الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 112 الرجوع إلى "الثقافة"

شغل حكومة !

Share

حدثني صديق قال : ذهبت مع أخي صباح أول يوم لدخوله الكلية الحربية أودمه وأخفف عن نفسه شدة وقع النظام الذى سيؤخذ به الطالبة - ولم يعتادوه - وقد شعروا به قبل دخولهم ، إذ أمروا بأن يخلقوا رؤسهم إلى آخر درجة تسمح بها أدوات الحلاقة ؛ وقد أعجبنى الجندى الواقف بالباب وهو يمنع من حضر مع الطلبة من  أقاربهم وخدمهم من الدخول ، ويأمرهم بأن يتركوا ما أحضروه من أحمال ليحملها الطالب بنفسه ، ولم يستئن صغيراً ولا كبيراً من أهليهم ، حتى ضباط الجيش العظام الذين كان يؤدى لهم التحية العسكرية الواجبة ، ثم يأمرهم بالوقوف وترك ما معهم لأبنائهم يحملونه ويدخلون الكلية وحدهم

أعجب صديق بهذا النظام الذي يبث روح الاعتماد على النفس ، وخصوصاً مع المترفين والمدللين من أولاد الأغنياء الذين اعتادوا أن  يحمل عنهم خدمهم حقائب كتبهم الصغيرة وهم ذاهبون إلى المدارس ؛ ولكن راعه أن يقترن هذا المنظر الطيب الجميل بمثل سيء ، فيه استهتار ، وفيه خروج على النظم التى سنتها الوزارة للاقتصاد الذى تتطلبه الحالة العامة ؛ ذلك أن كثيراً من هؤلاء الطلبة قد حضروا في سيارات حكومية لم تجعل لمثل هذه التوصيلات » التي تتحمل الدولة أعباءها ..

فقلت له : لا تحزن يا صديقى ، هذا شغل حكومة . نطقت بهذه الجملة ساهماً كما سمعتها في مناسبات مختلفة من كثيرين غيرى ، فيهم الكبير والصغير ، المضطلع بقسط من شئون الدولة ، والمحزون على ما يذهب هباء من أموال الدولة ؛ وامل فى ذكر بعض هذه الناسبات ما يؤدى إلى ما أقصد إليه :

كنت مع اثنين من كبار سباحينا ، فقابلنا نائباً محترماً - هو الآن وزير - وقصا عليه شكواهما من البطء والإسراف في إنشاء حوض السباحة ، أنفق عليه أكثر من خمسة عشر ألف جنيه ولما يتم بعد ، وقد بدى. في إنشائه منذ عامين، مع أن النيوزيلنديين الذين وصلوا مصر بنوا حوضاً أكبر وأوسع وكانهم سبعمائة جنيه ، وأعد للسباحة في أول الشهر الثالث من وصولهم مصر : فكان جواب النائب : نعم ذاك شغل نيوزيلنديين ، وهذا شغل حكومة .

وأنشئت منذ سنوات قليلة مدرسة ثانوية جديدة ، وأعلن ناظرها في مناقصة عامة عن الكتب التي رأى هو ومساعدوه من المدرسين أنها ضرورية المكتبة المدرسة ، ولاحظت المدرسة على أقل عطاء - وفيه كتب كثيرة مما رجه لجنة التأليف والترجمة والنشر - أن أعانها أعلى بكثير مما تبيع به اللجنة لأى مشتر عادى ، فأخرجت هذه الكتب من المناقصة، واشتراها أحد الدرسين من أعضاء اللجنة مع تخفيض آخر ، فوفر بذلك بضمة جنيهات من مال الدولة ، ولكن ذلك لا يعجب اللوائح الموضوعة ، فأرسلت مخازن الوزارة للمدرسة تؤاخذها على تصرفها ، وتسألها لم لم يدخل فلان (الدرس) في المناقصة ؟ وطال السؤال والجواب ، وزادت المكاتبات عن الحد المعقول للإقناع ، إلى أن عرض ناظر المدرسة الأمر على وكيل الوزارة الذي اقتنع بخطأ اللوائح الإدارية الموضوعة، فوافق على تصرف المدرسة، وقال : لا تبتئس، هذا شغل حكومة .

ویراد شراء حديد ضرورى للاحتفاظ بعمل هندسي تقوم به كلية الهندسة عند أشتوم الجميل ، فطلبت جهة حكومية ثمناً له أربعة جنيهات، ولكن لابد من مناقصة، والوقت يضيع ، والسعر يرتفع ، فكان أقل عطاء يزيد عن أربعة أضعاف الثمن الأول ، فرفض ، فغرق الأصل، وثمنه مئات الجنيهات .... والآن يصرف كل يوم جنيه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ولقد شاهدت في إحدى مدن الوجه البحرى مستشفى يبنى للحميات ؛ ولما كانت المدينة تنار بالكهرباء فقد رأى المقاول أن يستعد لمد أنابيب الكهرباء أثناء البناء وأثناء فرش السقف المسلح، يوضع قطع من الخشب قبل رمى الأسمنت المخلوط، حتى إذا نزعت بقى مكانها أجوف صالحاً الوضع أسلاك الكهرباء فيه ومع أن هذا العمل تبرع منه كان حقه أن يقابل بالشكر ، إلا أنه لم يكن موجوداً في الشروط الموضوعة ، فلا يصح عمله ؟! وتقوم محاورة ومشادة تنتهى بانتصار المواصفات والشروط الموضوعة ؛ حتى إذا تم البناء وكمل البياض ولى تركيب الأسلاك ! فكان الحفر ، وكان النقر ، وكلف ذلك مئات من الجنيهات ما كان أغنى الحكومة عن صرفها لولا ضيق اللوائح وسوء التصرف .

فإن شئت مثلاً لما يتسبب عنه ضياع الأنفس فضلاً عن ضياع المال، فهناك في القرى السيارات التي تؤجر لنقل طبيبات رعاية الطفل، ويدفع لكل منها أجر شهرى ، لو دفع أقساطاً لسيارة جديدة لأصبحت ملكاً خالصاً بعد أشهر قلائل، ولامكن أن تسعف وتنقذ كما هو الفروض لا كما رأيت، إذ تبقى السيارة في مكانها بمن فيها من الحكيمة والمساعدة، والسائق وحوله من حضر من أهل الخير يتعاونون على دفعها وتحريكها ، وتأبى أن تتحرك إلا لتقفز قفزة ثم تقف ، ويتكرر هذا مرات ومرات، حتى إذا كانت ليلة من هذه الليالي المزعجة رأيت آخر الأمر رجلاً أقبل مسرعاً باكياً معولاً ، يلعن رعاية الطفل ومن فيها ، وله العذر، فقد مضت ساعات طويلة بعد أن طلب إسعاف زوجه عندما جاءها المخاض ، ولما يئست القابلة أرسلت تطلب الاسعاف لنقلها إلى المستشفى ، وهناك ماتت المسكينة لتأخر إنقاذها .

وأمثال هذه العجائب من النظم البالية واللوائح المعطلة لا يقع تحت حصر ، حتى لا تكاد تحكي واقعة إلا ويخبرك

كل سامع بأشد منها ؛ وأعجب من هذا أن يلمس المسئولون هذه الحقائق فلا يحركوا ساكناً ؛ وقد نسمع من يقول لو كان الأمر بيدى لغيرت كل ذلك ، وأزلت أسباب الضرر، فإذا كان الأمر بيده نسي ما كان يقول ، وطالت مدة أمره ثم دالت ، والحال على ما هو عليه لا تغيير ولا تبديل

والموظف الذى يغار على المصلحة العامة ويحاول أن ينفذ إلى الجوهر أحد رجلين : رجل يداور ويحتال ليهرب من قيود اللوائح وتعطيلها ، وفي ذلك ما فيه مما لا ترضاه كل نفس ، ورجل شجاع لا يبالى بهذه النظم ويسير إلى الغرض قدماً فيصلح وينظم بجرأة ، وهو - فضلا عن أن النظر الفردى عرضة للخطأ في التقدير - عرضة للاضطهاد والأذى، وخصوصاً إذا والت الدولة التي كانت تقض الطرف من جرأته، وجاءت أختها تسفه عمل سابقتها ، وتبحث وتنقب لتكشف عما حصل في عهدها من مخالفات. ولقد شاهدنا أمثلة كثيرة لن أحيلوا المحاكم التأديبية الأسباب كهذه، فلم تكتف الحاكم بتبرتهم الغزاههم وشرف مقصدهم، بل سجلت في حيثيات الحكم أخطاء اللوائح والنظم التي أحيلوا بسبب مخالفتها إلى الحاكم .

وإذا لمحنا - في بعض الأوقات - بارقة أمل تبشر بالرغبة في إصلاح ، وإقدام على تغيير ما رث وعلى من نظم ضارة ولوائح معطلة أو مقيدة ، أو تشعر بالاتجاه نحو التشديد على من يعيشون بالصالح من الأوامر التي جاءت متأخرة ، وجدنا هذا البرق خليا والسراب خادماً . فالآن وأنا أكتب أسمع سياحاً عجيباً ، إذ تقف بجوار الباب سيارة حكومية كبيرة تعلو عن سور الحديقة ، وتمتد في عرض الطريق فترجمه على سيارة أخرى حكومية كبيرة ، بأبي سائقها إلا أن يمر ليصل يحمله إلى باب منزله الذى لا يعمد إلا خطوات قليلة ، هذه مائدة موظف صغير إلى منزله ، والأولى واقفة منذ ساعات تنتظر حضرة الموظف الصغير الآخر لتعود به إلى مقر عمله بعد أن يتغدى وينام .

اشترك في نشرتنا البريدية