لست أدري ما علة هذه الحملة التأديبية المفاجئة التي يأبى أستاذنا الجليل (أ. ع) إلا أن يشنها على شعرائنا الشباب الذين يضطلعون بمهمة تجديد الشعر العربي والنهوض به ونفض هذا الثرى المتراكم عليه والذي يوشك أن يخمد أنفاسه. . . لقد تذرع أستاذنا الجليل بكلمة نشرها الوالد الأغر والأستاذ الأكبر إسعاف النشاشيبي عما سماه (الشعر الخذروفي!) فشمر عن ساعد الجد، وانطلق يوسع شعراءنا الشباب غمراً ولمزاً وتجريحاً. . . وكل ذلك من وراء حجاب كان الخير في كشفه ما دام الأستاذ يريدها حرباً وليس يريدها سلاماً! لقد أنكر الأستاذ جميع الشعر العربي بعد البارودي وشوقي وحافظ. . . وأشفق من الشعراء الشيوخ الإجلاء الذين لا يزالون على قيد الحياة. والذين يعتز بهم الشعر العربي، والذين لا ينكر إلا ظالم
أن منهم من لا يقل مرتبة عن البارودي وشوقي وحافظ، فرأى أن يشملهم بإشارة عطف ورحمة ورثاء وهو يحسب أنه بهذا قد اتقى سخطهم، ثم خلص من إشارة العطف والرحمة والرثاء إلى صب جام سخطه على الشعراء الشباب الذين ثاروا على المذهب القديم، وراحوا يواكبون قافلة الحياة، ويوسعون آفاق الشعر مطرحين نظم المناسبات، جاعلين لعواطفهم وقلوبهم ودموعهم وآلامهم وقضايا جيلهم الحق الأول في كل ما ينظمون، هازئين بالهودج والعيس والريم الواقف على القاع بين البان والعلم، تتشوق أرواحهم إلى المستقبل ولا يتباكون على الماضي، يبتدعون ويفتنون ولا ينبشون قبور الموتى ويسرقون أكفان النائمين تحت التراب. يمشون في جنات الفكر ويتغنون ألحانهم الخاصة غير مقلدين ولا متأثرين بأشباح الماضي السحيق
ماذا ينقم أستاذنا الجليل من شعراء الشباب؟! أمن العدل أن يحدثنا عن قصيدة لم نرها لنحكم إن كان إنكاره منها ما أنكر حقاً أو ليس من الحق في شئ؟ وهل من العدل أن يجحد أستاذنا الجليل شعر الشباب عامة لأن تلك القصيدة المجهولة لم ترقه؟ وهل من العدل أن ينكر الأستاذ هذه العشرات من شعراء الشباب وهم أثمن قلادة يتحلى بها جيد مصر الحديثة والشعر المصري الحديث؟ هل من العدل أن يجحد علي محمود طه وناجي والخفيف ومحمود حسن إسماعيل ورامي وجودت وغنيم وعبد الغني حسن وعبد الغني سلامة ونجا والعجمي والنشار وشيبوب والبشبيشي وقطب وغيرهم ممن لا تحضرني الآن أسماؤهم اللامعة في سماء شعرنا الحديث؟ أمن العدل هذا يا أستاذنا الجليل والذين تنكرهم هم تلاميذك وأبناؤك؟ فماذا تقول؟ هل فشلتم في إنشاء هذا الجيل الجديد؟ أليس من الخير أن ندفع العربة إلى الأمام لا أن نقف في سبيلها فتحطمنا أو ندفعها إلى الوراء؟

