذ أربعين عاما ، وهي شركة بريطانية مركزها مدينة لندن . وقد اسست ، ولم يمض على إنشاء النظام الجديد في السودان خمسة أعوام . وقد رأى مؤسسوها أن أرض الجزيرة الخصبة لا تلبث أن تؤتى أطيب الثمار ؛ وأن ثمن
الأراضى الزهيد سيكفل الربح العظيم . ومع ذلك ، فقد بدأت الشركة عملها في شئ من التواضع ، إذ كان رأس مالها في وقت التأسيس لا يزيد على ٨٠,٠٠٠ من الجنيهات ، ولكن هذا المال قد زاد فيما بعد ، حتى اصبح مليونين ونصف مليون من الجنيهات .
وكان الاتفاق الأول بين حكومة السودان والشركة يقضي بأن تقوم الشركة بزراعة ١٠٠,٠٠٠ فدان في سهل الجزيرة ، على أن تروى هذه الأراضي بواسطة " قناطر " تبنبى على النيل الأزرق ، وتقوم الحكومة ببناء القناطر وحفر الترع الرئيسية ، وتقدم الأرض الزراعية أيضا ، ثم يقسم الإيراد بين الشركة والحكومة والزراع من أهل البلاد .
وبدأت الحكومة في دراسة المسائل الهندسية الخاصة بالمشروع ، فتراءى لها أن تنشئ بدلا من القناطر سدا على النيل الأزرق . والقاريء يدرك من غير شك الفرق الكبير بين العملين من مقارنة قناطر محمد علي مثلا ، ووظيفتها الوحيدة هي رفع مستوي النهر من أجل تغذية الترع ، ذات المأخذ المرتفع أما السد مثل سد أسوان ، فإنه عمل هندسي أعظم وأضخم ، لأن الغرض الأكبر منه ليس مجرد رفع مستوى النهر ، بل وتخرين مقدار عظيم من الماء ، ولهذا لابد من بناء ذي نفقات باهظة ، لكى يحتمل ضغط المياه المختزنة
وهكذا اتخذ المشروع صورة أعظم وأفخم . ولكن الحرب العالمية أدركته وهو في بدايته ، فتعطل العمل في بناء السد ، ولم يتم تماما إلا في عام ١٩٢٥ . وفي تلك السنة أمكن ملء الخزان للمرة الأولى .
كان نص الاتفاق الأول بين الحكومة والشركة يقضي بأن ينتهي الامتياز الممنوح للشركة في عام ١٩٢٥ ؛ ولكن لم يكن بد بعد التوسع في المشروع والتأخر
في تنفيذه ، من عقد اتفاق جديد ينتهي بمقتضاه الامتياز في شهر يونيه سنة ١٩٥٠ ، أي أن الامتياز لا يسري إلا خمسة وعشرين عاما فقط بعد إنشاء الخزان .
ولا شك ، أنه يبدو لأول وهلة أن في هذا الاتفاق ظلما غير قليل للشركة ؛ فان مدة خمسة وعشرين عاما لشركة خصصت رأس مال يزيد على مليونين من الجنيهات قد تبدو مدة قليلة ونحن هنا في مصر نعرف أن امتياز شركاتنا يصل في العادة إلى ما يقرب من قرن كامل ؛ وكثير منها يحصل على امتداد الامتياز فى غير مشقة كبيرة ، ولهذا يبدو لنا كأن شركة زراع الجزيرة قد عوملت معاملة قاسية
ولكن من الواجب ألا ننسي أن رأس مال الشركة المذكور بعد قليلا إذا قيس إلى تكاليف المشروع كله . فإن العبء الأكبر في الإنفاق على المشروع وقع على الحكومة ، وبالتالي على الشعب . فالحكومة هي التي أنشأت خزان سنار ، وحفرت جميع الترع والمساقي الرئيسية التي تغذي أرض الجزيرة ، والحكومة هي التي استأجرت الأراضي من ملا كها الأصليين بأجر زهيد لم تكن الشركة لتستطيع أن تحصل عليه بمجهودها الخاص وقد قدمت حكومة مصر والسودان خبراءها ورجال الري فيها لخدمة المشروع دون أن يتقاضوا على ذلك أجرا. ويبلغ ما أنفقته حكومة السودان على المشروع أضعاف ما جمعته الشركة من مساهميها
وهنا يعرض للقارئ من غير شك أن يتساءل : كيف حصلت حكومة السودان على المبلغ الضخم الذي لا بد منه للانفاق على مشروع هائل مثل زراعة الجزيرة وما يتصل به من المشروعات ؟ وقد اريد به ان يشمل في النهاية ثلاثة أو أربعة ملايين من الأفدنة . وليس الأمر قاصرا علي إنشاء السد العظيم ، بل لا بد من حفر قنوات
عديدة ، ومد خطوط حديدية لنقل الغلات الزراعية إلي بور سودان ؛ وإنشاء محطات لتوليد القوي الكهربائية وغير ذلك من المشاريع التي تتطلبها اعمال الإصلاح والتعمير والإنشاء .
من أجل تنفيذ هذه المشروعات لجأت حكومة السودان إلي الأمر الوحيد الذي تلجأ إليه كل حكومة تنشد اعمال الإصلاح التي يرجي لها أن تثمر وتؤتى أكلها مضاعفا ، وذلك الأمر هو الاستدانة . فميزانية حكومة السودان لم تمكن وقت إنشاء الخزان تزيد على مليونين من الجنيهات ، والمشروع يتطلب بضعة عشر مليونا . وقد تفضلت الحكومة البريطانية فضمنت حكومة السودان في الاسواق المالية بلندن ، فتهافت رجال المال على اختطاف سندات الديون السودانية ، لان أسعارها كانت كريمة ، إذ يتراوح الربح ما بين4 و5في المائة ، ولمثل هذه السندات يتنافس المتنافسون من رجال المال في عاصمة المال
وأخذت حكومة السودان تقترض بالتدريج من عام ١٩١٩ إلي عام ١٩٢٧ ، حتى بلغ مجموع ما عليها من الديون . . ١٥,٢٠٠ من الجنيهات الإنجليزية ) ١ ( . وهذه الأموال لم تخصص كلها بالطبع لإنشاء الخزان وحفر النرع ، بل المشروعات العمرانية الأخرى ايضا مثل مد الخطوط الحديدية . وهكذا نري أن الحكومة قد انفقت على المشروع ستة امثال رأس مال الشركة ، إذا لم ندخل في حسابنا النفقات التي صرفت من الميزانية العادية ، والخدمات التي يؤديها رجال الدولة . ولو ادخلنا هذا كله في حسابنا لما كان لنا مندوحة من ان نحسب ان ما انفقته الحكومة يعادل عشرة امثال ما انفقته الشركة . وعلى
كل حال فاننا لا بد لنا ، إذا أسرفنا في التواضع ، أن نقدر أن مشروع الجزيرة قد كلف الدولة والشركة معا نحو عشرين مليونا من الجنيهات ، وان النسبة بين نفقات الطرفين هي ١٢ % للشركة و ٨٨ % للدولة .
أما ثمن الغلات الزراعية - وعلى الأخص القطن ، وهو الذي من أجله انشئ المشروع - فإنه يوزع بين ثلاث هيئات : الزراع الوطنيين ) ٤٠ %( والحكومة ) ٣٥ % والشركة ) ٢٥ % / ( وربما تساءل بعضنا لماذا لم تقم الحكومة بهذا المشروع كله من أوله إلي آخره ما دامت في النهاية قد انفقت عليه كل هذه الاموال التي بلغت ٨٨%من النفقات ؟ والرد على هذا السؤال يكون بالرجوع إلى تاريخ المشروع ، فإن الشركة كانت السابقة إلى التفكير في استغلال أرض الجزيرة وذلك منذ اربعين عاما ، في وقت كانت الحكومة منصرفة إلى تنظيم الإدارة ، واستكمال اداة الحكم ، وأيديها مممتلئة بالأعمال والمشروعات العمرانية في مختلف النواحي ) فإلى الشركة يرجع الفضل في أنها أقدمت على مشروع لم تكن واثقة كل الثقة من نجاحه ، وانفقت المال فترة من الزمن قبل ان تجني ارباحا .
وبهذه المناسبة لا بد لنا أن نذكر ان الشركة لم تنتظر حتى ينشأ الخزان ، بل اخذت تزرع في الجزيرة مساحة طيبة من الأرض تبلغ ٢٠ او ٣٠ الفا من الأفدنة بواسطة الآلات الرافعة التى تستمد الماء من النيل الازرق . وكانت زراعتها دائما لأحسن أنواع القطن المصري ذي التيلة الطويلة . ولا شك أن توحيد الإشراف الزراعي في يد الشركة قد كانت له فائدة اقتصادية كبيرة ؛ لأن الشركة هى التي تملك المحالج ، وهي التى تتولي شراء البذور الجيدة وتوزيعها على الزراع ، وتتعاون مع رجال الري في السودان على توزيع المياه بالقدر الضروري المفيد ، وهي تتولي بيع الحصول بأحسن الأسعار في الأسواق العالمية .
أما المساحة التي تشرف الشركة على زراعتها فإن لها
حديثا طويلا ، وخطرا عظيما جعلها من المسائل الدولية العالمية . فقد شجر خصام حاد عنيف بين مهندسين بريطانيين حول التوسع في زراعة الجزيرة ، حتى اضطرت الحكومة البريطانية لأن تدعو لجنة عالمية محايدة إلي حد كبير ، فقضت هذه اللجنة لماكدونالد وسفهت رأي ويلكووكس . ثم عقد اتفاق بين الحكومتين البريطانية والمصرية في عام ١٩٢٠ على أن تكون مساحة أراضي الجزيرة الداخلة في اختصاص الشركة . ر ٢٠٠ فدان ، وظل هذا الانفاق سائدا خمس سنين لا تشوبه شائبة . ولكن لاشك أن الشركة لم تكن راضية عنه كل الرضا ، وكانت تتربص الفرص لتعديله . وربما كانت حكومة السودان أيضا متبرمة بهذا الاتفاق . ولا شك أن تحديد الرقم بثلثمائة ألف من الأفدنة كان أمرا سيعدل بمضي الزمن ؛ ولكن الأمر الذي يأسف له كل مصري وسوداني وبريطاني ، هو أن ذلك التعديل قد أجري بطريقة عنيفة وبمناسبة أليمة ، وهي الاعتداء علي السردار السر لي ستاك . ولا حاجة بنا لأن نطيل الكلام في هذا الموضوع الأليم الذي تناسيناه جميعا ، بفضل ما تلاه من تحسين الصلات وعقد المحالفات بين مصر وبريطانيا ؛ وقد كان لهذا أثره في تحسين وجهة النظر فيما يخص مياه النيل ومشروع الزراعة في أرض الجزيرة
ولم يكن من الممكن بالطبع أن يؤجل البت في امر مشروع الجزيرة ومساحة الأرض الداخلة تحت إشراف الشركة إلى أن تعقد المحالفة المصرية البريطانية . ولذلك عملت الاتفاقية الخاصة بهذا الموضوع في مايو سنة ١٩٢٩ ، وبمقتضاه تقرر الا تكون زراعة الجزيرة مقيدة بمساحة من الأفدنة ، بل يكتفي بتنظيم فتح وإغلاق أبواب خزان سنار في مواعيد مقررة وموضحة في ذلك الاتفاق ، وفي تقرير لجنة مياه النيل .
ومن الحق أن نقرر أن الشركة لم تنتظر إعلان هذا
الاتفاق لكي تتوسع في زراعتها في الجزيرة ، لأنها كانت تتوقعه ، ولذلك زادت المساحة التي تشرف عليها إلي . . ٣٩٧ فدان في عام ١٩٢٩ ( . وهكذا نري أنه بمقتضي الاتفاق الجديد بصرف النظر عن موضوع المساحة اكتفاء بسحب المقدار المتفق عليه من ماء النيل الأزرق . وهذا المقدار المتفق عليه هو من الكفاية بحيث لا تجد الشركة ضرورة لاستنفاده كله ، مع أن المساحة قد زادت حتى قاربت مليونا من الأفدنة .
ولكن هذا المليون فدان لا يزرع كله ، لأن نظام الدورة الذي تتبعه الشركة يقضي بإراحة مساحة من الأرض في كل عام . وكان هذا النظام فيما مضي يتبع دورة ثلاثية . ثم رأت الشركة ان الأرض قد أخذت غلتها من القطن تتناقص عاما بعد عام حتي بلغت اقل من قنطارين للفدان الواحد ؛ ولذلك قررت الشركة ان تكون الدورة رباعية ، بحيث تزرع الأرض قطنا مرة واحدة في كل أربع سنوات . ولا شك أن هذا النظام قد كان له أثره في تحسين الغلة تحسينا مطردا .
ولابد بعد ذلك ان يتبادر إلي الذهن سؤال لا مفر منه ، وهو : هل حقق المشروع الامال ؟ ولا مفر في الإجابة عن هذا السؤال من ان نذكر ان هنالك امالا ثلاثة ، وهي : آمال الحكومة ، وأمال الشركة ، وآمال إخواننا الذين يزرعون الأرض ويحرثونها . ولا بد لنا ان نذكر حين نتكلم عن تحقيق الآمال ، أن هذه الأماني معقودة إلي حد كبير بغلة واحدة هي القطن . ونحن أهل مصر نعرف تماما أن القطن كثيرا ما يحقق وكثيرا ما يخيب الآمال ؛ هذا شأنه في مصر ، وهذا شأنه في أمريكا ، فكيف لا يكون هذا شأنه في السودان أيضا ؟
) البقية على صفحة ٢٤ (
) ١ ( راجع التقرير السنوي عن السودان عن عام ١٩٣٤ الصادر بالندن سنة ١٩٢٠ ، ونشرته الحكومة البريطانية

