الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 172الرجوع إلى "الثقافة"

شكوى الناس، من الناس

Share

مررت وأنا أطالع " مروج الذهب " المسعودى ببيتين من أبيات أبى العتاهية فى صدق الإخاء ومحض الوفاء ، وهما :

إن أخاك الصدق من يسعى معك

                  ومن يضر نفسه لينفعك

ومن إذا ريب الزمان صدعك

                 شتت شمل نفسه كى بجمعك

وبعد أن أثبت المسعودى هذين البيتين قال : وهذه الصفة فى عصرنا معدومة ، ومستحيل وجودها ، ومتعذر كونها .

لا ريب فى أن رأى المسعودى فى هذا المعنى ناضج ، ولكنه لو توسع فى هذا الرأى لكان أنضج ، فقد قال : وهذه الصفة فى عصرنا معدومة ، ولكن فى أى عصر من العصور نجد أمثال هذه الصفة ، أفلا قلب المعنى فقال : لما لا نطلب إلى إخواننا أن يسعوا معنا ، ولكنا نطلب اليهم ان لا يسعوا علينا  ، ولا يأمل أن يضروا انفسهم لينفعونا ، ولكننا نأمل ان لا يضرونا لينتقموا  ، ولا نرجو إذا صدعنا ريب الزمان أن يشتتوا فينا شملهم ليجمعونا ،

ولكنا نرجو أن لا يشتتوا شملنا ليجتمعوا ، فلو قلب المسعودى المعنى على هذا الوجه لكان فضله أبرع ، ولكن ما فات صاحب مروج الذهب استدركه أبو الطيب المتنبى بقوله :

إنا لفى زمن ترك القبيح به

                من أكثر الناس إحسان وإجمال

هذا ما يطلبه الناس فى كل عصر من العصور ، وفى

كل أمة من الأمم ، فما انفك البشر يضجرون من بعض أخلاق البشر على تراخى الأحقاب . وإذا استقصينا أخلاق الناس في قديم العصور وحديثها ، ونقينا عن المساوى التى تأصلات فى نفوس الأولين ، وتفرغنا الموازنة بينها وبين مساوى المتأخرين ، فقد يتحقق عندنا ان تباين الأوائل والأواخر فى مقايح الأخلاق إنما هو يسير جدا ، لا يكاد يكون له أثر ، وهذا السبب الذى من أجله قال أبو العلاء المعرى :

ونحن فى عالم صيغت أوائله

                 على الفساد ففى قولنا : فسدوا

فلنتبسط فى هذا الباب قليلا ، فقد سمعنا شكوى المسعودى ، وهو معتدل فيها ، وسمعنا شكوى أبى العارب ، وشكوى المعرى ، وهما مرتان ، فلنسمع ما قاله بديع الزمان فى كتابه إلى الشيخ أبى الحسن أحمد بن فارس :

" والشيخ يقول : قد فسد الزمان ، أفلا يقول : متى كان صالحا ؟ أفى الدولة العباسية ، وقد رأينا آخرها ، وسمعنا بأولها ؟ أم المدة الرومانية ، وفى أخبارها لا تكسع الشول بأغبارها ؟ أم البيعة الهاشمية ، وعلى بقول : لبث العشرة منكم برأس من بنى فراس ، أم الأيام الاموية ، والتفسير إلى الحجاز ، والعيون إلي الأعجاز . أم الامارة العدوية وصاحبها يقول : وهل بعد الغزول إلا الغزول ؟

أم الخلافة التيمية وصاحبها يقول : طوبى لمن مات فى نأنأة الاسلام ؟ أم على عهد الرسالة ويوم الفتح قيل :

اسكتى يا فلانة ، فقد ذهبت الأمانة ؟ أم فى الجاهلية ولبيد يقول :

ذهب الذين يعاش فى أكنافهم

                   وبقيت فى خلف كجلد الأجرب

أم قبل ذلك وأخو عاد يقول :

بلاد بها كنا وكنا محبها

               إذ الناس ناس والزمان زمان

أم قبل ذلك ورورى عن آدم عليه السلام :

تغيرت البلاد ومن عليها     ووجه الأرض مغير فبيح

أم قبل ذلك ، وقد قالت الملائكة : أتجعل فيها من بفسد فيها ويسفك الدماء ؟ وما فسد الناس ، وإما اطرد القياس ، ولا أظلمت الأيام ، وإنما امتد الظلام ، وهل يفسد الشئ إلا عن صلاح ؟ ويمسى المرء إلا عن صباح ! " .

ولنغادر العصور التى عاش فيها المعرى والهمذانى والمتنبى والسعودى وهى متقاربة ، ولنذهب إلى عصر أبعد ، وفي جيل غير جيل العرب ، افنجد شيئا من صلاح الأخلاق ومن صلاح الزمان !

ظهر قبل السيد المسيح فيلسوف يونانى اسمه " ثيوفرسطوس " عرف بدمائة أخلاقه ورقة كلامه ، وقد درس فى مدرسة أفلاطون ، ثم صار إلى مدرسة أرسطاطاليس ، ولما اتهم أرسطاطاليس بالغض من الآلهة والقدح فيهم ، عزم على الانزعاج عن أثينة ، فاستخلف على كرسى حكمته ثيوفرسطوس ، فتسلم ثيوفرسطوس مقاليد المدرسة ، وكانت المتفلسفة مختلف إليه ، وتقتبس عنه ، وبلغ تلاميذه ألفى تلميذ ، ألف تهوفرسطوس ما يتيف على مائتى كتاب ، ضاع معظمها ولم يبقى منها إلا عشرون كتابا فى تاريخ النبات وفى الرياح والنار والأحجار والعسل والصحو والمطر والحيوان والسمك ،

وكتب فى الطبائع والأخلاق . أما كتابه هذا فهو ويدل على عقل راجح وأسلوب خاص .

وصف ثيورسطوس فى كتابه مفاسد الغرائز ومساوئ الشمائل ، فكتب فى الملق والغلظة والأرضاء والنذالة ، والشح والوقاحة والتميمة والخيلاء وما شابه ذلك ، وصف هذه الأخلاق كلها ، وأفاض فى بيان دقائقها وأطوار أصحابها ، وبين ظواهر الرجال وأقوالهم وأفعالهم ،

وعرف فى مبادئ الفصول ضروب الرذائل تعريفا موضحا موجزا ، فإذا قرأت كلامه على خلق من أخلاق رجال أثبتة فكأنك تشاهد أصحاب هذا الخلق فى دهرك يروحون ويغدون ؛ فالتملق الذى وصفه مشابه لتملق كثير من جماعاتنا ، والشح الذى عرفه مجانس لشح كثير من طوائفيا .

إلى كتاب ثيوفرسطوس ما ينيف على ألفي سنة ، فنشأ فى فرنسة فى القرن السابع عشر كاتب اسمه " لا بروير " ولد في باريس ، وقضى أيامه إلى جانب " كوندة " الكبير ، وكان أستاذه الخاص ، فترجم " لا بروير " كتاب " ثيووفر سطوس " ووصف اخلاق أهل عصره فى القرن السابع عشر ، ولا سيما أخلاق رجال الملك وحاشية لويس الرابع عشر ، وقد رأى " لابروير " أن الأخلاق التى استفاضت في أثينة من ألفى سنة والأخلاق التى ذاعت فى القرن السابع عشر فى باريز متجانسة فقال :

" إن الذين وصفهم ثيورسطوس فى كتابه إنما هم من اثينة ، ونحن رجال فرنسيون ، فإذا أضفنا إلي تباين الأماكن والياآت تعاقب الأحقاب ، وعلمنا أن كتاب " ثيووفر سطوس " قد أنى عليه ألفا عام ! عجبنا العجب كله من أن ترى فى تضاعيف سطوره صور أعدائنا ،

وأصحابنا ، ونعرف الذين نعيش معهم ، وتأكد لنا أن الرجال الذين بفصل بينهم تقادم العصور متشابهون فى شيمهم وخيمهم التشابه كله ، فإن البشر لم تتغير قلوبهم وعواطفهم ، فهم فى الحاضر على نحو ما كانوا عليه فى الغابر ، زمن ثيوفرسطوس ، جبلوا على الخيلاء والمداهنة والوقاحة والنميمة والأثرة وأمثال ذلك من مستهجن الأخلاق " .

من هذا كله يتبين لنا أن فساد الأخلاق متسلسل فى

البشر منذ بدء الخليقة ، ففى كل دهر كان الناس يشكون من أخلاق الناس ، حتى قال لابروير :

" لا ينبغى لنا أن نغضب على الرجال إذا آنسنا منهم الشدة ، وكفر النعم والظلم والكبرياء ، ونسيان إخواتهم ، فانهم على هذه الأخلاق جبلوا ، وعلى هذه الشيم طبعوا . وإذا كنا لا نستطيع أن نحتمل أخلاقهم هذه ، فكأننا لا نستطيع أن نحتمل سقوط الحجر إذا تقلت منك ، وإحراق النار إذا تأججت " .

فالأخلاق التى يتوارثها الناس تثبت دهرا طويلا ، وأحقابا مديده، فلا يخطرن ببال أحد أن تعاقب خمسين سنة أو مائة سنة ، يبدل من الأخلاق أو بغير من الطبائع وما أصدق ما قاله فى هذا المعنى أناتول فرانس :

" كنت فى بعض الأحايين اشاهد صغار امور تجرى بمرأى منى , فأظن أنها من خصائص الدهر الذى أنا فيه ، وانها يجرى فى أيامنا ولم تتخفض من قبل ؛ غير أنى كنت أجد فى تواريخ قديمه الأمور نفسها فى أحوال متشابهة ، ففى أعماق نفوسنا أشياء كثيرة من الطبائع البشرية التى قلما تجد لها تبديلا ؛ فإذا اختلفنا عن أجدادنا ، فاننا نختلف عنهم اختلافا يسيرا جدا ، ولا تتغير أذواقنا وعواطفنا إلا إذا تغيرت الأعضاء التى تتولد منها هذه الأذواق والعواطف ، وهذا لا يتم إلا فى قرون ، فلا بد من تعاقب مئات أو آلاف من السنين ، حتى تبدل طبائعنا تبديلا عظيما " .

ولكن ما الذى نستنبطه من كل ما تقدم ، فلا بد لكل مقدمة من نتيجة ؟ أما النتيجة التى تصل إليها فى أمثال هذه المشاهدات فإنها مرة ، تفتح الكتب المنزلة على الأنبياء ، وتمعن فى دراسة كتب الأدب ، وتسمع آراء رجال التربية ، فنظن أن البشر انسلخوا من أفقهم

المتصلين به , واتصلوا بأفق الملائكة ، وهو آخر مرحلة من مراحل الكمال ، ولكنا نترك قليلا كتب الأنبياء ، وتصانيف الأدب ، ونبتعد قليلا عن رجال التربية لتختلط بالعالم وحقيقته ، وبأخلاق الناس وحقائقها ،

فما الذى نشاهده ؟ إنا نشاهد تناقضا راعبا بين أقوال البشر وبين أفعالهم . فأى رجل منا لا يسمع فى النهار ألف شكوى من قلة الوفاء أو من الحسد أو من الحقد أو من اللؤم أو من الانتقام ، أو من أى خلق من الأخلاق السيئة التى استفاضت فينا وتمكنت منا حتى مشئت وباضت وفرحت ؟ فهذا التناقض بين الكتب التى تدرسها وهي تشتمل على تصوير محاسن الأخلاق فى أروع صورها وبين اعمال البشر فى حياتهم الخاصة وفى حياتهم العامة ، قد يدخل على قلوبنا حين تختلط بالعالم ونتصل بطبقاته عمرة من الحزن ، فنفاجأ بأمور لم تخطر لنا ببال ، حتى لو وصفنا واصف بقلة الخبرة والتجربة لصدق وصفه .

أفلا يرى أصحاب العقول الراجحة أن إفراطنا فى الأخذ ببعض الكتب وببعض مذاهب التربية التى تصور الأخلاق الفاضلة وتمدح هذه الأخلاق ، هو الذى أفضى  بنا إلي النتيجتين السابقتين : غمرة الحزن وقلة الخبرة ؟ أفلا يرى أصحاب العقول الراجحة أن الانسان ينبغى له أن يعرف الحياة على قدر حقائقها الواقعة حتى لا يكون غريبا عن العالم الذى يعيش فيه ، مباينا لهذا الافق الذى يتصل به ؟ إذ أنه لو ظل يعتقد أن البشر هم على نحو ما وصفه أبو المتاهية فى شعره ، لكان اعتقاده سببا فى ألمه فى الحياة وفى كآبته وفى سويدائه وفى انبساطه إلى الخيال وبعده عن واقع الحال . والخلاصة أفلا يرى أصحاب

العقول الراجحة أن كثيرا من أدينا وكثيرا من أساليينا فى التربية يستلزم تعديلا غير يسير حتى تتناسق حياتنا فى مدارسنا ودراساتنا وحياتنا فى العالم ، فلا تصدمنا الحقائق المرة ، والأخلاق المزعجة ، وإنما تخرج من المدارس

ونفرغ من الدراسات ونحن عالمون بما فى هذا العالم من خلق سئ أو من خلق حسن ، فتقل شكوى الناس من الناس ؛ قال أحد الكتاب الفرنسيين :

" أعرف بنتا صغيرة عمرها تسع سنين ، وهى أعقل من العقلاء أنفسهم ، قالت لى مرة :

" يرى الانسان فى الكتب ما لا يستطيع أن يراء فى الحقيقة ، إما لأنه بعيد عنه ، وإنما لأنه ماض ؛ ولكن الذى يراء فى الكتب فانما يراه رؤية سيئة ، فالأولاد الصغار لا ينبغى لهم ان يقرأوا كتبا ، فكثير من الامور الحسنة يجب عليهم أن يروها ، وهم لم يروها ، كالبحيرات والجبال والجداول والمدن والبرارى والبحر والسفن والضياء والنجوم .

" إننى على رأى هذه البنت ، ليس عمرنا إلا ساعة من الساعات ، فلماذا نحمل أنفسنا أشياء كثيرة ؟ ولماذا نتعلم كثيرا من الأمور إذا كنا نعرف أننا مهما نتعلم فاننا لا نعلم شيئا ؟ إننا نعيش كثيرا فى الكتب ولا نعيش فى الطبيعة إلا قليلا ؛ وما مثلنا في ذلك إلا كمثل " بلين " الفتى الذى كان يدرس كتاب خطيب يونانى فى الوقت الذى كان فيه جبل النار( قزوف ) يغطى على مرأى  منه خمس مدن بالرماد ! "

حسبنا من هذه القصة الرائعة العبارة الآتية : إننا نعيش كثيرا فى الكتب ولا نعيش فى الطبيعة إلا قليلا . من أجل هذا النمط من العيشة يعجب الناس من بعض أخلاق الناس ، فيندمون فى الشكوى والضجر !

( دمشق )

اشترك في نشرتنا البريدية