الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 641الرجوع إلى "الثقافة"

شعراء اللهيب، أو الحريق في الشعر العربي

Share

بلغت من قراءتي في التاريخ الإنجليزي عند ازدهار الفنون والآداب في القرن السابع عشر ، وأمعنت في القراءة حتى انتهى بي المطاف إلى الحريق العظيم الذي وقع في لندن سنة ١٦٦٦ ، فبلغ من الروعة مبلغا أصبح الناس يؤرخون به أحداثهم ، كما كان الناس قديما يؤرخون بالطوفان ؛ فيقولون : حدث هذا الحادث قبل الحريق بكذا من السنين ، أو وقع هذا الحادث بعد الحريق بكيت من السنين . .

ووقفت برهة من الزمان أمام هذا الحريق الهائل الذي أضاع كثيرا من معالم العاصمة الإنجليزية في القرن السابع عشر ، وأخذت أسائل نفسى : هل صور شاعر انجليزي

معاصر هذا الحريق صورة شعرية في جدتها على مر السنين ؟ . . وهل لمست هذه النيران المتأججة مواطن الحس والشعور من قلب شاعر انجليزى ، فاغتلت في قلبه واشتعلت في جوارحه قصيدة تحفظها كتب الأدب ، كما حفظ لنا الأدب العربي بضع قصائد من شعر اللهيب سنتحدث عنها وعن أصحابها عما قليل ؟ . .

ورحت أسائل شعراء ذلك العصر في انجلترة ممن عاصروا الحريق العظيم وعاشوا وقت حدوثه ، ورحت أتتبع أشعارهم في مظانها وفي غير مظانها - في دواوينهم تارة ، وفي كتب الأدب تارة ، وفي المجموعات الشعرية مرة ثالثة - فلم يسعفني البحث بقصيدة واحدة لشاعر واحد من أمثال :

" كولى "Cowley و"دريدن " Dryden و" مارفيل " Marvel و " ملتون " Miton و " سدلى " Sedley و " هنري فوجان " H. Vaughan و " أدموند والر " E.waller وغيرهم .

ولم أجد - قدر جهدى وعلمي - صوتا من أصوات هؤلاء الشعراء ارتفع بالشكوى من الحريق ، أو تردد بالحث على للمنكوبين ، أو انطلق بوصف مشهد يثير في النفس كوامن الحس . . بل وجدت أن " ملتون " غارق في " فردوسه المفقود " أو " فردوسه المعاد"...! وأن " كولي " مشغول بقيثارته التي يوقع عليها أناشيد الغرام التي يحاول أن يضمد بها جراح قلبه المحطم ...! وان " واللر " معني - أو مضي - يعقد موازنة بين جمال الوردة وجمال حبيبته . .

وهنا تركت " حريق لدن " جانبا ، وودعت الأدب الانجليزي لحظات ، وانتقلت إلى الأدب العربي لأستعرض فيه " شعراء اللهيب " على خلال العصور .

ولعل أول حريق سجله الشعر العربي هو ذلك الحريق الذي أصيبت به بغداد في ذلك الصراع الهائل الذي حدث بين الأمين والمأمون سنة ١٩٧ ه ، ففي تلك السنة حاصرت جيوش المأمون بقيادة طاهر بن الحسين مدينة بغداد التي كانت ترابط فيها جيوش أخيه الأمين . ولما شددت جيوش المأمون الحصار بل المدينة اضطر الأمين إلى أن يصدر أوامره بإحراقها ؛ فرميت بالنفط والنيران حتى أخذتها ألسنة اللهيب من كل ناحية .

وكان منظر العاصمة الإسلامية المحترقة مشهدا يثير النفوس ، فاستجاب لهذه الإثارة الشاعر إسحق بن حسان المعروف ( بالخريمي"، وكان من الموالي ؛ فنظم قصيدة طويلة تبلغ بضعة وثلاثين ومائة بيت من جيد الشعر ، يصف فيها حوادث الفتنة في العاصمة ، ولكنه لم ينس أن يبدأ القصيدة بذكر محاسن بغداد وجناتها وقصورها ، وقد أصبحت دارا الملك رست قواعده وقرت منابره ،

ثم لم يلبث الزمان وهو ذو غير ونوب أن يبدلها من السعد نحسا ، ومن الخصب فقرا :

يا هل رأيت الجنان زاهرة

            يروق عين البصير زاهرها

وهل رأيت القصور شارعة

            تكن مثل الدمي مقاصرها

وهل رأيت القري التي غرس الأمــ

                   ـلاك محضرة دساكرها

فإنها أصبحت خلايا من الـــ

                     إنسان قد دميت محاجرها

قفرا خلاه تعوي الكلاب بها

               ينكر منها الرسوم دائرها

وأصبح البؤس ما يفارقها

               إلفا لهـــا والسرور هاجرها

                *****

وقد روعت نار بغداد أمن الآمنين من أهلها ؛ فخرج النساء الحرائر في هيئة مروعة مفزعة ، وقد بدت خلاخيلهن وبرز المستور منهن . وانتشرت غدائر كل سيدة تؤوم الضحى ، فهبت ، وقد أفزعتها النار ، وأذهلها اللهيب ، تلتمس النجاة ، وتسأل عن طريق الخلاص . والنار من خلفها تباكرها وتبادرها فلا نجد مناصا منها :

والنفط والنسار في طرائفها

                     وهاببا للدخان عامرها

والنهب تعدو به الرجال وقد

                    أبدت خلاخيلها حرائرها

معصوصبات وسقط الأزقة قد

                    أبرزها للعيون سائرها

كل رقود الضحي مخبأه

                     لم تبد في أهلها محاجرها

بيضة خدر مكنونة برزت

                        للناس منثورة غدائرها

تعثر في ثوبها وتعجلها

                     سكية خيل زيعت حوافرها

تسأل : أين الطريق . . والهة

               والنار من خلفها تبادرها

وقد ذكر الطبري المؤرخ القصيدة كاملة في كتابه ؟ إلا أن اسم الشاعري فيه " الحزيمي " بالزاي المعجمة ، كما ورد اسمه " الجرمي " في تاريخ الكامل لابن الأثير : وكلاهما تحريف ، وصوابه " الحريمي" كما ذكر في كتاب " تاريخ بغداد " جـ ٦ ص ٣٢٦ ، وفي " زهر الآداب " وفي " الشعر والشعراء " لابن قنيبة ، وكان مولى ابن خريم الذي يقال لأبيه : خريم الناعم .

وفي القرن السابع الهجري ، وقيل العام الذي سقطت فيه بغداد في يد التتار بعامين حدث حريق هائل في مدينة الرسول عليه السلام ، وشب حريق هائل في المسجد النبوي والحجرة النبوية ، واحترق المنبر الذي بقي اثرا مباركا من عهد النبي عليه السلام ، ولعل ذلك الحريق كان إرهاصا بما سيحدث في الخلافة من صدع كبر على يد التتار . ولم يقف الشعر العربي صامتا أمام هذه الظاهرة المخيفة التي أنذرت المسلمين ببلاء عظيم ، فقط بلغ من شدة النار في أرابض المدينة أنها كانت تذيب الصخر ؛ ولعلها كانت بركانا تفجر في أرض الحجاز ، فقد وقعت النار مصحوبة بزلزال عنيف وكانت الحمم تتصاعد والنار تخرج كالجبل العظيم ؛ وأيقن الناس أنهم هالكون لا محالة . فخرجوا عن متاعهم ، وأعتق الأمراء مماليكهم وعبيدهم . . فقال في ذلك أحد شعراء العصر ، ولم يذكر المؤرخ " ابن كثير " اسمه :

بحر من النار تجري فوقه سفن

             من الهضاب لها في الأرض إرساء

كأنما فوقه الأجبال طافية

             موج عليه لفرط البهج ؟ وعثاء

ترمي لها شررا كالقصر طائشة

             كأنها ديمة تنصب هطلاء

تفشق منها قلوب الصخر إن زفرت

            رعبا ، وترعد مثل السعف ؟ أضواء

منها تكاثف في الجو الدخان إلي

              أن عادت الشمس منه وهي دهماء

                     ٠٠٠٠

ولقد شهدت مصر في اخريات العصر الفاطمي وفي الثلث الأخير من القرن السادس الهجري حريقا هائلا في مصر العتيقة والفسطاط ، التهم بيوتهما التهاما ، ولم يبق فيهما على شيء ولم يذر ؛ وذلك حسين أمر " شاور " بإحراق الفسطاط خشية أن يستولي عليها الصليبيون المتقدمون بالزحف نحو القاهرة من جهة بلبيس ، وظلت النار مشتعلة في المدينة العريقة أربعة وخمسين يوما . . ولكننا لم نقع على شعر يصور لنا تلك المأساة المروعة التي نكبت بها مصر عمدا على يد أحد زعمائها المختلفين المتنازعين . . ولعل مؤرخا أو أدبيا يتفضل علينا بهدايتنا إلى مصدر نجد فيه مشاركة شعرية - لأحد الشعراء المصريين - في ذلك الحادث المروع .

ولعل الحريق الذي نكبت به بلدة " ميت غمر " من أعمال مديرية الدقهلية في أول مايو سنة ١٩٠٢ قد أكسب الأدب العربي قصيدة من أجود ما نظم من الشعر في العصر الحديث . . فقد شبت النار في تلك المدينة الصغيرة الجميلة على نحو لم تألفه البلاد في الحرائق التي شبت في العام نفسه في قرى العزيزية ، وأشليم ، ومحلة زياد ، ونكلا العنب ، والقنابات ، وظهر شرب ، والسنبلاوين ، وسرس اللبانة ، وعنابر بولاق . لقد بلغت خسائر ميت عمر ٥٤٨ منزلا ، ومائة حانوت ، ومائة جريح ، وستين شهيدا . .

وهنا وجدنا الشاعر حافظ إبراهيم يصور لنا هذا الحريق تصويرا يلمس مواطن الرحمة في القلوب ، و يدق في الوصف حتى يخرج لنا لوحة شعرية قد لا تقل في الصدق عن لوحات المصورين . ولقد شهد حافظ إبراهيم حريق ميت غمر بعينه ، فقد كان مع لجنة إعانة المنكوبين التى كان الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده على رأسها . ولهذا لم تكن أوصاف حافظ إبراهيم للحريق من الذاكرة والمخيلة - كما صنع هو بعينه مثلا في زلزال مسينا ، أو كما صنع شوقي في زلازل اليابان . . ولكنه كان وصفا للواقع المرئي بعينه . ومن منا لا يذكر قصيدة حافظ التي يقول فيها :

سائلوا الليل عنهمو والنهارا

               كيف باتت نساؤهم والعذاري (١)

كيف أمسي رضيعهم فقد الأم

               وكيف اصطلي مع القوم نارا

كيف طاح العجوز تحت جدار

                يتداعي ، وأسقف تتجاوي

                    ***

أكلت دورهم فلما استقلت

                 لم تغادر صغارهم والكبارا

أخرجتهم من الديار عراة

                حذر الموت يطلبون الفرارا

يلبسون الظلام حتي إذا ما

                 أقبل الصبح يلبسون النهارا

حلة لا تقيهم البرد والحر

                   ولا عنهمو ترد الغبارا . .

ولكن حافظا لم يطل نفسه في الوصف ولم يتعمق التصوير كما صنع " الخريمي" فى حريق بغداد . . فقد مضي ذلك الشاعر الأعجمي المستعرب يصف في تفصيل دقيق تلك الجنان المهملة ، والأسواق المعطلة ، والقصور المخربة ، والدور المنهوبة ، والحرائر الشعث الضفائر ، المنشورات الغدائر.

وإذا كان الحديث عن النفس ثقيلا ، فإن المقام يقتضينا هنا أن لا نغفل الإشارة إلى حريقين وصفناهما في ديوان " من نبع الحياة " أحدهما حريق قرية " ميت معاند " (٢) من أعمال الدقهلية ، والثاني حريق بلدة " الراهبين "(٣) " من أعمال الغربية . وهي اشارة لم يكن منها يد في معرض الحديث عن شعر اللهيب في الأدب العربي . ومن الحرائق البعيدة عن محيط الوطن العربي حريقان كان لهما أثر في الإنتاج الشعري العربي في العصور الحديثة . ففي ١٨٩٧ أقام جماعة من فضليات النساء في باريس سوقا

للاحسان يبعن فيها بعض السلع الرخيصة بأثمان عالية لتوجه حصيلتها إلى جهات البر والخير ، كما تفعل جمعيات الإحسان في زماننا هذا . . وفي الرابع عشر من شهر مايو - بينما كانت السوق غاصة بالناس - اشتعلت النار من تأثير بعض الأحماض الكيميائية التي كانت تستعمل في معرض للسينما أقيم في وسط السوق ، وامتدت النار في النجائر الخشبية كأنها تمتد في هشيم ، وأصبحت السوق اثرا بعد عين ، ولم يبقى منها إلا رماد تذروه الرياح ، ومات في هذا الحادث ١٤٦ نفسا واحترق كثيرون . وهنا نجد الشاعر الرقيق " نجيب الحداد " يصور هذه الفجيعة في قصيدة همزية تسيل رقة ، كما عودنا ذلك الشاعر في أغلب قصائده (١) ولقد كان ذلك الحادث في نفسه مثيرا للحزن والجزع ، ولكن الشاعر يجعل من مصاب باريس مصابا للدنيا جميعا فهي أم المدن وبنت التمدن . . ولهذا لم يكن عجيبا أن يشترك القريب والغريب في الحزن على مصاب باريس :

أي خطب أصاب باريس أم الـ

                        مدن بنت التمدن الزهراء

فجعة اكمدت ضحاها وقد خت

                        ت بنيها وهمت الغرباء .

ليس بدع في خطب باريس أن تشـ

                         ـعل آثار حزنه الدنياء

هي قلب الدنيا أصيب بسهم

                         فأصابت آلامه الأعضاء

ويعجب الشاعر من هذه الأقدار التي حكمت على المحسنين والمشتركين في سوق الإحسان أن يصلوا نارا حامية . فهل كانت تلك النار جزاء لهم ؟ أم كانت تطهيرا لذنوبهم ؟ أم هو الدهر من عادته أن يسيء إلي أهل الإحسان ؟

من رأي قبلها جحيما يؤدي

                  لنعيم أبناءه الشهداء ؟

أو رأي محسنا يجود على النا

                 س فيلقى نار الحريق جزاء ؟

أتري كان ذاك مطهر من ما

          توا فيمحو عن النفوس الخطاء !

أم هو الدهر لا يزال مسيئا

             لكريم ، ومكرما من أساء!

ولقد سلك الشاعر نجيب الحداد مسلك الخريمي البغدادي حين وصف النعيم أولا ثم أعقبه بوصف الجحيم . . فوجوه الباريسيات المشرقات بالسنا وبإشراقة الجميل ، الرافلات في البياض يزهين به قد غدون رمما سودا . والكائنات البشرية كانوا ناسا قبل الحريق فصرن بعد النار والرماد إلى هباء منثور . .

أوجه يشرق السنا من محيا

                             ها فنزداد بالجميل سناء

رحن بزهون بالبياض فما    أمسين إلا كوالحا سوداء

كن ناسا ، فصرن نارا فأصبحـ

                             ن رمادا بها،فصرن هباء

أما الحريق الآخر فهو حريق قصر " جراغان " في تركيا الذي شب في سنة ١٩١٠ . وهو قصر بناء السلطان مراد الخامس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، ثم شاء الله أن يسجن فيه بعد عزله من السلطنة وتولية عبد الحميد بعده . وهنا نجد الشاعر " ولي الدين يكن " يصف ذلك الحريق ويصوره ، ثم ينتهز الفرصة فيبكي على " الحرية " التي كان الشاعر من أشد دعاتها في عصر السلطان عبد الحميد ، ومن أكثر الذين أوذوا في سبيلها (١) :

يا منزل الأحرار إذ ملكوا

                       يبكي عليك " مرادك الحر

يبكي عليك وإن أو جدئا

                      وعلاء بعد سقوفك الصخر

هذي الطلول . . فأين تنتحب الأط

                                  بار فيك ويضحك الزهر ؟

ما ثم خبست الأسود ولا          كانت تسير ظباؤك العفر

وإذا كان الشاعر " نجيب الحداد " قد جعل الدنيا تبكي على مصاب باريس فإن الشاعر " ولي الدين يكن" جعل الزمان والدهر ينتحبان على قصر جراغان ، والنجوم باكية ،

والشمس كاسفة ، والبحر عاجزا عن إطفاء الحريق في لحظات رهيبة ، لا تنفع فيها البيض ولا تغني السمر . . وقد غشي الدخان الكثيف آيات القصر فطواها في سواد قلبه . . ومحيت تلك السطور الرائعة التى كانت ديوانا حافلا بالبدائع .

لما استقل بك اللهيب

                وبدا خلال دخانك الجمر

وقف الزمان عليك منتحبا

                   وأقام يندب حسنك الدهر

والزهر قدما كن حاسدة

                       لما أصبت بكت لك الزهر

الشمس أختك ثم كاسفة

                        لبس الخسوف شقيقك البدر

أو ما رآك البحر ملتهبا

                          بل لو راك لجاءك البحر

فيجيش للنيران غاربه            ويبل حرك ماؤه الغمر

                        *****

وعلا الدخان ذراك فاختبأت

                           في جنحه آياتك الغر

فكأنها صور محركا           وكأنه من دونها ستر . .

قد كنت ديوانا قصائده

                        تلك البدائع فاتحي الشعر

سالت سطورك من صحائفها

                                فغدت وما بصحيفة سطر .

وإذا انتقلنا إلى التشبيه في أبيات الشعر السابقة لاحظنا أن الشاعر ولي الدين يكن قد استفاد من اختراع الصور المتحركة " السينما " فشبه آيات القصر المحترق بالصور . وشبه الدخان الذي يعلوها بالستار الذي يسدل على لوح المناظر .

هذه نظرة بعض شعرائنا إلى الحرائق التاريخية الكبرى ، وهذه مواقفهم منها ؛ ولعل شيئا فاننا ولم يصل إلى قاصر علمنا ، ولكن أجمل العذر أننا هنا لسنا في مقام الحصر ولا في معرض الإحصاء ...

اشترك في نشرتنا البريدية