إن شهية الطفل من المسائل الجديرة بالعناية والاهتمام ، وإن كان بعض الامهات يبالغن احيانا مبالغة لا مبرر لها في الاهتمام بأقل تغير فيها عند اطفالهن ، وخاصة في حالة الام المغرمة بطفلها الوحيد ، والتي تود ان تراه يقبل على غذائه في أي ساعة تعطيه إياه ، وبأي كمية تقدمه له ، فإذا ما اخذ كفايته ، ورفض الباقي عن شبع وزهد في الكثير المقدم إليه ، جزعت واسرعت إلي الطبيب تستشيره ، لاسيما إذا كان لاحدي قريباتها او صديقانها طفل سمين أحمر الخدين ، ظانة أنها لو كانت فعلت ذلك لضاهى طفلها طفل ابن الجيران في فرط السمنة ، وحمرة الوجه . وقد يكون طفلها في الواقع أوفر صحة وأكثر عافية
وللشهية حد طبيعي قد تقل عنه أو تزيد ، أو قد ينتابها شذوذ في نوع الأشياء التي يقبل عليها الطفل وسأتحدث عن كل منها على حدة
فقد الشهية :
مسببات فقد الشهية إما أن تكون مرضية ، أو فسيولوجية ، أو نفسانية .
فأما فقد الشهية المرضي : فيصحب معظم الأمراض ، إذ المعلوم ان اي الم او مرض في اي جزء من اجزاء الجسم يضعف قابلية الطفل للطعام ؛ ومن امثلة ذلك التسنين والتهابات الفم ، وتسوس الاسنان ، والتهاب الأنف واللوزتين ، وفقر الدم ، والتدرن الرئوي . وهذا الأخير هو أول ما يتبادر إلي ذهن الوالدين إذا ما لاحظا أي نقص
في شهية ابنهما ، وخاصة إذا صحبه بعض شحوب في اللون أو نقص في الوزن . ولحسن الحظ يندر أن يتحقق ظن الوالدين ، بعد البحث والفحص والاستقصاء
وأما فقد الشهية الفسيولوجي : فيظهر في الحالات التي لا تعطى للطفل فيها الفرصة حتى يجوع ، والحوع أهم منبه للشهية ، وبذلك يفقد القابلية نحو الوجبة أو الرضعة التالية : فمثلا إذا اكل الطفل بعض الأشياء المحببة إليه كالبسكويت والشكولاتة والفواكه وغيرها قبل ميعاد الوجبة الاساسية بمدة قصيرة ، فيجب أن يمنع عنه كل ما يطلبه من المأكولات قبل الآكل بساعتين على الأقل ، وبدا يقبل على غذائه الحقيقي بشهية .
كذلك قد تكون المدة التى تنقضي بين الرضعات أو الوجبات قصيرة بحيث لا يتسني للمعدة أن تفرغ محتوياتها تماما . وعلاج ذلك ان نطيل المدة بين الآكلات ؛ فمثلا إذا قارب عمر الطفل على السنة تكون المدة أربع ساعات ، وعند سن السنة والنصف تكون خمس ساعات وهكذا
كما انه يحدث أحيانا ان تكون نسبة القشدة في اللبن كبيرة ، أو يكون الطعام محتويا على كثير من المواد الدسمة ، والمواد الدهنية تبقى بالمعدة مدة أطول من غيرها ، أو يكون الطفل يتناول زيت السمك كمقو لاحتوائه على نسبة كبيرة من الدهن .
وأما فقد الشهية العصبي أو النفساني : فهو في الغالب في الطبقات التي ترتاد عيادات الأطباء الخصوصية ، وقد
يكون الطفل وحيد والديه أو يكرهما ، يشعر بما له من منزلة هامة عندهما ، ويري نظرات القلق التي تبدو على وجه والدته ووالده عما امتنع عن تناول طعامه ، ويسمع عبارات الجزع التي يقصها أهل المنزل لجيرانهم وزائرهم عن شهيته المفقودة ، ويري والدته المسكينة تنتقل به من طبيب إلي آخر وقد ظهر البؤس في عينيها ، وعند الجلوس إلى المائدة تلحف في رجائها له ان يرق قلبه ويتناول طعامه ليريحها من عذابها الاليم ، وقد تصل بها الدرجة للصراخ والعويل ؛ وفي اثناء ذلك كله يرجع الوالد من عمله فيضم إلى جماعة الشاكين المتضرعين من سادة ومربيات وخدم ، والطفل لا يسعه إزاء ذلك إلا أن يجلس على كرسيه وقد داخله الزهو والكبرياء ، ولا يزيده التضرع والرجاء إلا عدوا وطغيانا .
مثل هذا الجبار الصغير يجب ان يعامل بما يستحقه من الطرق السلبية ، وإن الوالدين ليضرانه اعظم الضرر بالحاجهما المستمر ، والطريقة الوحيدة هي ان لا يظهرا للطفل أي اهتمام بكمية الطعام الذي يتناوله ، بل يوضع الطبق أمامه لمدة عشر دقائق أو ربع ساعة ، فإذا لم ياكل يرفع الطبق من امامه بدون أي كلمة عتاب او تفريع . وبتكرار هذه العملية يتغير الموقف تماما : الطفل يتعنت مطالبا بالزيد ، والأم في زهو الانتصار ، تصميم على أن لا تعطيه أكثر من قدر محدود ، ثم لا يلبثان ان يعقدا هدنة ، يعقبها صلح ، فسلام طويل الأمد ، ويجب في الوقت نفسه أن نلاحظ مزاج الطفل ، فقد يكون امتناعه عن الآكل ناشئا عن كون طعامه على وتيرة واحدة من حيث الوانه فيبعث إلي نفسه الملل ، والإنسان بطبعه ميال إلى التغيير
زيارة الشهية وشذوذها :
تلاحظ زيادة الشهبة بكثرة في الأطفال السمان الذين
لا يمتنعون عن التهام كل ما يقدم لهم من الطعام في آية ساعة من ساعات النهار . وفي بعض الحالات لا تكون زيادة الشهية اكثر من عادة قبيحة نتيجة خطأ في تربية الطفل ، وقد تكون نتيجة اضطراب في الهضم ، أو إصابة بديدان الأمعاء ، أو البول السكري .
وكثيرا ما تشاهد أطفالا يميلون إلي النهام الطين أو التراب أو الطباشير او الصابون او الحبر ؛ واحيانا يأكلون شعرهم ، وفي حالات بادرة برازهم ؛ وقد يكون هذا الطفل طبيعيا في مظهره ، لا يدل فحصه على وجود أي مرض ، ولكن هذه الظاهرة تحدث غالبا في الاطفال الضعفاء المصابين بفقر الدم ، أو ديدان الأمعاء ، وكثيرا ما تلاحظ في حالات نقص القوي العقلية
وتبدأ هذه العادة السيئة بين سن ستة اشهر وثمانية عشر شهرا ؛ وقبل ان يمشي الطفل يحبو نحو حذاء والده ويمسكه بيديه ، ويمتص التراب او الطين العالق به ، أو يلعق التراب العالق بعجلات عربة تنزهه . فإذا ما تعلم المشي أصبح حرا في الوصول إلي غرضه بسهولة ، فإذا وجد جزءا من بياض الحائط سهل الإزالة التقطه بشغف وأخذ بمضفه بلذة ، وكذلك يبتلع كل ما تصل إليه يداه ، غير عاني بالنتيجة ما دامت اللذة الوقتية متوفرة .
ويجب أن نتدارك هذه العادة الخطرة من بدء حصولها فقد تنجح في إيقافها كلية . أما إذا تهاونا في علاجها وتركنا الطفل يمضي في ميوله الشاذة بضعة شهور ، فإن علاجها يصعب ، وقد يستحيل إيقافه عند حده . وفي معظم الحالات التي لا يصحبها اي مرض آخر ، يشفي الطفل في السنة الثالثة او الرابعة من عمره . ولكن قد تستمر العادة إلي سن المدرسة ، وحتي يسن المراهقة ؛ وقد لا يكون في استمرارها أي ضرر - وهذا هو الغالب - ولكن يحدث احيانا ان يسبب عنها نوبات
إسهال شديدة ، أو قد يؤدي ابتلاع كميات كبيرة من الشعر أو الرمل أو الحصي إلي عواقب وخيمة جدا .
وعلاج مثل هذه الحالة يتلخص في الآتي : أن يبتد الطفل بقدر المستطاع عن المادة التي يميل إليها ، وأن يعالج بعناية أى اضطراب في الجهاز الهضمي ، لأن هذا يساعد على استفحال العادة . كما يجب تقوية الطفل وتحسين حالته العامة ، لان هذه العادة تتمكن من الطفل الضعيف ، أما القوي الصحيح فيمكنه التغلب عليها بسهولة . وأخيرا يستحسن تغيير البيئة التي يعيش فيها الطفل ، وان يحبب إليه بعض الألعاب التي تشغل ذهنه ، وتحول مركز اهتمامه إلي اتجاه آخر
كيف تربي شهية الطفل :
يجب تنظيم مواعيد الأكل ورياضة الطفل على احترامها ، كما يجب تقديم اصناف الطعام بترتيبها الطبيعي ، بحيث تأتي الحلوي والفا كهة في آخر الاكل ؛ ومهما صرخ الطفل مطالبا بها قبل اوانها فلا يصح ان نعيره إذنا صاغية . وينبغي تقديم الطعام بصورة جذابة مشوقة وبكميات غير كبيرة .
يجب أن يلزم الطفل المائدة طول مدة تناول الأكل التى تتراوح بين عشرين وثلاثين دقيقة ، وبذلك يدرك أنه لا فائدة من الإسراع في الآكل بقصد الرجوع إلي اللعب مع إخوانه .
يجب أن يكون الجو العائلي أثناء الأكل سارا مبهجا ، لأن السرور والبهجة يلبهان الشهية ، بعكس الحزن والكابة فهما يفقدانها . وينبغي إشراك الطفل في الحديث حتي لا يتطرق إليه الملل ، ولكن حذار من جعله محور الحديث طول المدة لان ذلك يشغله عن الأكل ؛ وعلى الحاضرين
أن يتحاشوا ذكر كرههم لأي لون من ألوان الطعام حتى لا يقلدهم الطفل في ذلك
يجب ألا يعنف الطفل أو يزجر أو يهدد بالعقاب إذا لم يأكل ؛ فما علينا إلا أن نضع الاكل امامه صامتين ، فإذا لم يأكله بعد المدة المقررة رفع الطبق من امامه بغير عتاب أو تقريع
وإذا قدم للطفل طعام جديد لأول مرة ، فليكن قليلا ، ويجب في الوقت نفسه ان يقبل عليه جميع الجالسين إلي المائدة ؛ ويحسن ان تقدم الأصناف الجديدة في أول الأمر حينما يكون الطفل جائعا فيقبل عليها بشهية . يجب أن لا نسأل الطفل إذا كان قد أحب الصنف الجديد أم لا ، فقد تدفعه غريزة حب الظهور أن يجيب سلبيا ومن الحكمة ان يجعل الطفل يدرك بغريزته ان رفض أي نوع من الطعام ليس معناه تبديله بصنف آخر أحب إليه

