الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 386الرجوع إلى "الثقافة"

شوبنهاور والنقد الادبى

Share

شوبنهاور من الفلاسفة القلائل الذين شغفوا بالكتابة عن الفن وعنوا بالأدب ، ولعل سبب ذلك انه لم يكن فيلسوفا ممتازا فحسب بل كان كذلك كاتبا كبيرا ، وهو يعتبر في طليعة من نهضوا بالنثر الألماني وطوعوا اللغة الألمانية ، وآراؤه عن التأليف والأساليب وصور الأدب والنقد والعبقرية لها قيمتها ، ومعظمها مستمد من تفكيره الخاص وتجاربه الشخصية ، وهو يكاد ينكر وجود الملكة الناقدة في الإنسان لندرتها وقلة شيوعها ، وهو يشبهها بطائر العنقاء الخرافي الذي يقال إنه يظهر مرة واحدة كل خمسمائة سنة .

والنقد عنده لا يرجع لي قاعدة ولا يعتمد على أصل من الأصول ، وإنما مداره على الذوق المهذب المصقول الذي يهتدي إلى كشف الجمال ويوفق في إصابة الهدف ، والذوق الناقد يعجز عن خلق الآيات الفنية ، وإنما شأنه التلقي والاستيعاب والتفريق بين الحسن وما ليس بالحسن والجيد والرديء .

وحينما يحاول النقد أن يزن العبقرية ويقدرها لا يجمل به أن يقتصر على تعديد الأخطاء وإحصاء العيوب ، ويكتفي بالإشارة إلى نواحي الضعف والتهافت ، وإنما يجب أن يتجه أول ما يتجه إلى ذكر الصفات التي يتفوق فيها العبقري ويمتاز بها ؛ وذلك لأنه في عالم الفكر - كما في سائر العوالم - يأبى الضعف والالتواء إلا التملق بالطبيعة الإنسانية والتشبث بأهدابها ، وأقوى العقول البشرية وأسماها ليس سالما من الضعف ولا بريئا من أسباب النقص والعجز ، ومن ثم الأخطاء الجسيمة التي تدب إلي أكثر أعمال العبقريين وتشوب براعاتهم وتشوه محاسنهم

والذي يميز أعمال العبقربين ويحب أن يكون معيارا للحكم عليهم هو مدى السمو الذي يرتفعون إليه حينما تواتيهم الإجادة ويسعفهم الإلهام ، وهو ارتفاع قل أن

يبلغ ذروته ذوو المواهب العادية والقدرات المحدودة . ومن الخطر كذلك الموازنة بين رجلين عبقربين من طبقة واحدة كشاعرين عظيمين او موسيقارين كبيرين أو فيلسوفين ممتازين ، وذلك لأن في هذه الموازنة ظلما لأحدهما لامعدي عنه ، لأننا في عقد الموازنة ننظر إلي ميزة خاصة في أحدهما ، ونري في الوقت نفسه أن هذه الميزة غير موجودة في الآخر ، ولذا تنتقص قيمته وترخص قدره ، وإذا عكس الأمر وبدئ بالثاني و كشفت ميزته الخاصة التى تختلف في نوعها عن ميزة الأول ، فإن نتيجة ذلك هي انتقاص نمى الاثنين بدون مسوغ ، على أن الموازنة تصلح في إظهار أنماط التفكير والوان لإحساسات إذا استعملت في حذر واحتياط مع تجري الإنصاف وعدم الميل مع الهوي .

ويري شوبنهاور أن القسوة في النقد لا تفيد إذا تجاوزت الحدود ، كجرعة الدواء لا تحدث التأثير المطلوب إذا كانت أكبر من المقدار المناسب . وأشد ما يبتلي به ذوو المواهب الحقة أن أعمالهم تظل في انتظار التقدير الذي يسخو به الذين لم يخرجوا للناس سوي مسفسف الكتب وهزيل البحوث ، وأكثر الناس لا يفرقون بين الزائف والصادق ولا يعرفون الحنطة من الزوان ولا النحاس من الذهب .

وأصعب عقبة تعترض سبيل المؤلف القيم حين ظهوره هي كثرة المؤلفات السخيفة التافهة التي تزحم الميدان ، وإذا استطاع الكاتب الصادق أن يشق طريقه ويفرض نفسه فسرعان ما تقوم في سبيله عقبة أخرى ، هذه العقبة الجديدة على ظهور المقلدين الذين يجرون في غباره ، ويحتذون مثاله ، ويلتبس الأمر على الناس فلا يعرفون الأصيل من المقلد ، وقد يضعون المقلد البارع في مكانة أسمى من المبتكر الخالق . ويجد شوبنهاور في ذلك منفذا للنيل من أضرابه في الفلسفة الألمانية ، وهم التالوث المكون من هجل وشلنج وبحت ، فيقول إن فلسفة كانت الجدية الصادقة طاولتها

فلسفات هؤلاء الثلاثة وجاذيتها مكانتها ، كما طاولت الأرض السماء سفاهة وكما فاخرت الشهب الحصى والجنادل ، ويشير كذلك إلى اللذين اقتصوا أثر ولتر سكوت وضربوا على قالبه في مزج التاريخ بالقصص ، والجمهور لا يدرك وجوه التفوق والامتياز ، ولذا لا يعرف ندرة الاجارة في الشعر والفلسفة والفن ، ولا أن هذه الأعمال الممتازة وحدها هي الخليفة بالاعجاب والتقدير ، وتقدير أعمال العبقريين يأتي في أغلب الأوقات متأخرا .

ويسترعي شوبنهاور نظرنا إلي مسألة هامة جديرة بالتأمل في تاريخ الأدب والنقد ، وهي أن بدائع الماضي ورواثمه تظفر في كل حين بالإجلال والإعجاب ، في حين أن الروائع المعاصرة لا تقدر ولا يعترف بقيمتها ، ويوجه ما هي جديرة به من الالتفات والرعاية إلى اشياء لاتدانيها في المكانة ، وعجز الناس عن إدراك البراعات المعاصرة يدل دلالة واضحة على أنهم لا يحسنون تقدير البدائع التي طال عليها الزمان وهم يظهرون الإعجاب بها نزولا علي حكم التقاليد واتباعا لآراء العارفين .

والواقع أن من أخطر العيوب التي امتلأ بها تاريخ النقد عجز النقاد عن تقدير المبتكرات الفنية والأدبية المعاصرة لهم ، وكثيرا ما تعثر النقد في هذا التقدير وضل وعوي ، ولم تسلم صحائف كبار النقاد المعروفين من هذا النقص ، فجونسون مثلا يقول عن منظومة ملتن العظيمة المعروفة " بالفردوس المفقود " : " إن قراءتها راجب وليست متعة " وقد قوبلت اشعار كينس وشلي مقابلة سيئة من نقاد عصرهما ، وكتاب كارلايل العظيم عن الثورة الفرنسية واجه عاصفة من النقد الحانق حين ظهوره ، و كذلك ثكري وجبن اوستن لم يرحب بهما في بادئ الامر ، وقد ثنى النقد عزيمة بعض كبار الشعراء والكتاب ، فلزموا الصمت حينا من الزمن مثلما حدث لوردزورت في بعض مراحل حياته الادبية ، ولتوماس هاردي في عقب ظهور رواية جود النامض . والناقد الذي يسئ فهم ذوي المواهب

ويؤلم نفوسهم بتحامله ولجاجته يحول بين الجمهور وبين الاستفادة من أصحاب القرائح ، وفي بعض الاحيان يثمر الشعراء والكتاب بالمدح السطحي المبالغ فيه فيضللهم ويفتنهم عن أنفسهم .

وقد كان جبتي شاعرا ناقدا ، ومع ذلك فإن أحكامه على شعراء الإنجليز والفرنسيين المعاصرين له مخير الفكر وتربكة ، فقد رفض أن يقدر شلي ، وفي سنة ١٨٢٤ تكلم عنه مع صاحبه المستشار ميللر باستخفاف وكان قد مضى لي وفاة شلى عامان ، وذلك لم يعجب بكولردج ، وكان يغالي بقيمة بيرون وصرح بأنه الشاعر الوحيد الذي يعتبره نظيرا له . والناقد الكبير سنت بيف على فضله وسعة ذرعة لم بقدر ستندهال وتنكر لبودلير ومرعيه . وكثيرا ما كان للتحيز السياسي أو الديني أثر في إفساد أحكام النقاد .

ويري شوبنهاور أنه كما أن الشمس لا ترسل ضوءها إلا للعين التي تبصرها وكما أن الموسيقى لا تتعلق أنغامها إلا للآذان التى تسمعها ، فكذلك الكتب القيمة والمعارف الممتازة في الأدب والعلم لا يعرف فضلها ويزن قيمتها إلا من كان راجح العقل نافذ النظر ، وذو البصيرة يملك كلمة السحر التي تحرك الارواح المختبئة في العمل الفني العظيم ، والطرف الأدبية عند ذوي الأذهان المادية صناديق مقفلة وأشياء ملفقة وآلات موسيقية لا يستخرج منها من يجهل طرائق استعمالها سوى نغمات مختلطة ، وتأثير الطرف الفنية يتفاوت بتفاوت العقول التي تجهد في تفهمها واستيضاح معناها ، والأمر كما قال المتنبي :

ولكن تأخذ الآذان منه     على قدر القرائح والعلوم

والعمل الجليل المتاز يحتاج إلي عقل يدرك جماله ونفس تعي روعته . و مما يثير الأسف أنه كثيرا ما يحدث أن يكون الذي يقدم الأثر الفني الرائع الجميل مثل صانع الأسهم النارية الذي تتقد نفسه حماسة وهو يقدم الأعاجيب التي قضى زمنا في ابتكارها وبذل جهدا في إعدادها ، ثم يعرف

في نهاية الأمر أن المكان الذي اختاره لعرضها لم يكن به من النظارة سوى فرد واحد ، وأن سائر الأفراد الذين أبصرهم كانوا جماعة من المقيمين في أحد ملاجئ العميان! على أن ذلك ربما كان أصلح له ، لأنه لو كان هناك رجال من الذين كانوا ينافسونه في عمل الأسهم النارية ورأوا أن ما يعرضه باهر ممتاز لكلفه ذلك على الأرجح فقدان رأسه !

ومصدر المتعة والارتياح هو شعور الإنسان بالألفة والتجانس والمقاربة ، وفي مخالطة الناس يميل النظير إلي نظيره ، وشبه الشئ ينجذب إليه ، والسخيف يشعر بمتعة في مصاحبة عديله في السخافة وتفاهة التفكير وعامية الذهن ولا يطمئن إلى معاشرة ذوي الألباب الراجحة والعقول الكبيرة والآفاق الواسعة ، وكل إنسان بطبيعة الحال بروفه عمله ، لأنه مرآة شخصيته وصورة نفسه وصدى تفكيره ، ويتلو ذلك أعمال الذين يشبهونه ، ويشاركونه في خصائصه ومميزاته . فالسخيف الذي لا يدري سوى بضعة ألفاظ وصيغ يرددها بلا فهم ترديد الببغاوات يحب ويؤثر من كان مثله سخيفا سطحيا ، وهو يسلم بأهمية الكتب القديمة - وإن كان يجهل فيها مواضع الحسن ومواطن القوة - خشية التصريح برأيه ، والاعتراف بالأعمال الممتازة حسين صدورها يحتاج إلى تفوق عظيم وملكات جد ممتازة .

ويري شوبنهاور ان المجلات الأدبية يجب أن تكون حجازا يتقي به طغيان الكتب غير النافعة ، ويحب ان تكون أحكامها عازلة غير مغرضة ، وصارمة لا تعرف المجاملة ولا المواربة ، وأن تمزق جلود الكتب التافهة بالسياط في غير هوادة وبلا رحمة ، وبذلك تؤدي هذه المجلات واجبها وتنهض برسالتها ، وهي ان نضع حدا لخديعة الجمهور وتغفله وإفساد ذوقه ، وهي إذا التزمت الاعتدال والقصد أو السكوت والإغضاء تمكن المؤلفين السخفاء والناشرين الجهلاء . ولو عرف كل شويعر متشاعر او فيلسوف زائف أو كاتب كليل الحد ناضب المعين أن كتبه ستسهدف للنقد

الحر الصريح لارتعد وأحجم وأراح القراء من هرائه وسخفه وفكر في ارتياد ميدان آخر من ميادين الدجل والخديعة والتزوير . ومن الخطأ في عالم الأدب والفكر ملاينة الأغبياء واحتمال من لا عقل لهم ، لأنهم فيه دخلاء وقحون ، وواجبنا نحو المجيدين السبافين يقضي بإبعاد الضعفاء المتخلفين ، والمجاملة في النقد ضارة لأنها تستلزم أن تسمى العمل الرديء حسنا ، وهذا يبطل الغرض الذي ينشده العلم والفن ، والمجلة المثالية هي المجلة التي يكتبها قوم لا يسمو إلي امانتهم وإخلاصهم الشك ، ويضاف إلى ذلك صدق الحكم وثقوب الفكر .

ويحمل شوبنهاور حملة شديدة على النقد المقنع ، وهو يري أن هذا الأسلوب في النقد كان سببه تجنيب الناقد غضب الجمهور أو سخط المؤلف وشيعته وانصاره ، ولكن كثيرا ما يتخذه القار الأدعياء الذين لا يرغبون في احتمال تبعة آرائهم والوقوف إلى جانب ما يقولون . وهو يشبه الناقد المقنع الذي بهاجم المؤلفين بالرجل الذي يرخي قبعته على وجهه ثم بهاجم المارة غير المتنكرين ، وهو عمل لا يرتضيه الرجل المهذب ، ولا يقوم به إلا كل وغد زنيم أو جبان حقود ، وكل رجل أمين يحترم نفسه ورأيه يجب ان يمهر مقالاته بإمضائه ، ومن خالف ذلك فإن أمانته - في رأي شوبنهاوور - موضع الشك . ويقول ريمر في ذكرياته عن جبتي " العدو الصريح الذي يلقاك وجها لوجه رجل امين يحسن معاملتك ، وتستطيع أن تعقد معه اتفاقا وتزيل الخصومة ، ولكن العدو الذي يستتر و ويتقنع عدو سافل جبان ليس عنده من الإقدام ما يكفي لإعلان رأيه ، وهو لا يعنيه رأيه وإنما يهمه سروره الخفي في صب غضبه ونفث حقده دون أن يلحقه لوم أو يصيبه عقاب .

هذه خلاصة رأي شوبنهاور في النقد وهو لم يأت في النقد بجديد والجديد في النقد من الأشياء النادرة ، ولكنه يعرض الشائع المعروف عرضا طريفا قويا ويشير إلي حقائق تستحق ان يلتفت إليها وينوه بها .

اشترك في نشرتنا البريدية