إلى صاحب الجلالة الفاروق أعز اله نصره، وجمل بالأداب والعلوم عصره، أرفع أخلص الولاء وأصدق الدعاء وأجزل الشكر، على تعطفه بالأنعام السامي الكريم على جندي من جنود الأدب، لا يتعزز بحزب، ولا يتقوى بمنصب، ولا يتعالى بثراء ؛ وإنما هو العمل المتواضع الخالص لوجه الله والوطن، لا يبتغي من ورائه عرضاً من أعراض الدنيا، ولا غرضاً من أغراض الجاه . والعمل الذي لا يرجى ولا يخشى ولا يباليه رجل السياسة لأنه لا يساعد على الظفر بالحكم، ولا يحفله صاحب الحكم لأنه لا يعين على البقاء فيه. إنما يذكره مالك الملك لأنه رب الجميع فيثيب عليه يوم لا أمر ألا أمره؛ ويقدره صاحب العرش لأنه ملك الجميع فيكافئ عليه حين لا قدر إلا قدره. والله يحكم على العمل بالنية لأن السرائر لا تخفى على علمه؛ والملك يحكم عليه بإخلاص لأن الشوائب لا تعلق بحكمه.
وإذا كان واجب الولاء يقتضيني أن أسجل بالثناء عطف جلالة المليك على رجال الأدب؛ فأن واجب الأنصاف يضطرني أن أبرئ الحكومة القائمة من تهمة الخروج على العصبية الحزبية؛ فربما سبق إلى بعض الظنون أنها التمست هذا الأنعام الملكي على عضو من أعضاء مجمع فؤاد الأول؛ لأن
الوفد مدين للأدب في دعوته وثورته وقوته وروحيتة، منذ استولى سعد زغلول على العقول والميول ببلاغه بياناته وبراعة خطبه، إلى أن أخرج مكرم عبيد، وتوفي صبري أبو علم ولكن الحق الذي يحلو حينا ويمر أحيانا، أنها أسقطت هذا الشاكر فيمن أسقطت من رجال القلم، لأنها لا تزال تعتقد أن من لم يكن لها فهو عليها، وأن من لم يكن وفديا فليس مصريا والمنطق الطبيعي لا ينفي أن يكون في المصريين قوم يخدمون السياسة العليا، أو يؤيدون القضية الكبرى، دون أن يتجهوا جهة معينة ، ويتبعوا خطة مبينة؟ فيهتفون بالرجل من أي حزب إذا أحسن، وينوهون بالعمل من أي عامل إذا صلح ولكن من يدري ؟ ربما حذف ما حذف من الأسماء، قبل أن يعرض الأمر على الوزراء. ومن قبل ذلك قلت: إرادة الصغير أدارة الكبير!
أما بعد فأن الألقاب زوائد في الأعلام لا تكمل الرجل الناقص، ولا تصحح العمل الخطأ. وآفتها أنها قد تميز بالقانون ما لم يتميز بالطبيعة، وأنها تجعل من الفروق بين الناس في الدنيا، ما لم يجعله الله بينهم في الدين. والديمقراطية التي تصوغ شعارها من المؤاخاة والمساواة؛ والديكتاتورية التي تتخذ رمزها من الموطنة والمرافقة، تنظران بعين العجب إلى أمة ناهضة لا تزال تقدس ألقاب التمييز، وهي مسلمة بمحو دينها ما بين الأفراد والجماعات من الفروق، ديمقراطية يسوى دستورها بين المواطنين في الواجبات والحقوق.

