الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 210الرجوع إلى "الثقافة"

شعاب قلب

Share

عرض ونقد

للأستاذ حبيب الزحلاوي مزايا خاصة لتطبع بطابعها ، وكاد أن يتفرد بها بين ادبائنا الذين يعالجون الابحاث الأدبية عامة ، والنقد خاصة . فقد عرفناه في خلال هذه الابحاث ، صريحا في إداء رأيه ، متمردا في جرأة على البيئات الأدبية المختلفة ، متألما للحالة التي وصلت إليها هذه البيئات ، ذا حماس لرايه ، وهو حماس يبدو في خلال المعاني التي يتناولها الكاتب والأسلوب الذي يتداوله قلمه .

ظهرت هذه المميزات القائمة على الصراحة والتمرد والحماس والالم ، في ادب الأستاذ الزحلاوي حين كان يكتب في أصول الأدب البحت ، والنقد الأدبى الحر ؟ وقد برزت تماما في كتابه " أدباء معاصرون

فإذا انتقل بقلمه من مجال النقد والأدب ، إلي ميدان الحياة والقصة ، نجد أن ما نشره في مجموعة " شعاب قلب يحمل طابع هذه الخصال كلها .

والقصة من الوسائل التي يتوسل بها الكاتب لوصف الحياة . ويقول الاستاذ الزحلاوي إنها خير وسيلة للتعبير عن الخلجات الإنسانية ، وارحب مجالا للذهن الخصب وابرع حيلة يحتال بها الكاتب صاحب الرسالة . وهو يعرف في نفسه الصراحة التي ذكرناها حين يقول إنه " ليس في وسع كل ادب ان يكون صادقا في تقرير الواقع ، جريئا في القول الحق ، غير موارب ولامراء ، لان هذه

المحامد إنما هي خلائق طبيعية ، وأن العنصر المكتسب منها قليل من هو يذهب إلي أبعد من هذا فيزعم " أن الرياء في القصة إنما هو خيانة للأدب لا تقل شناعتها عن شناعة جشع المرأة المتهالكة على الخيانة .

تناول إذن الأستاذ حبيب الزحلاوي الحياة في صراحة الجريء فوصف غرائز الإنسان ، وخلجات نفسه ، ونزل في الكثير مما لاحظ من أثر الغرائز ، وما حلل من خلجات النفس ، إلي الصحيح من الروح البشرية ، فإذا به متمرد علي بعض الأوضاع الاجتماعية ، تأثر علي ملابسات الحياة ، منبرم بالكثير من التقاليد .

ونلاحظ هنا انه في المقدمة التي كتبها لهذه المجموعة من القصص ، متمرد على النقد الذي جعل للقصة مذاهب واستحدث ) قيودا وحدودا وأوزانا وضوابط وقواعد للتنمية بين اسلوب وأسلوب " فهو يقرر انه يعرف هذه " المستحدثات الظريفة الطريفة ولكنه لا يأخذ ، وقد لا يأبه بها ، لان في بناء القصة لا يقوم على دعائم هذه المدارس إلا عند الكتاب الجامدين الذين لا يعرفون إلا اتباع من سبقهم وسلوك مسلكهم على القد والقياس

ولا أريد أن أنصف النقد والنقاد من الأستاذ الزحلاوى ، فهو يعرف ان تلك المذاهب التي ذكرها " الرومانتيكية والكلاسيكية ، والواقعية وما وراءها ، والرمزية والإنسانية وإلى اخر ما هناك كل هذه المذاهب لم يخلقها النقد ولم يأخذها إلا بعد أن ابتدعها أصحابها وفرضوها عليه ، مبينين مبادئها ، شارحين لاصولها ، وهل لي ان أكرر ما قلته من قبل وهو ان هذه المذاهب لا حدود فاصلة بينها ، وان بعضها يدخل في البعض الآخر ويأخذ منه ، وان قيمة القصة ، كغيرها من الإنتاج الفني والآدبي ، تقوم على المذهب الذي يذهب إليه .

يقول الاستاذ حبيب الزحلاوي إن لم يتقيد بهذه

المذاهب التي يعرفها ، وانه سلك في كتابته فيه مسلك الشرح والتبسيط ، وتعمد التشويق والترغيب ، ورمي عن قصد إلي عدم التقيد فما ذنب الناقد إذا حكم بعد مطالعة مجموعة قصصه بانها تمت باكثر من صله إلى مذهب الواقعية المشوبة ببعض الوجدانية ، وهو المذهب الذي يعد فلوبير أبرع ممثل له ، وتعد قصصه ، وخاصة ) سدام بوفاري خير مثال يدل عليه

) وهناك ظاهرة اود إليها مداعبة للصديق الأستاذ الزحلاوي وهي : انه بينما يظهر في كتابه معاصرون ، ناقما علي المقدمات التي يقدم بها الأدباء لكتب اصدقائهم وساخطا على كاتبيها ، نجده في مجموعة قصصه شعاب قلب ينشر في صدرها مقدمة بقلم الأستاذ عباس محمود العقاد ، وتحييه بقلم الأستاذ نقولا الحداد وهذه المناسبة نود أن نشير إلي أن مقدمة الأستاذ العقاد لم تتناول المجموعة بما هي خليقة به من الدرس والوصف وكنا نود لو انه توسع في دراسته بطريقة شاملة . ولعل الأستاذ العقاد شاء أن يكتفي بتعريفنا بشخصية المؤلف وما توافر فيها من المزايا التي تؤهله ليكون قصصيا بارعا ، سواء ) في مساعيه الخارجية أو تجاربة النفسية ؟

فقد عرف الأستاذ الزحلاوي ) الجهاد في سبيل الوطن كما عرف الجهاد في سبيل العمل ، وتمرس بالناس كما تمرس بنفسه ، واختير حياة الأسرة وملابساتها كما اختير حياة المجتمع الشرقي وملابساته ، وزار مع هذا بلادا غير بلاده الشرقية ، فسنحت له فرص شتى للمقابلة والموازنة والاستفادة من هنا وهناك ثم أشار إلي أسلوبه في كتابة القصة ورأي انه كفل لقرائه المزيتين اللازمتين في كتابة القصة ، وهما ) صدق الرواية عن الحياة ، وحسن التمثيل لما رواه

أما الأستاذ نقولا الحداد فقد خص قصة " فلسفة

الشيخة " بإعجابه ، لانه رأي فيها ابدع أنموذج لوصف الشخصية المنهمكة وهي قصة قوية حقا ، ولكني أفضل عليها قصة غريب ولعل هذه الأخيرة ، خير أقاصيص مجموعة الشعاب قلب ، وأبرعها معنى ومبني .

إنها قصة فتي انحدر من دمشق إلي القاهرة فشعر بأنه غريب بين هؤلاء الناس الذين نزل بين ظهرانيهم ، وهو يجهلهم وهم يجهلونه ، وصرت السنون واندمج بوسطه الجديد حتي لقي سيدة لمح فيها ميلا إليه ، فطارحها الهوي ، تقابلته بالرضي ، وتواعدا علي أن يلتقيا في الريف لينعما بحبهما ، وهو يصير علي بعد الموعد كما شاءت ، وهو بعد ذلك حين جاءت ملبية نداء الغريزة والقلب ، لاحظ بعض تردد لعل مصدره حرص على الوفاء لابنها الصغير ، وحفظ للأمانة الزوجية ، وإيثار لكرامتها أمام نفسها ، فلم يحاول أن يسهل لها سبيل الشهوة وأن يدفع بها إلي إرضائها كما يفعل غيره من شبان اليوم ، فهو أثير أن يحتفظ بكرامتها أمام نفسها ، وهو يعرف أنها تحبه ، ولكنه " ينزه الحب عن أن يكون مجرد مادة لم يلبث أن أمر سائق السيارة بالعودة ، بعد أن تعلم من صاحبه ) أن في وسع الإنسان أن يعيش بالروح أكثر مما يعيش بالجسد ، وان الحب الكبير قد يستطيع أن يقتصر ، لا علي المادة فقط ، بل علي الزمن أيضا " .

كان من قبل غريبا بشخصه بين أناس يجهلهم ويجهلونه ، ثم صار غريبا بروحه في عصر تسيطر عليه المادة ، ويسارع أهله إلي إرضاء غرائزهم غير مبالين بعواقبها .

فقصة غريب سمو فوق الغرائز، وانتصار عليها وهي من هذه الناحية ، كشعاع ينير الإنسانية في ريجور مهاوي الغريزة التي تتردي فيها

أما أقصوصة " فلسفة الشيخوخة فقد وصف فيها غريزتين كانتا ولا تزالان أصيلتين في نفس الإنسان ، وهما

حب المال ، والجنس . وفيها تصوير صادق للحياة التي تبدأ في فقر وتنتهي إلي ثروة ، وصاحبها مسرف في صباه في جمع المال ، مسرف في شيخوخته في انتهاب الملذات

وقد تناول في أقصوصة " إشاعة طلاق ، التجديد الذي يطلبه الفنان في حياته ليغذي فنه وإنتاجه ، فأحاط به من شتى جوانبه وبين خطره على حياة الأسرة .

ونلمح في أقصوصة " الأفعوان تأييدا للمبادئ الفرودية " من حيث العقل غير الداعي .

ولأقصوصة " مع الريح " ميزة اجتماعية خاصة لأنها تمثل الجيل الجديد ، من الجنس اللطيف ، بعد ان سفرت المرأة ونالت قسطا وافرا من حرية لم تتعودها من قبل ؟ وهذا الانتقال المفاجئ ولدا جيلا جديدا ، قلقا مضطربا في انفعالاته وأحاسيسه ، وغرائزه . ويقول الاستاذ الزحلاوي على لسان بطلة الأقصوصة بعد ان تردت في كثر من هاوية : " قدر لي أن أكون كبش الضحية لجيل كامل من بنات جنسي ، لم يقو على النكوص على الإعقاب والرجوع إلي عادات جيل الأمهات وتقاليد الأباء ، وليس في وسعه الإسراع فيبلغ إلى الحد الذي يصل إليه ويستتر فيه الجيل الذي يليه ، فكان لا محيص أن يكون جيلنا الذي مثلته بطياشتي ، ونزواتي ، وسقوطي ، ضحية الطفرة وتياراتها الجارفة ؟

ولن احاول أن أطوف بأقاصيص المجموعة كلها وإنما أريد أن أشير إلي قصة " عين زكية " التي اشار فيه المؤلف من بعيد إلي غريزة نسائية شاذة ظهرت في الآخر أنها مدار الأقصوصة ، والذي أخذه عليها أن زكية هي التي حسنت لصاحبتها الزواج ودفعت بها إليه ، ثم ابنه على نفسها ؛ ولعلها كانت تحملها على كراهية الزواج لو أن حبها صادق .

ويستطيع القارئ أن يأخذ على المؤلف ، أنه في

أكثر الأحيان ، وفي غير قصة " غريب " لم ينظر إلي الحياة إلا من خلال الغرائز ؛ وانه في أقصوصة " الآباء البيض ، مثلا لم ينظر إلي حياة الرهبان ورسالتهم في الحياة إلا من ناحية واحدة ، ولكن هذا القارئ ، يمحض الكاتب الأديب الأستاذ الزحلاوي الإعجاب الخالص لصراحته في تمثيل الحياة ، وإخلاصه في إبداء ارائه ، إلي تمرس بفن القصة ، وقدرة على حسن البناء والتأليف وبراعة في الأسلوب ؛ ويستطيع المطالع كذلك ان يتبين بين سطور قصصه ، تلك الصفات التي قلنا إن الاستاذ الزحلاوي يتميز بها .

ولا شك أن مجموعة أقاصيص " شعاب قلب " تحمل المطالع على التفكير في شؤون الحياة بما تحلله من عواطف وغرائز ، وتشوقه على المضي في مطالعتها ، بما تقدمه من ضروب التشويق في الأسلوب ، فهي حرية بالإقبال ، ومؤلفها الأستاذ حبيب الزحلاوي جدير بالتقدير والثناء .

( اسكندريه)

اشترك في نشرتنا البريدية