الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 264 الرجوع إلى "الثقافة"

شر البلية !

Share

قال صاحبي (س) مرض أبي فشغلت به عن كل شئ في الحياة ، ورحت اطرق ابواب الاطباء ، وكان اليوم جمعة والأطباء في راحة ، حتى وجدت طبيبا قبل ان يعوده ، وحدد لعيادته وقت الظهيرة .

وابت إلي المنزل أحمل نبأ قدوم الطبيب فوجدت الدار تزخر بالعائدات من الآقارب والجارات

وقلت لزوجتي الهالعة : - هوني عليك فلن تمضى ساعة حتى يأتي الطبيب وتكون من أمره على بينة

ولم ترد زوجتي ، وإنما ردت سيدة من الأقارب : - طبيب ؟ وما الحاجة إلي طبيب ؟ أليست علته واضحة لاخفاء فيها ؟

قلت - فكيف وضوحها ؟

قالت - ألبست حرارته مرتفعة ؟ قلت - بلي . قالت - أليست معدنه مضطربة ؟ قلت - بل . قالت - أما تري ذبول عينيه ؟ قلت - بل أراء . قالت - فهل هناك غموض ؟ إنها نزلة برد ، وايسنالم تلم بأولاده . إنها واضحة ، وعلاجها اوضح منها . فزيت الخروع يجرع منه الطفل ملعقتين ، ويمنع عن الأكل ثم ينقل عليه الغطاء فلا يصل إليه نور ولا هواء ، فإذا كان المساء فالحقنة الشرجية ضرورية ، وما من الملعقتان من زيت الخروع في صباح غد بد .

ولم يعجب العلاج سيدة أخري فاعترضت قائلة : - وما الحاجة لكل هذا العناء ، وملعقة واحدة من الشيح على الريق ، ولبخة من الردة على الظهر والصدر ، وقطعة من  مر البطارخ يزدردها قبل النوم فيصبح الصباح ، وكأنه ما مرض قط

ونظرت إلي السيبدة الأولى لأري رأيها فقالت : - ما فيما وصفته من ضير ، على أن لا سهمل شربة الزيت في الصباح ، والحقنة في المساء .

قلت سائلا : فيعطي الطفل إذن كلتا الوصفتين قالتا معا : أجل ! وإن ذلك لأدعي لسرعة الشفاء . وسكت متظاهرا بالرضي ، وأخذن جميعا أقارب وجيرانا بتحديثين عن شتى الامراض ، ووسائل التطبيب ، وسهولته لولا ما ابتدعه الطب الحديث من تعقيد في العلاح ، وراحت عليمة منهن تكشف حبل الطب الحديث ، وكيف يستعين بنفس وصفاتهن بعد أن يزوقها ويغير أسماءها .

وطرق الباب وكان الطبيب ، فأقبل على الطفل فتجس نبضه وحرارته ، وتلمس مواطن العلل في جسمه ثم صمت هنيهة ، وأخذ يكتب الدواء ، وتحفظ فلم يذكر للعلة اسما ، وأعلن إلينا أنه لن يستطيع تشخيصها قبل أن يمضى يومان ترقب خلالها تغير الحرارة .

وانصرف الطبيب ، وانصرفت من بعده العائدات بعد أن أكدنا لهن إيماننا بما وصفن من علاج ، وانصرفت أنا إلي الصيدية فابتعت الدواء ، ودفعت مع الثمن كثيرا من التوسلات حتى ظهر بعضه وكان مختقيا

ومر اليومان ، والطفل علي حالة فتفقدت الطبيب فقيل لي إنه في الريف بعود طفلا من ابناء الوسررين ، ولن يعود قبل يومين ، فلمست طبيبا آخر فأقبل ، وفعل ما فعل زميله حتى إذا شرع يكتب الدواء دفعت إليه مما كتب زميله ، وقصصت عليه ما حدث . لكنه مع ذلك أخذ بكتب الدواء كأن الأمر لا يعنيه فقلت مضطرا :

وما تري يا سيدي فيما كتب زميلك ؟ قال - إني أعرف هذا الزميل ، ولا بأس عليه لولا أنه يتبع مدرسة في التطيب لا أومن بها ولا اتبعها ، ولست أملك إلا أن أصف الدواء على طريقتي واشير بوسيلة العلاج التي أرضاها

قلت فنعدل إذن عن هذه الزجاجات ؟

قال - نعم . وحمدت الله أنه لم يشر كما أشارت جارتنا بأن نتبع كلتا الوصفتين ، واوصلته إلى سياره ، وعدت إلي زوجتي أستطلع رأيها .

قالت - ماذا أنت فاعل ؟ قلت - سأشتري هذا الدواء ما في ذلك شك . قالت - أفلا نتريث قليلا ، وتستمر على دواء الطبيب الأول ؟

قلت ألا تخشين غضبة المدرسة الحديثة في تطبيب الأطفال ! أما أنا فأخشاها ، وأري أن نبادر فنتبع علاجها ولن تخسر شيئا فكلاهما دواء

وعدت بعد ساعة أحمل الدواء ، ومر يوممان أيضا ، ووحدنا في اليوم الثاني أن الطفل لا زال كما هو ، واخذت أعلل النفس بأن الدواء قد يحتاج إلي وقت ليوْتي ثمره . وليتصف النهار ، وإذا بالباب بطرق ، وإذا طبيبا الأول قد آب من الريف وعلم بسؤالنا عنه ، فحدثته بما فعلناه ، وقدمت إليه دواء زميله لبري رايه ، فتأمل الزجاجات وقد وصف الدواء ، ثم رفع رأسه قائلا :

إنه الدكتور (م ) إني اعرفه زميلا قديرا لولا أنه يتبع في علاجه مدرسة غير مدرستي ، وأري ان الحالة تستلزم علاجا غير هذا .

ومضى بكتب دواء جديدا ، ومضبت أنا استعيد ما حدث منذ مرض الطفل واستهدي الفكر فيما انا  فاعل ، حتى أتم مهمته وخرج ، فعدت إلي زوجتي أشاركها الحيرة .

قالت زوجتي : - لعلنا وقد رفضنا ان تحيل جسم الطفل إلى حقل تجارب للوصفات البلدية ان نضن به على أن يكون ميدانا نعترك فيه مدارس الطب فتتحول به كل يوم من دواء إلي دواء .

قلت - ولا أرضي أنا أيضا أن أعطيه كلا الدوائين وأول في جوفه كملنا المدرستين ، وإلى لأخشي ان تتكاسل

كل منهما فتعتمد على الأخري ، ويضيع الطفل بينهما .

قالت - فما الرأي إذن ؟ قلت - أن نترك لله أمر شقائه أو تتفق مدارس الطب على علاج ، ونحن آخذان كما ترين بأسلم السبل فما نطعمه شيئا إلا السوائل ، ولعلنا في غد مهندبان إلي طبيب محايد ، وتكون العلة قد كشفت عن نفسها

وتنفس صباح اليوم التالي ، وقد انتشرت على وجه الطفل بقع حمراء ، وما رات جارة من جاراتنا ذلك حتى شهدت عن ارتياح ، وقالت وكانها هذه البقع ليست نذير مرض وإنما بشير شفاء :

- ألم أقل لكم إنها الحصبة ؟ الحمد لله لقد تبين لآمر زملا الولد ودثر تراه بأغطية حمر ، وألبساه ملابس حمراء ، وعليكم بالعمل الأسود بشربه وبالعمل بحقن به ، وانشرا الستائر على النوافذ ظن يدخل الغرفة هو . ولا نور ، إنها أيام وتزول العلة .

أما أنها قالت لنا إنها الحصبة فذلك ما لا أذكره ، وأما علاجها فما تبعنا منه شيئا ، وإنما أسعفنا الله بالطيب المحايد فلم يصف دواء وإنما وصف الحمية ، وحتم الدفء ، ونهي عن التعرض لتقلبات الهواء ، وكانت هي الحصبة فعلا ولطف الله بالطفل فشىفي بعد أن بلغ المرض مداء .

وسكتنا ننتظر أن يتم صاحبنا " س " لكنه كان قد انهي حديثه فقلت :

- فما وجه العبرة في قصتك هذه ؟ القوم جاراتك أم أطباءك ؟

قال - أما الجارات فشأنهن معروف ، ضمن وحدهن اللاتي يتدخلن في أمر الطب ، وإنما هو داؤنا جميعا ، فلا يجلس الإنسان في مجلس وبشكو مرضا حتى تنهال عليه الوصفات والوان الأدوية من كل جالس ، اللهم إذا كان فيهم طبيب فهو وحده الذي يصمت كلنا أطباء بالفطرة كما يقول بعضهم .

وإنما الذي يلفت نظري فيما قصصت عليكم هو امر

هذه المدارس لقد أصبح شر البلبية ، وليس هو كما قال الشاعري جهل الطبيب . )انماشر البلية  فعلا هو هذه المدارس التي تأتي أن تتنازع وتتطاحن إلا في حسومنا . هو هذه العشرات من الزجاجات التي تشتري اليوم ثم تقذف في سلة الهملات وتتربع مكانها زجاجات أخري ، فإذا طال المرض يحول بيت المريض إلي صيدلية . وكل هذا في زمن يحصل المرء فيه على بعض أنواع الدواء كما يحصل المدمنون على حاجتهم من المخدر ، وقد لا يحصل عليه أحيانا إن لم تسعفه الحيلة . هذا هو البلاء الحق ! أما جهل الطبيب فقد انتهى امره . أو هو منته مما وصل إليه النظام من تقييد المهنة ، وقصرها على درجة من الكفاية والمران والأمتحان . وبما وصلت إليه الدولة من خطر الشعوذة والنهي عن اتباع الوصفات البلدية والدعاية للطب الحديث

وما يخلق بالطب الحديث أن تتوحد عنده الآمان ، ويكون الملجأ الأخير ، ثم يكون بعد ذلك عدة مدارس تتطاحن وتتضارب ، ولا نصيب لكمانها إلا اجسادنا تحن

اشترك في نشرتنا البريدية