الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 324 الرجوع إلى "الثقافة"

شهران فى القاهرة

Share

أعود إلى دمشق في هذا المساء بعد أن فرغت من الاشتراك في أعمال اللجنة الثقافية . ولقد خلوت إلى نفسي في هذا الصباح فقلت : ما هي الآثار التي بقيت في من الإقامة بالقاهرة شهرين ؟ قد يكون الهرب من برد دمشق إلى دفء القاهرة أتم نعمة نعمت بها في هذا الشتاء ، وقد يكون التمتع بمحاسن الطبيعة في ريف مصر أكمل سرور دخل على قلبي ، وقد تكون المجالس الأدبية في ليالي الجمع في لجنة التأليف والترجمة والنشر أروع مجالس حضرتها ، فقد أعادت إلى ذهني ذكرى مجالس أبي حيان التوحيدي . ولست أدري لماذا لا يدون الأساتذة أصحاب هذه المجلة خلاصة أحاديثهم في مجلتهم ، فانها لا تخلو من فلسفة وأدب واجتماع وفكاهة . وقد

تكون جنازة المرحوم أحمد ماهر باشا أعظم جنازة شهدتها في حياتي . وجملة القول إذا أردت أن أحصي الآثار التي خلفتها في خاطري الاقامة بالقاهرة فأني أجد منها طائفة غير قليلة . غير أني أتخطاها كلها ، ولا أذكر منها إلا أثرا واحدا ليس فيه شئ من سرور القلب وإنما فيه كثير من ألم النفس :

اشتغلنا في هذين الشهرين بتهيئة الوحدة الثقافية في بلاد العرب ، وقد تختلف في توضيح مرامي هذا النوع من الوحدة ، ولكن الشئ الوحيد الذي لا تختلف فيه أن الوحدة الثقافية تشتمل على أمور كثيرة من أعظمها وحدة الشعور . فما الفائدة من الوحدة الثقافية إذا كنا لانتقارب في وحدة الشعور ؟ فمن التقارب في الشعور أن يألم بلد من بلاد العرب لما يألم له بلد آخر ، فإذا شكا بلد من حالة اجتماعية ولم يشاركه بلد آخر في هذه الشكوي أو في الذي تتضمنه من ألم فلا تكون الوحدة الثقافية شيئا . ولقد ألمت وأنا في القاهرة لشيء ألم له كثير من اخواني . قد تجمع مصر سبعة عشر مليونا من الناس على ما أظن ، ولكن التباعد بين حالتهم الاجتماعية لا يكاد يقدر القلم على وصفه . ولست أعرف بلدا من بلاد العرب بلغ فيه التباعد بين طبقاته ما بلغه في مصر ؛ فلسنا نجد فيها نسبة بين الطبقات : فريق يعيشون في أبعد مذاهب النعيم من العيش وهم قليلون جدا ، وفريق يعيشون في أبعد مذاهب الخشونة وهم معظم أهل مصر . ولقد شهدت هذا النوع من العيشتين في القاهرة نفسها وفي ضواحيها وفي الأرياف . ولست أنسي مشهدا كدر علي صفو نزهة في القناطر الخيرية ؛ فقد ركبنا في هذه القناطر مجلة يدفعها رجلان من أهل الأرياف ، كنا نغرق في محاسن الطبيعة ، وكان الرجلان يغرقان في شقاوتهما ؛ رجلان حافيان ، يدرجان بالعجلة ، يتدفق العرق من جبين كل واحد منهما ، لا يكادان يشعران بشيء مما حولهما كأنهما آلتان متحركتان ، فكأن الشعور

مات فيهما من كثرة الشقاوة حتى أصبحا مثل الجماد . ووالله ما ذكر منهما إلا ذكرت العمال الذين كانوا يبنون الأهرام على أيام الفراعنة ، ورجال التاريخ يعرفون كيف كانت حالة أولئك العمال !

لقد قلت في نفسي بعد هذه المناظر : إذا جازت أشباه هذه الحالة الاجتماعية في مصر في الماضي فهل تجوز في الآتي ؟ لاشك في أنها ستجلب لمصر متاعب شتى ، إنها ستجلب لمصر حالات فيها كثير من أنواع الاضطراب ، وقد تتعب فيها الحكومات التي تتعاقب ، إلا أنى لا أجيز لنفسي في هذا المقام الخوض في مثل هذه الموضوعات ، ولكني إذا كنت لا أسمح لها بالتعرض لأمور يكون الرأي في معالجتها رأي الحكومات ، فاني أسمح لها بالتصدي لأمور أعتقد أن نصيب الأديب من معالجتها غير قليل

أرى أن الأدب في مصر مقصر جدا في واجبه المقدس . وإذا كان فئة من الأساتيذ الأجلاء يكتبون في موضوعات من أرفع الموضوعات مثل إحياء رجال العرب والإسلام أو مثل إحياء تاريخ العرب والإسلام ، فلست أدري لماذا لا يكتبون في موضوعات حالة مصر الاجتماعية ، لماذا لا يهبطون إلى طبقات الشعب ولا يخالطون هذه الطبقات ، ولا يرافقون الفلاح في ريفه ولا يشهدون خشونته وشقاوته ولا ينظرون إلى موت حسه وشعوره ؟ لماذا يبعد الأدب عن هذا الحاضر الذي نعيش فيه وينظر إلى الماضي وحده ؟ وهل جاءت عظمة تولستوي " إلا من صلته بالفلاح الروسي ومن شفقته على هذا الفلاح ؟ وهل جاء بعض عظمة " روسو " إلا من انصرافه إلى الطبيعة ومن تغنيه بها وجر الناس إلى محبتها حتى كانوا يسمون أبناءهم بالأسماء التي وردت في كتبه المشتملة على وصف الطبيعة والتغني بها ! لست أحاول الاستقصاء في الإشارة إلى الأدباء الذين كان لأدبهم سلطان عظيم وأثر رأسخ في تعديل الحالات الاجتماعية ؛ فالأدب إنما هو كل شئ في مثل هذا التعديل ،

فيه تستفيض مذاهب الفلسفة والاجتماع والأخلاق وغيرها في طبقات الناس ، فتنبه من شعورهم إذا غفل وتستيقظ من فكرهم إذا رقد وتشفى من حسهم إذا مرض ، لقد غلب على أدبنا شئ من النزعة المادية ، قد يكون من بعض أسبابها هذا العصر المادي الذي نعيش فيه ، فلا نكتب إلا لترمح وتغني . لا شك في أنه ليس من الضروري أن يعيش الأديب في ضنك وحوله أناس لا يعدلونه في الفكر والحس والشعور يتقلبون في أعطاف النعيم ، ولكن الأدب شئ والتجارة شيء آخر ، إنه أرفع مظهر من مظاهر الحياة ، إنه أرفع من كل تجارة ومن كل ثروة ومن كل عظمة ، فهذه الرفعة التي يحتوي عليها ، فيها كثير من العزاء وفيها كثير من الفخر ، فكم كنت أعجب وأنا أطالع المجلات المصرية التى تطبع ستين ألف نسخة أو سبعين ألف نسخة فلا أرى فيها أقل إشارة إلى علة مصر الاجتماعية . لا بأس بأن يجسر الأدب بعض المغنم ، ولكن لا بأس أبصا بأن ينظر هذا الأدب إلى علل مصر وإلى معالجة هذه العلل ، على وجوه شتى وبأساليب متنوعة . لمثل هذه الأمور الجليلة خلق الأدب ؛ فإذا انصرف أدب مصر إلى التقريب بين طبقات مصر ، إذا انصرف إلى التقريب بين طبقات تتعب من فرط النعيم وبين طبقات تموت من فرط الشقاوة ، فانه يعمل في مصر أعمالا ما عملت في تاريخها !

اشترك في نشرتنا البريدية