الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1022 الرجوع إلى "الرسالة"

شىء كالربيع، " إلى الباحثين عن حقيقة الفن وعشاق الجمال "

Share

كان " المطعم الرومانى " فى ذلك اليوم غريب الزحام , وما ذاك إلا لأن أوقيليا الحسناء كانت منذ أيام قد راحت تتردد إلى زبائنها الكثيرين فوعدتهم بأشهى طبق من طيور الصيد , تقدمه إليهم بغير زيادة على ثمن الوجبة المعهود ، إذا ماعاد زوجها من رحلة الصيد فى السبت , وكان ذلك اليوم هو يوم السبت . وإذن فقد كان على أن أرضى ويرضى معى زميلى روزاى بتلك المائدة المهجورة عند باب لايكاد يقفل حتى يفتح من جديد . وكان علينا أن نروض النفس أيضاً على الصبر ، فالخادم الكهل جيانينو بعد أن جاءنا بالنبيذ قد شغله الزحام مرة أخرى , فلما عاد يستجيب لندائنا عليه بأكثر من " نعم يا سيدى . حاضر ."

على أن الانتظار فى الحق لم يكن يضنينا . فقد كان صباحى يتسلى بأن يرسم على ظاهر قائمة الطعام صورة بارعة لذلك المتسول الشيخ الذى جلس على مقربة منا وهو يعزف أنغام الفرح الصاخب على ( الفيزار مونيكا ). وأما أنا فكنت أقلب النظر فى ذلك العالم الصغير الغريب فاكاد . أنسى كل شىء .

كان هناك فيرد ينيو المثال وقد رأيته يطلب اللتر الكامل من جيد النبيذ , فقلت لنفسي إنه لاريب قد أخذ عربونا على تمثال للعذراء علم الله على قبر أى تعيس من التعساء يوضع

وكان هناك توبى الرسام , وكنت أراه يقنع فى ذلك اليوم أيضاً بشرب الماء القراح وفى وجهه الصلابة والعزم، فأفكر فى الصعاب التي يصادفها كل عبقرى يأتى بالجديد .

وكان سوزى هناك أيضاً ؛ وجدته ضاحك الوجه لم تمنعه سنوه الخمسون من أن يضع فى عروة سترته تلك الوردة الحمراء الملتهبة , فلم أشك فى أن علاقته مع تلميذته الصغيرة فى الأكاديمية لم تزل على ما يرام .

وأظل أتنقل بالنظر من مائدة إلى مائدة , حتى ينتهى صاحبى وهو يهزنى من ذراعى هزاً :

- فيرا الرسامة ! أتعرفها ؟ فأقول وما زلت شارد الذهن : - كلا . ولكن يخيل إلى أن هذا الإسم قد سمعته من قبل .

هى من أبرع الرسامات اللاتى عشن فى روما وكان هذا الإعجاب يبديه صاحبى - وهو الذى يبخل دائماً بالمديح - جديراً بأن يثير انتباهي . ولكن شيئاً غريباً فى تلك المرأة هو الذى جعل نظرى يتعلق بها فيتبعها وهى تبحث هنا وهناك عن مائدة خالية .

كانت ترفع رأسها كأنها ملكة . ولكن وجهها كان هادئا صاخباً حتى كأنها شاعرة . وكان شعرها الغزير الذهبى يترسل ليناً على كتفها فيوحى إلى النفس معانى الهدوء واللطف والبساطة.

وقد وقفت اخر الامر عند عمود مغطى بخشب الجوز القديم فاطمأنت وحدها إلى مائدة . ولم يتأخر عنها جيانينو بربع اللتر المعهود . وأما صاحبي فقد عاد يقول وهو يرانى أطيل إليها النظر.

- ألا تجدها غريبة ؟ إنها لأعظم امرأة عرفتها وإن لها لقصة .

ولم يجعلنى الح عليه فى الرجاء كيما يقص على ما كان يعلمه , فقد كان يحس من نفسه كل الرغبة . وقال :

" كانت فيرا تعمل كنموذج للفنانين قبل أن تتوفر بنفسها على الرسم . وكان ينبغي لك أن تراها فى ذلك الحين , أعنى قبل عشر سنين , فقد كانت رائعة الحسن . وكان

جسمها الذى رأيته في أمسيات كثيرة , عاريا يشتمل تحت النور القوى فى نادينا القديم فى شارع مارجوتا , شيئاً يفتن العين والقلب . ولعلك لاتلقى فى كبار الفنانين فى روما من لم يوح إليه هذا الجسم بعمل يعتز به فوق اعتزازه بأى شىء آخر . حتى ليقال إن الأستاذ ( ف ) الذى باع رسوماً رسمها لزوجه وبناته وهن عاريات أتم العرى قد أبى أن يفرط فى رسم لها ود الكثيرون شراءه بأغلى ثمن . وهو يقول إنه يريد أن يأخذه معه إلى القبر , لأنه كل ماظفر به من دنياه

" ولم يكن الأستاذ ( ف ) فى ذلك الحين هو صاحب ذلك الرسم الكبير الذى يرتفع حتى يبلغ ثمانية أمتار ويزيد ، بل كان واحداً منا نحن الذين كنا نتردد على النادى كل مساء لكيما نرسم النموذج الحى لقاء صولديات قليلة , لعلك تعلم كيف كنا نقتطعها من حاجات العيش اقتطاعا :

" وأقول إنه لولا ذلك لما استطاع الأستاذ ( ف) أن يظفر بذلك الرسم الذى يعزه فوق إعزازه لأى شىء اخر ؛               فقد كانت تيرا تأبى أن تعرض فتنتها على شيوخ الفن فى المراسم الكبيرة الجافية , وتؤثرنا وحدنا بنعمة الإلهام من جسمها العجيب . فقد كنا شبعتها التى تلتف حولها فى خضوع وعبادة .

" نعم كنا اتباعا لجمالها . وكانت تصطفى من جمعنا من نشاء . على أنك لم تكن تعلم ما الذى يدنيك منها وما الذى يقصيك عنها . فقد كنت تقرر أن بعض الحسن أولى أن يستميلها , وأن بعض الشباب أحق أن ينال رضاها ؛ ولكنها كانت تعرض عن هذا وذاك , وتقبل وأنت حائر والكل حيارى على القبح الذى كان مخطر لك أنه أشد ما ينفر , والشيخوخة التي لم تحسب لها أى حساب .

" غير أنها كانت تعود فتستبدل الحسن بالقبح والشباب بالشيخوخة ، فلا أحد يتولاه اليأس من ان يفوز بمتعة ليلة , وهى كانت ليلة مفردة فلايطمع أحد فى أكثر منها . والويل لمن علل النفس بالآمال وطمع فى دوام الحب . إنه كان يضيع قلبه ويتلف روحه

" وظلت فيرا على هذا النحو نموذجاً لحقيقة الجمال وصورة لإحدى ربات الأقدمين غريبات الأطوار , حتى بدالها في أمسية من الأماسى أن تجول يين أشتات اللوحات بعد جلستها الأولى لترى كيف رسمها الرسامون ووقفت عند لوحة فانطلقت تضحك .

لم يكن هناك رسم ولا شىء يشبه الرسم فى تلك اللوحة وإنما كان هناك على الأصح تراب الفحم امتزج به العرق الكثير , فنشأت منه بقع سود كبار , وإذا كان تحتها شيء فهو خيال امرأة لا يظهر للعين إلا على جهد فقالت فيرا , إذن فالرسم سهل يسير . فما يعجزنى أن أرسم شيئا كهذا

ونظرت إلى صاحب اللوحة , وهو فتى غض الأهاب من طلاب الاكاديمية فإذا به يستند إلى الحائط وهو يبتسم وكأنه يدافع عن نفسه بذلك الابتسام , فقلت لنفسى إنه مسكين , وإن أمره لم يكن عن جهل بالفن . وكنت على يقين ؛ فقد جرى لى نفس ما جرى لذلك الفتى يوم أن رايت جسم فيرا العارى لاول مرة . ولكن العرق الذى تصبب منى كان أقل . ولعل هذا لأن حظي من فورة الشباب كان أيضا أقل . إلا أننى تمنيت بعد ذلك لو قد أصابنى كل ما أصابه أو أكثر . فقد وقع عليه الاختيار فى تلك الليلة ؛ ثم كان هو المختار أيضا فى الليلة التي بعدها , وفى الليلة الثالثة , وفى ليال أخرى متعاقبة . ثم بدأ نادينا يقل رواده لأن فيرا لم تعد تظهر . والشاب ايضا لم يعد يظهر . ثم علمنا أن الأثنين قد طارا معا إلى عش على سطح دار صغيرة فى ( مونت ماريو )

وكف صاحبى عن حديثة لحظة , فصب لى ولنفسه جرعة أخرى من نبيذنا القليل الذي كاد ينفد . وبحث فى كل جيوبه عن شىء يعطيه لذلك العازف المسكين . ثم وصل الحديث فقال :

لم تعد فيرا تعمل كنموذج . وكان يقال إنها أحبت عيشة البيت الساكنة المطردة ، اكثر مما أحبت عيشة

الملاذ الطليقة المتنوعة , لأنها أحبت رجلها . ولم تحبه فحسب بل كانت تعبده عبادة صادقة , وكان يخيل إليك أنها ترد إليه بهذه العبادة كل العبادات التي أسلفناها لها

كانت تقاسمه حياته الصعبة ؛ بل كانت تأخذ لنفسها وحدها من حياته الوجه الصعب . وتبذل قصارى الجهد كيما تتيح له الهدوء واليسر والدعة

كانت تطحن الألوان , وتعد له النيل , وتصلح له الإطارات إلى جانب ما تقوم به من شؤون الدار

وكانت تقطع شارع ( ميداليات دورو ) الطويل فى كل صباح على قدميها فى ذهابها إلى السوق وعودتها , لتقتصد ( الصولديات ) القليلة , ولا تنفقها على الترام . والشراء من السوق كان وحده كلفة صعبة . فقد كان عليها أن تمر بالباعة كلهم فتستعرض ما لديهم فى دقة وعناية , قبل أن تقدم على شىء . وكانت تلتفت حولهافى كل لحظة , وتأخذ حذرها , حتى لا يراها جارة من جاراتها الكثيرات , فقد كان يعز عليها أن يعلم الناس أن فيرارى الأستاذ الجميل الفنى يعانى شظف العيش , حتى لتشترى امرأته ارجل الدجاج وأوراق الخص ( المفرطة ) والبيض المكسور

" ولكن شيزارينا الرسالة , صديقتها وخليصتها ، قد اطلعت على سرّها وجاءت تقص علينا النبأ فى المقهى اليونانى فأحسنا مرارة الأسف . إلا أن فيرا نفسها لم تك تأسف . وكنت إذا قابلتها فى بعض الطريق صدفة وما كنت تلقاها إلاصدفة , حيتك وعلى ثغرها ابتسامة حلوة , يتجلى فيها الرضا . ،فإن أطلت النظر إلى وجهها الذى بدأت تتغير قسامته بعض الشىء من أثر السنين فى حياتها الجاهدة , او تأملت فى ثوبها البسيط الذي حاولت بذوقها العالى أن تجعل له رواء , أو تطلعت إلى شعرها الذهبى الذى لم محسن ترجيله لعجلتها فى الصباح ردتك فى لطف كما ردتنى مرة بقولها وهى تضحك : سيدى الأستاذ ! لا تنظر إلى هكذا ! إنى امرأة صالحة ، وإني لا أسمح ..

"وكان إيمانها بفتاها كإيمان الشهداء لا حد له . فإذا قال لها قائل لماذا يتمسك فيراري بذلك المذهب الغريب

فى الرسم والناس لا يفهمونه ولا يرون فيه جمالا أجابته قائلة : إن فيراري نابغة يجهل الناس قدره , ولا ضير عليه أن يلقى الصعاب , فكل نابغة قدتعب قبل أن يدرك غايته    " وقد لقيتها بعد معرض عرض فيه فيرارى بعض رسومه فحمل عليه النقاد حملة قاسية . وسألتها ماذا قال فيرارى حين سمع ذلك النقد فقالت . وهي ثاثرة النفس : ماذا يعلم النقاد من حقيقة الفن ؟ إن الفن لا يعرفه إلا من عاش فيه . وقلت إني لا أحسبهم قد بعدوا عن الحق . فقالت يوم تبدى المزاح وتخفى الجد : سيدى الأستاذ أليس من الجائز أن تكون غيورا ؟ "

إن اللواتي يشبهن فيرا نادرة بين النساء , أو ماعلمت أن زوجتى حين ساءت حال زمنا قصيرا لم يزد على شهر سعت إلى مرة بكل ماف ىالمرأة من اللين كيما تقول إنها عثرت على عمل آخر أهون على من الرسم وأكثر ربحا وهو وظيفة بواب ؟

" لقد كانت فيرا فى الحق كنزا عظيما . إلا أن ذلك الفتى الغرير لم يقدرها قدرها . فقد أخذ بعد فترة من . الزمن يميل عنها ويكثر من السهر خارج الدار متعللا لذلك بشتى العلل . وكانت فيرا تظن كل شىء إلا أن يكون الفتى قد بدأ يمل عشرتها . ولكنها علمت مرة بطريق الصدفة أن للفتى خطيبة من بنات ( تراستفرى ) الغاويات أبوها صاحب مطعم وأن الفتى يقضى مع الصبية فى المطعم وعلى شاطىء التيبر شطراً من النساء وشطرا من الليل

لم يكن فى إصبع فيرا ( دبلة ) كالتي تلبسها كل حليلة لأنها لم تكن حليلته . ولكنها كانت فى واقع الأمر زوجا كأفضل الأزواج . وإذن فقد كان لها أن تثور أو تبدى الغضب أو تصب على صاحبها اللوم , ولكنها لم تلجأ إلى  شىء من كل هذا

وعاد الفتى ذات ليلة , فوجد عشاءه -  ساخنا مهيئا كما اعتاد أن يلقاه فى كل يوم , ووجد معه رقعة قصيرة , تقول فيها أنها لن تعود

وما فعله الفتى بعد ذلك قد تستطيع أن تدركه بالبداهة

تزوج بطبيعة الحال من أبنة صاحب المطعم . ولكن الرجل الغليظ لم يكن يؤمن بشىء غير الحقائق البينة , فما زال بالرسام المسكين حتى أقنعه بالعدول عن الرسم وجعله يرضى بوظيفة صغيرة يأتيه منها مرتب ثابت , فاطمأن بذلك على مستقبل ابنته ، أما فيرا...

ونظر كلانا إلى فيرا فإذا بها تنادى على جيانينو بإشارة هينة , وتدفع إليه ثمن النبيذ وحده , لأنها كانت مثلنا لم تذق طعاما ثم تنهض

ومرت بصاحبى فحيته بابتسامة عذبة , وخرجت وهى خفيفة كالنسمة

وقال صاحبى : إني لأعلم أين وجهتها . ستذهب كعادتها فى مثل هذه الساعة إلى مقهى صغير أمام قصر الدمغة فتجلس هناك قرب النافذة , لتختلس نظرة إلى فيراري عندما يخرج . وبعد ذلك تمضى إلى بيتها كدأبها فى كل يوم لترسم لوحة أخرى من لوحات الزهر رسمها ماأعجبه ! يجب عليك أن تراه ، فما أكثر مافيه من الشعور وما أكثر ما فيه من السحر ! إنه شىء كالرييع

المنصورة

اشترك في نشرتنا البريدية