( منبته وحياته - مدرسة الحياة ووحي الطبيعة ، أثرهما في تكوينه وصقل نفسه - آراء في نشأته - ظهوره في لندن وعلو كعبه على منافسيه - مسرحياته . أغانيه . أثر حياته الخاصة في كتاباته . صلته باللورد أسكس - وفاؤه لمهنته... ...)
تفتحت عينه للحياة في مدينة استرافورد أون أفون وسط خمائل الزهر وعلي ضفاف نهر الآفون ، فتعشق الطبيعة الخلابة ، وملأ منها نفسه وحسه ، فانطبعت روحه بالجمال واستجابت إلي وحيه ؛ فلما اشتد عوده وترعرع تفتق ذهنه عن شاعرية جبارة أعجزت القرون والأجيال .
ولا عجب في ذلك ، فكل النابغين قد وعوا في صباهم صور الحياة حولهم ؛ فلما انطلقت شاعريتهم ملأوا شعرهم بها . . كانت استرافورد إذاَ مهد العبقرية بما حبتها الطبيعة من جمال يبعث الفكر ويوحى بالشعر والخيال .
يختلف الناس في حياة شكسبير الأولى ، وتكثر الروايات والقصص حول طفولته وشبابه ؛ ففريق يذهب به الخيال بعيدا فيباعد بين منبته وفنه ليثبت للناس أن ما فعله شكسبير كان ضربا من الاعجاز ، لا تقوي عليه روح بشر ، فيصورونه جزارا يذبح الشاة بمهارة ويسلخ
جلدها تارة ، وقائدا للخيول عند باب المسرح تارة أخرى ، حتى أتاه الوحي فجعل منه رجلا جديدا . .
ولا شك أن مثل هذه الآراء ، وإن أثارت روح التندر والفكاهة ، فهي لا تعتمد إلا على الحدس والتخمين .
فكل ما نعرفه عن شكسبير انه ولد لأبوين من متوسطى الحال ، وعاش في كنفهما يدرس كما يدرس الأولاد في أيامه في مكتب القربة ، ويسمر كما يسمرون بالاستماع إلي القصص وحكايات الجن والعفاريت . وقد وعي شكسبير
في دراسته قدرا من اليونانية واللاتينية أعانه علي القراءة بهما ، واستطاع بذلك أن يقرأ شعر أوفيد في أصوله . على ان الأيام لم تلبث على جانبها اللين ، بل قلبت ظهرها لأبي شكسبير ، ويقال إنه اضطر إلى إلحاق ولده في خدمة أحد النبلاء من الكاثوليك كمنشد في الحفلات
الدينية ، كما كانت عادة أهل العصر . ولعل هذا الرأي يفسر لنا كيف صار شكسبير ممثلا وكيف استطاع ان يكتسب معارف عن أهل الطبقة الراقية لا تقل عن خبرته بأهل الطبقة المتوسطة ، إذ أن التدرج من الانشاد إلي التمثيل تدرج طبيعي تدعو إليه ظروف الفتي عند بلوغه . ومهما يكن من شئ فان شكسبير لقي الحياة في لنسدن مزوداَ بالخبرة الكافية عن العالم وأحواله ، مما لا يتحقق لوسايرنا
الفرض القائل بأن حياته الأولى كانت بعيدة عن فنه .
زودت الطبيعة وليم بمادة لا تفني من الجمال ظلت معينه الذي لا ينضب ، كما زودته الحياة بمادة لقصصه ورواياته !
فقد عاش وليم في عصر ملئ بالمفاخر والحوادث ، عاش في عصر اليزابث الذي سجل فيه لبريطانيا النصر على منافسيها في البحر في حرب الأرمادا ، على أن شكسبير الرجل قد صقلته الأيام وهو لم يزل بعد غض العود ، فأحب وتوله في حبه ، وليس كالحب يلهب النفوس ويلهم الأفئدة ويفتق الأخيلة . أحب وشقي في حبه وحيل بينه وبين محبوبته فأرسل الزفرات ألحانا والشكوي أشعارا عاشت مع الزمن .
احب آن من كل قلبه ، فلما حيل بينه وبينها تزوج من آن أخري لعله يجد فيها سلوة تنسيه آلام حبه الأول . نزح شكسبير إلي لندن ليعمل بها بعد أن تكاملت له أسباب الحياة ! وأول ما يعرف عن ظهوره على مسارح لندن إشارة مبهمة في كلام احد المؤلفين المسرحيين في ذلك الحين يدعي " جرين " عن ظهور نجم جديد في عالم التأليف ليس من رجال الجامعات ولا من محترفي التأليف ، إذ كان التأليف
للمسرح حينذاك يحتكره جماعة من نوابع الجامعة أمثال " جرين وللي وناش " . فكان عجيباَ أن يجرؤ شاب لم يتجاوز العشرين ربيعاَ على أن يحارب هؤلاء الثقات في أرضهم وأن يقحم نفسه في فنهم الذي كرسوا له حياتهم .
أحفظ ظهور هذا الحدث صدور أهل الفن ، ونعتوه " بالغراب الذي يتحلى بريش الطواويس " مشيرين بذلك إلي ان شكسبير كان يستعمل أصول رواياتهم ويخرجها في ثوب آخر قشيب . حاول هؤلاء أن يطفئوا نور هذه الشعلة بأفواههم فلم يفلحوا ، وعاش شكسبير على رغمهم ،
وحالفه الحظ فمات أكثرهم في سنين متقاربة ، وخلاله الجو دون منافس ، فأصبح يخرج للناس كل عام ثلاث روايات أو أربعا تصيح استحسانا لها مجتمعات لندن الراقية ...
وجذب هذا النجاح الذي صادفه شكسبير النبلاء إليه ، فأخذوا يغمرونه بعطفهم وتشجيعهم ، حتى أضحي صاحب
مسرح كبير في لندن و خلعت عليه القاب الشرف ، وأصبح هو ورجاله في خدمة الملكة . وكان أظهر هؤلاء النبلاء
اللورد " اسكس " صاحب الحظوة عند الملكة اليزابيث ، وقد حباه بالرعاية ووجد وليم في رعايته معينا على اجتياز الأيام السود التي أغلقت فيها المسارح بسبب الطاعون ، فقد اتخذه صاحبا ومشيرا . وعاش معه طوال هذه الفترة يسليه ويذهب عنه السأم بما يؤلف له من اشعار وما يمثل له من روايات . . وكانت أولى مقطوعات شكسبير الشعرية
Venus andAdonis مهداة إلى اللورد اسكس حثاَ له على الزواج . وقد لقيت هذه المقطوعة من النجاح ما لا نظير له , فقد طبعت سبع مرات خلال سنوات قليلة ، وأحدث ظهورها ثورة فكرية ، لأنها كانت أول شئ من نوعه يعالج في صراحة الحب الجنسي و " لذة الجسد " هي قطعة من الفن السامي تشعرك بالجمال والجلال . واعقبتها مقطوعة اخري "Rape of Lucrece"نظمها على طريقة اخري وتحدث فيها عن العفة والدعوة إليها كأحسن من تمثلوا ، وأثبت بذلك أنه شاعر يتغني باللذة تارة وبالعفة اخري ، ثم جاءت بعدها مقطوعاته الثنائية "Sonnets"
/ل شكسبير يjدرج في الشهرة عاما بعد عام ، ويرجع ذلك لأمرين : الأول انقياد المعاني الشعرية له مع سلاسة العبارة وحسن الوقع الموسيقى في مقطوعاته الشعرية ، ورقة التناول وجمال التنسيق في كوميدياته - عالج شكسبير أول ما عالج الكوميديات ، وكانت قدرته على خلق الشخصيات الكوميدية أظهر ما تكون في الطبقات
الدنيا . وظل شكسبير يسير مع الزمن ، وكلما تعمق في دراسته للطبيعة الانسانية وللحياة ، احس بالمأساة وأثرها ، إلى أن انتهي أخيرا إلي أن الحياة كلها مأساة طويلة ،
فهجر الملهاة بعد أن رسم فيها الطريق وحدد الغاية ،
وبعد أن ترك آثارا فيها لن تمحو ذكراها الأيام فشخصية " فاستاف" الفذة التي طرب لظهورها أهل لندن في ذلك الحين لا تزال محببة إلي الناس في كل مكان . ولقد
اضطر شكسبير أن يظهرها في سلسلة من الروايات إجابة لرغبة الشعب وتنفيذا لمشيئته ، حتى إذا ضاق بها تخلص منها بالقتل في رواية هنري الخامس .
ترك شكسبير الكوميديات ، وعكف علي إخراج " التراجيديات " ولا بد لهذا التحول من المرح الدائم إلي الحزن والكآبة من سبب في نفس الشاعر ، إذ لا يمكن بحال أن نفهم ان شاعرا خالدا مثل شكسبير يتخذ من فنه صناعة فحسب ، صناعة آلية ، لا تعبر عن حس نفسي ولا شعور وجداني ، بعيد جدا أن يخلد فن شكسبير إذا لم يكن يعبر عن حس صادق ، وعن شعور
بالحياة التي تضج حوله . لاشك ان فن شكسبير مهما قيل في بعده عن التقيد بحوادث الزمان الخاصة ، وفي تجافيه من أن يكون صدي لجيل بعينه ، هو ترجمان لعصره ، كما هو لسائر العصور . فالباحث المدقق لا تخفي عليه لفتات شكسبير في كل رواياته لحوادث عصره .... شكسبير عاش في كنف اسكس أكثر حياته ، ولقى من بره وعطفه ماجعله يرتبط به أشد ارتباط ، ويري مصيره مقيداَ
بمصيره . لم يترك شكسبير فرصة تمر دون ان ينتهزها للتعبير لوليه عن حبه الخالص وإعجابه الدفين ..... شكسبير يحيى عودة اسكس من اسبانيا منتصراَ وكيف تلقاه أهل لندن بالتحية والإكبار ، ويخلد هذا الحادث في رواية من رواياته هي هنري الخامس .
لم يكن عجيبا إذاَ ان يتملك الجزع نفس شكسبير ، وان تطلق روحه المرح ، وان يزهد في إضحاك الناس ، وهو حزين النفس لمقتل سيده وعاهله اسكس ؛ فقد غضبت الملكة على " اسكس " والقت به في غياهب السجن ، ثم امرت به فقتل ، وهو لما يزل في ريعان الشباب والفتوة . واتـهم وليم بمشايعته للأمير الفتي والعمل على نصرته ؛ ولكنه - وإن استطاع أن ينجو برأسه ، وان يثبت إخلاصه وولاءه - لم يستطع أن ينزع
من قلبه المليء بالحب للفتي ، حزنه على فقده ، وتبرمه بالدنيا من بعده ، وهو الذي يقول فيه :
فإذا ما مات وقضي ذهب معه الجمال وإذا ما ذهب الجمال عادت الفوضي السوداء إلي الدنيا أجل ملأ الحزن نفس شكسبير وطغي عليها ، فلم تعد مزاميره ترتل ألحان الفرح ؛ أذهلته الفاجعة فلم يدر ما يقول ، ويحدثنا التاريخ أنه هجر الكتابة ثلاث سنين
( ١٦٠١-١٦٠٣ ) . وكل الذي نعرفه له في هذه الفترة رواية " هملت الخالدة " , وقد ألفها تنفيساَ عن صدره المحزون ، وتخليداَ لذكري اسكس المحبوب .
فالذي يدرس نفسية هملت وروحه الحائرة وفلسفته الغامضة وتبتيل افكاره ، وتردده بين السوداوية حينا والمرح حينا آخر ، وحبه للفن والمسرح ، وكرهه للغنــــــاء وفروسيته وشبابه وجماله ، وضيقه بالدنيا ، وتردده بين هذا وذاك من الأفكار لتحقيق غرضه ، يجد فيها صورة
صادقة لنفسية اللورد اسكس . أراد شكسبير أن يخلد اسكس في كل شئ ، فكتب هملت ليعرض قضية اسكس على مواطنيه ، وليتركها تراثا خالدا يحير افكار القارئـين من بعده . ليس هذا كل ما في " هملت " من جمال وروعة ، فهملت مليئة بصور الحياة التي تحتاج إلى التأمل الطويل . شكسبير انتهي بنا عند حل لمشكلتها ، بل تركها لنا لأنـها مشكلة الحياة ، مشكلة الخلق ، والناس في أمرها حيري ولن يزالوا . .
طلق شكسبير إذاَ المرح عن شعور نفس أولا ، وعن حس بما حوله ثانيا . فقد كانت السوداوية والكآبة تمتلك نفوس كثير من الناس في أواخر عهد اليزابث ، وقد سخر منها شكسبير أول الأمر عندما كان بعيدا عن الحس بها . فنحن نراه يصور هذا الاتجاه عند الشبان ، ويضحك منه عندما صور لنا " جاكويز " الفيلسوف الحزين في رواية " كما تحب" فلما وقعت الكارئة وأحس
بـها شكسبير فطن لهذا الشعور الذي يمتلك الناس ، وأحبه وأجازه واتخذه وحيا وهدفا . .
على أن السوداوية والكآبة في الأدب والكتابة وإن كانت مفتعلة أول الأمر ، فقد صارت تعبر عن حس صادق عندما ماتت الملكة اليزابث وتولى جيمس الأول العرش ، ويرم الناس بالأيام الثقيلة والأعباء الجسيمة التي وقعت على رءوسهم أيامه - فعمق هذا الهوة وزاد الجرح نزفاَ ،
وأصبح الشعر والأدب والروايات وحتي العظات في الكنائس مملوءة بهذا الطابع الجديد .
تعبر إذا مآسي شكسبير الخالدة ( هملت وعطيل ولير ومكبث ) عن شعور شخصي ، وتفصح عن حالة روحية تملكت نفس الشاعر . ولا غرو فالخالدون أمثال دانتى وملتون لم يصلوا إلي مرتبة الخلود إلا بتسجيل حبهم الخاص وما لقوا في سبيله في أشعارهم الغنائية . وصل شكسبير القمة في هذه المآسي ، ورسم النفس الانسانية أوضح صورة ، وقرب إلي الأذهان غرائزها وميولها ونزعاتــها ، ووضع في الميزان عوامل الشر وعوامل الخير ،
وتركها تقتتل ، فينتصر الخير حينا وبنتصر الشر أحيانا .....
وأصبحت الغرائز تذكر فيذكر معها شخصية من شخصيات شكسبير ، فالغيرة تقترن بعطيل ، والغدر باباجو ، والوفاء بروميو . -
ظل شكسبير عشرين سنة يغذو المسرح بلبان أفكاره ، ويقدم من قلبه ودمه مداداَ لست وثلاثين رواية ؛ حتى إذا بلغ القمة وتوفرت له أسباب النعمة هجر الكتابة
والمسرح في سن الثامنة والأربعين ، وعاد إلي حياة الهدوء في ريف استرافورد ، يستجم من عناء العمل ، ويطلب الراحة في ظلال الوادي الذي أولع بحبه والذي أوحي إليه بالشعر والخيال . وهكذا قضى شكسبير وفيا لمدينته كما عاش وفيا لولي نعمته .
وفي سن الثانية والخمسين قضى نحبه ، تاركا للعالم تراثا
من المعرفة ونبعاَ من الحكمة ونورا من الفكر الصافي لا يزال يرتشف منه الناس ويهتدون بقبسه .
