يذيع الأستاذ أحمد عبد المجيد الغزالي سلسلة أحاديث أدبية من محطة الإذاعة بهذا العنوان، وقد سمعناه أخيراً في مساء الاثنين ٥ فبراير يتحدث عن الشاعر الأمير أبى فراس الحمداني، فتناول في حديثه جميع أطوار الشاعر، وعرض لفنه ومذهبه في النظم فوفى الكلام في هذا الصدد. ونحن مع إعجابنا بما سمعنا لا نسلم بكل ما جاء في حديثه، فمثلاً يقرر أن أبا فراس لم يكن في غزله كعامة الشعراء، بل كان إذا تغزل تمثل شخصيته العسكرية، وطبيعته الباسلة. ويعنى الأستاذ المحاضر بهذا أن الشاعر لم يذب قلبه في قصائده ومقطوعاته. ويؤيد حكمه على الشاعر بهذه الأبيات:
أراميتي كل السهام مصيبة ... وأنت لي الرامي فكلي مقاتل
وإني لمقدام وعندك هائب ... وفي الحي سحبان وعندك باقل
تسائلني من أنت وهي عليمة ... وهل بفتى مثلي على حاله نكر
ونحن أناس لا توسط بيننا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر
وفي كلتي ذاك الخباء خريدة ... لها من طعان الدارعين ستائر
تقول إذا ما جئتها متدرعاً ... أزائر شوق أنت أم أنت ثائر
والأستاذ الغزالي بقوله هذا ينكر على الرجل عمق إحساسه وشعوره وعواطفه وهي الصفات التي تتفاوت بها معايير الشعر. ولو تروى الأستاذ قليلاً لأدرك أن للرجل في الغزل شعراً يفيض عن إحساس قوى مشبوب، وعاطفة مضطرمة مضطربة. وإن خالجه في هذا شك فليسمع:
إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى ... وأذللت دمعاً من خلائقه الكبر
تكاد تضئ النار بين جوانحي ... إذا هي أذكتها الصبابة والهجر
ومن غزله السافر:
بات الحبيب إلى الصبا ... ح معانقي خداً بخدْ
يمتار فيْ وناظري ... ما شئت من خمر وورد
ومن أبيات له:
تثنت فغصن ناعم أم شمائل ... وولت فليل فاحم أم غدائر
كأن الحجى والصون والعقل والتقى ... لدى، وربات الحجال ضرائر
أقول وقد ضج الحلي بجرسه ... ولم تر فيها للصباح بشائر
فيا رب حتى الحلي مما نخافه ... وحتى بياض الصبح مما نحاذر
هذا ولو شئت أن أذكر للأستاذ المحاضر من شعر أبى فراس الذي لا ينهض مع حكمه الجريء على غزله وتشبيبه لما اتسعت هذه الكلمة العابرة لذلك!

