الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 47الرجوع إلى "الثقافة"

شهية الطفل

Share

إن شهية الطفل من المسائل الجديرة بالعناية والاهتمام ، وإن كان بعض الامهات يبالغن احيانا مبالغة لا مبرر لها في الاهتمام بأقل تغير فيها عند اطفالهن ، وخاصة في حالة الام المغرمة بطفلها الوحيد ، والتي تود ان تراه يقبل على غذائه في أي ساعة تعطيه إياه ، وبأي كمية تقدمه له ، فإذا ما اخذ كفايته ، ورفض الباقي عن شبع وزهد في الكثير المقدم إليه ، جزعت واسرعت إلي الطبيب تستشيره ، لاسيما إذا كان لاحدي قريباتها او صديقانها طفل سمين أحمر الخدين ، ظانة أنها لو كانت فعلت ذلك لضاهى طفلها طفل ابن الجيران في فرط السمنة ، وحمرة الوجه . وقد يكون طفلها في الواقع أوفر صحة وأكثر عافية

وللشهية حد طبيعي قد تقل عنه أو تزيد ، أو قد ينتابها شذوذ في نوع الأشياء التي يقبل عليها الطفل وسأتحدث عن كل منها على حدة

فقد الشهية :

مسببات فقد الشهية إما أن تكون مرضية ، أو فسيولوجية ، أو نفسانية .

فأما فقد الشهية المرضي : فيصحب معظم الأمراض ، إذ المعلوم ان اي الم او مرض في اي جزء من اجزاء الجسم يضعف قابلية الطفل للطعام ؛ ومن امثلة ذلك التسنين والتهابات الفم ، وتسوس الاسنان ، والتهاب الأنف واللوزتين ، وفقر الدم ، والتدرن الرئوي . وهذا الأخير هو أول ما يتبادر إلي ذهن الوالدين إذا ما لاحظا أي نقص

في شهية ابنهما ، وخاصة إذا صحبه بعض شحوب في اللون أو نقص في الوزن . ولحسن الحظ يندر أن يتحقق ظن الوالدين ، بعد البحث والفحص والاستقصاء

وأما فقد الشهية الفسيولوجي : فيظهر في الحالات التي لا تعطى للطفل فيها الفرصة حتى يجوع ، والحوع أهم منبه للشهية ، وبذلك يفقد القابلية نحو الوجبة أو الرضعة التالية : فمثلا إذا اكل الطفل بعض الأشياء المحببة إليه كالبسكويت والشكولاتة والفواكه وغيرها قبل ميعاد الوجبة الاساسية بمدة قصيرة ، فيجب أن يمنع عنه كل ما يطلبه من المأكولات قبل الآكل بساعتين على الأقل ، وبدا يقبل على غذائه الحقيقي بشهية .

كذلك قد تكون المدة التى تنقضي بين الرضعات أو الوجبات قصيرة بحيث لا يتسني للمعدة أن تفرغ محتوياتها تماما . وعلاج ذلك ان نطيل المدة بين الآكلات ؛ فمثلا إذا قارب عمر الطفل على السنة تكون المدة أربع ساعات ، وعند سن السنة والنصف تكون خمس ساعات وهكذا

كما انه يحدث أحيانا ان تكون نسبة القشدة في اللبن كبيرة ، أو يكون الطعام محتويا على كثير من المواد الدسمة ، والمواد الدهنية تبقى بالمعدة مدة أطول من غيرها ، أو يكون الطفل يتناول زيت السمك كمقو لاحتوائه على نسبة كبيرة من الدهن .

وأما فقد الشهية العصبي أو النفساني : فهو في الغالب في الطبقات التي ترتاد عيادات الأطباء الخصوصية ، وقد

يكون الطفل وحيد والديه أو يكرهما ، يشعر بما له من منزلة هامة عندهما ، ويري نظرات القلق التي تبدو على وجه والدته ووالده عما امتنع عن تناول طعامه ، ويسمع عبارات الجزع التي يقصها أهل المنزل لجيرانهم وزائرهم عن شهيته المفقودة ، ويري والدته المسكينة تنتقل به من طبيب إلي آخر وقد ظهر البؤس في عينيها ، وعند الجلوس إلى المائدة تلحف في رجائها له ان يرق قلبه ويتناول طعامه ليريحها من عذابها الاليم ، وقد تصل بها الدرجة للصراخ والعويل ؛ وفي اثناء ذلك كله يرجع الوالد من عمله فيضم إلى جماعة الشاكين المتضرعين من سادة ومربيات وخدم ، والطفل لا يسعه إزاء ذلك إلا أن يجلس على كرسيه وقد داخله الزهو والكبرياء ، ولا يزيده التضرع والرجاء إلا عدوا وطغيانا .

مثل هذا الجبار الصغير يجب ان يعامل بما يستحقه من الطرق السلبية ، وإن الوالدين ليضرانه اعظم الضرر بالحاجهما المستمر ، والطريقة الوحيدة هي ان لا يظهرا للطفل أي اهتمام بكمية الطعام الذي يتناوله ، بل يوضع الطبق أمامه لمدة عشر دقائق أو ربع ساعة ، فإذا لم ياكل يرفع الطبق من امامه بدون أي كلمة عتاب او تفريع . وبتكرار هذه العملية يتغير الموقف تماما : الطفل يتعنت مطالبا بالزيد ، والأم في زهو الانتصار ، تصميم على أن لا تعطيه أكثر من قدر محدود ، ثم لا يلبثان ان يعقدا هدنة ، يعقبها صلح ، فسلام طويل الأمد ، ويجب في الوقت نفسه أن نلاحظ مزاج الطفل ، فقد يكون امتناعه عن الآكل ناشئا عن كون طعامه على وتيرة واحدة من حيث الوانه فيبعث إلي نفسه الملل ، والإنسان بطبعه ميال إلى التغيير

زيارة الشهية وشذوذها :

تلاحظ زيادة الشهبة بكثرة في الأطفال السمان الذين

لا يمتنعون عن التهام كل ما يقدم لهم من الطعام في آية ساعة من ساعات النهار . وفي بعض الحالات لا تكون زيادة الشهية  اكثر من عادة قبيحة نتيجة خطأ في تربية الطفل ، وقد تكون نتيجة اضطراب في الهضم ، أو إصابة بديدان الأمعاء ، أو البول السكري .

وكثيرا ما تشاهد أطفالا يميلون إلي النهام الطين أو التراب أو الطباشير او الصابون او الحبر ؛ واحيانا يأكلون شعرهم ، وفي حالات بادرة برازهم ؛ وقد يكون هذا الطفل طبيعيا في مظهره ، لا يدل فحصه على وجود أي مرض ، ولكن هذه الظاهرة تحدث غالبا في الاطفال الضعفاء المصابين بفقر الدم ، أو ديدان الأمعاء ، وكثيرا ما تلاحظ في حالات نقص القوي العقلية

وتبدأ هذه العادة السيئة بين سن ستة اشهر وثمانية عشر شهرا ؛ وقبل ان يمشي الطفل يحبو نحو حذاء والده ويمسكه بيديه ، ويمتص التراب او الطين العالق به ، أو يلعق التراب العالق بعجلات عربة تنزهه . فإذا ما تعلم المشي أصبح حرا في الوصول إلي غرضه بسهولة ، فإذا وجد جزءا من بياض الحائط سهل الإزالة التقطه بشغف وأخذ بمضفه بلذة ، وكذلك يبتلع كل ما تصل إليه يداه ، غير عاني بالنتيجة ما دامت اللذة الوقتية متوفرة .

ويجب أن نتدارك هذه العادة الخطرة من بدء حصولها فقد تنجح في إيقافها كلية . أما إذا تهاونا في علاجها وتركنا الطفل يمضي في ميوله الشاذة بضعة شهور ، فإن علاجها يصعب ، وقد يستحيل إيقافه عند حده . وفي معظم الحالات التي لا يصحبها اي مرض آخر ، يشفي الطفل في السنة الثالثة او الرابعة من عمره . ولكن قد تستمر العادة إلي سن المدرسة ، وحتي يسن المراهقة ؛ وقد لا يكون في استمرارها أي ضرر - وهذا هو الغالب - ولكن يحدث احيانا ان يسبب عنها نوبات

إسهال شديدة ، أو قد يؤدي ابتلاع كميات كبيرة من الشعر أو الرمل أو الحصي إلي عواقب وخيمة جدا .

وعلاج مثل هذه الحالة يتلخص في الآتي : أن يبتد الطفل بقدر المستطاع عن المادة التي يميل إليها ، وأن يعالج بعناية أى اضطراب في الجهاز الهضمي ، لأن هذا يساعد على استفحال العادة . كما يجب تقوية الطفل وتحسين حالته العامة ، لان هذه العادة تتمكن من الطفل الضعيف ، أما القوي الصحيح فيمكنه التغلب عليها بسهولة . وأخيرا يستحسن تغيير البيئة التي يعيش فيها الطفل ، وان يحبب إليه بعض الألعاب التي تشغل ذهنه ، وتحول مركز اهتمامه إلي اتجاه آخر

كيف تربي شهية الطفل :

يجب تنظيم مواعيد الأكل ورياضة الطفل على احترامها ، كما يجب تقديم اصناف الطعام بترتيبها الطبيعي ، بحيث تأتي الحلوي والفا كهة في آخر الاكل ؛ ومهما صرخ الطفل مطالبا بها قبل اوانها فلا يصح ان نعيره إذنا صاغية . وينبغي تقديم الطعام بصورة جذابة مشوقة وبكميات غير كبيرة .

يجب أن يلزم الطفل المائدة طول مدة تناول الأكل التى تتراوح بين عشرين وثلاثين دقيقة ، وبذلك يدرك أنه لا فائدة من الإسراع في الآكل بقصد الرجوع إلي اللعب مع إخوانه .

يجب أن يكون الجو العائلي أثناء الأكل سارا مبهجا ، لأن السرور والبهجة يلبهان الشهية ، بعكس الحزن والكابة فهما يفقدانها . وينبغي إشراك الطفل في الحديث حتي لا يتطرق إليه الملل ، ولكن حذار من جعله محور الحديث طول المدة لان ذلك يشغله عن الأكل ؛ وعلى الحاضرين

أن يتحاشوا ذكر كرههم لأي لون من ألوان الطعام حتى لا يقلدهم الطفل في ذلك

يجب ألا يعنف الطفل أو يزجر أو يهدد بالعقاب إذا لم يأكل ؛ فما علينا إلا أن نضع الاكل امامه صامتين ، فإذا لم يأكله بعد المدة المقررة رفع الطبق من امامه بغير عتاب أو تقريع

وإذا قدم للطفل طعام جديد لأول مرة ، فليكن قليلا ، ويجب في الوقت نفسه ان يقبل عليه جميع الجالسين إلي المائدة ؛ ويحسن ان تقدم الأصناف الجديدة في أول الأمر حينما يكون الطفل جائعا فيقبل عليها بشهية . يجب أن لا نسأل الطفل إذا كان قد أحب الصنف الجديد أم لا ، فقد تدفعه غريزة حب الظهور أن يجيب سلبيا ومن الحكمة ان يجعل الطفل يدرك بغريزته ان رفض أي نوع من الطعام ليس معناه تبديله بصنف آخر أحب إليه

اشترك في نشرتنا البريدية