في العدد السابق كلام عن شعر ناجي هو صدى لذلك التطاحن القديم الذي لا نؤثر له أن تشب ناره بعد أن خمدت بين الشعراء والشعراء وبين الشعراء والنقاد وبين النقاد والنقاد. . . وأبغض شيء إلي أن أكون من موقدي تلك النار أو أن أتسبب في إيقادها. . . ورجائي أن يتقي الله الذي يحاولون - قاصدين أو غير قاصدين - إيقاد تلك الفتنة من جديد، لأنها تضر الأدب ولا تنفعه، فرب نقد أو اتهام لا يعدو أن يكون تجنياً،
يقضي به الناقد أو المتهم على روح الأديب. . . أما الاتهام بالسرقة في مثل تلك السهولة وفي مثل ذلك اليسر فهو من الظلم الصارخ الذي يحسن أن نجنب أنفسنا الوقوع فيه. . . وقد تفضل أحد الأدباء في العدد الأسبق، فرد أحد أبيات ناجي التي راقتنا حتى عدلناها بألف بيت من جيد الشعر إلى الشاعر صر در حيث يقول:
ناضلنا بنوافذ مسمومة ... وودت لو قبلت سهم الرامي
وبيت ناجي هو:
ومن عجب أحنو على السهم غائراً ... ويسألني قلبي متى يرجع الرامي!
ولو ألقى الأديب الفاضل باله إلى أن لحاظ الحبيب لا يحسن بل لا ينبغي أن توصف بأنها مسمومة (!) لأن السم والعياذ بالله لا يكون إلا في رؤوس الأفاعي وأذناب العقارب واليعاسيب والزنابير والنمل، لفطن إلى ناحية الضعف في بيت صر در
ولو أراد الأديب الفاضل أبياتاً أقرب إلى بيت ناجي، وهو مع ذاك يفضلها جميعاً، لوضعنا بين يديه الأبيات الآتية: لابن الرومي:
فيسبيك بالسحر الذي في جفونه ... ويصيبك بالسحر الذي هو نافثه
يحن إليه القلب وهو سقامه ... ويألف ذكراه الحشي وهو فارثه
وللبحتري:
أين التي كانت لواحظ طرفها ... يصبو إليها القلب وهي سهام
إن مت من أسف لشط مزارها ... فالموت روح والحياة حمام
وللسري الرفاء:
بنفسي من أجود له بنفسي ... ويبخل بالتحية والسلام
وحتفي كامن في مقلتيه ... كمون الموت في حد الحسام
وله أيضاً:
وقد فوقن بالألحاظ نبلاً=قلوب العاشقين لها رمايا
تمنينا اللقاء فكان حتفا ... وكم أمنية جلبت منايا
وكنا قد أعددنا مائة بيت أو تزيد كلها تدور حول معنى بيت ناجي فإن أحب الأديب الفاضل أرسلناها إليه. . . وسيفضل معنا بيت ناجي عليها جميعاً، لأن ناجياً في غنى عن أن يسرق من أحد، لأنه يصور بروحه ودمه، وله ثقافة وحسن اطلاع يغنيانه عن صر در القديم وصرر درر العصر الحديث. وقد
آن لنا أن نعدل.

