الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 266 الرجوع إلى "الثقافة"

شيخ كريم

Share

جلست إلي مائدة الصباح أحسو من فنجاني وأقرأ في آن ، فشفتي في الشاي ، وعيني في الجريدة المفتوحة إلي جانبي ونفذت إلي المائدة أشعة الشمس البا كرة على غير عادتها في الشتاء ، فسقطت بيضاء على تلك الخطوط السميكه السوداء التي يظهر الجريدة ، تلك الخطوط التي قامت تفصل بين أخبار الأحياء وأخبار الأموات ، كأنما هي معابر الحياة إلى ذلك الأسود المجهول .

وقرأت أن فلانا قد مات ، ومات إلى رحمة الله وشيعت جنازنه بعد حياة طويلة قضاها في طيب الأعمال

أنتابني بالطبع أسف عميق على هذا الرجل الجليل ولكنه أسف كان أقل من أسف ينتابني لو أن حديثا في الشيخوخة والموت لم يكن جرى بيني وبين الشيخ الظريف منذ أعوام

التقيت به في الريف وقد اعتزل عمل المدينة ، وخلع عن نفسه ثوب المدينة ، وسكب على نفسه من البيزة والسميت ما يأتلف وحقلا يحصد ، أو بقرة تحلب أو ساقية ترن رنين الثكلى في جو صامت لا مسعد فيه ولا مجيب . وكان قد تقدمت به السن . فقلت : صحة وعافية تحمد الله وتحمده عليها

قال : وأحمد الله أن هداني فتعلمت كيف أشيخ قلت : وهل يتعلم الإنسان كيف يشيخ؟ قال : نعم ، ويتعلم كيف يموت كذلك . قلت : وماذا في الشيخوخة من علم لا ينال إلا بالتعلم والتحصيل ، وكل ما فيها محصل لك غصبا ففيها التعطل من بعد اشتغال ، وفيها ذهاب القوة وانحناء الظهر ، وفيها فوات المتع واللذات ثم هي من بعد ذلك الدهليز الذي يؤدي بك إلى بيت في الأرض مظلم ، تبقى فيه بقاء ما حاطك

من رمال ، لا تسمع فيه خيرا ، ولا تقلب فيه جنبا ، وليلك فيه ليل ليس له صباح.

قال : نعم إن الشيوخة بعض ما قلت وقد تكون شرا مما قلت ولكن عرفان هذا قبل وقوعه ، و التأهب له ، والتدرج مع العجز إذا وقع تدرجا وهو لا يقع إلا تدرجا والتكيف للضعف إذا أمعن الضعف ، كل هذا هو ما عنبت بأن يتعلم المرء كيف يشخ.

قلت : وكيف يتهيأ للعجز إذا هو وقع ، وكيف يتكيف للضعف إذا هو أمعن

قال : يتهيأ له قبل وقوعه يتهيأ له في شبابه . وفي كهولته . بالحركة الدائمة والرياضة المستمرة حتى يتقوى هذا الهيكل الذي يراد منه أن يحتمل ثقل السنين . ويتهيأ له بشباب نظيف وكهولة ظاهرة ليس فيها إسراف . وهو يتكيف مع الضعف إذا نزل بالتعرف إليه ، وبأن يملأ منه كلتى عينيه حتى لا يكون بين المتعارفين شبهة او خداع . وفي الاعتراف بالنازلة والتسليم بها زوال اكثر المها يجب أن يتعلم الشيخ أن الضعف لابد منه ، وأن العجز من طبائع الشيخوخة ، وأنه خير له أن ينصرف عن شكواه إياه؛ والتبرم منه وإعلانه في الناس إلى الرضا به والتكيف معه ، وأن يتعلم أن لا يطلب من الأمور مثل الذي كان يطلبه في شبابه ، فلا يطلب من الطعام وسائر اللذائد ما كان يطلبه والمعدة صفيقة سميكة تتلوي في قوة تلوي الأفعى . والعصب مديد شديد إذا ضرب رن كما يرن وتر العود وهو جديد

قلت تعني أن المرء يتعلم  الشيخوخة لينصاع لها ، ويتعلم أن اللذة ذاهبة فلا يطلبها.

قال : صغ ما فهمت مني كيف تريد ولكن اعلم أن الريح العاتية تقصف الشجر الذي لا ينصاع ، ومع هذا ينجو بنفسه عتوها العشب القصير الذي تتعلم كيف يميل وكيف ينحي ولا تحبين أنها ا نحناءة لا ألم فيها ، ولكن شتان بين ألمها وألم القصف شتان بين انحناءة

اللحم طوعا ، وانحناءة العظم غصبا . ونعم يتعلم أن اللذة ذاهبة فلا يطلبها . وبالذة إنما قصدت إلى لذة مصدرها ما في إهاب الإنسان من حيوان . إن لذة الشباب تقوم على أساسين ، وتنهض على رجلين . لذة الطعام ومتعة النساء أما لذة الطعام فيبلى جدتها تكرارها الدائم. فليتعلم الشيخ أن يزهد في الشيء إذا شبع منه ، لا سيما إذا هو شبع مرارا وتكرارا . وليس معني هذا أن يمتنع عن طعام كان يستطيبه ، ولكن معناه ان يأخذ منه بمقدار حاجة الجسم المتداعي ، وهي حاجة قليلة وليتعلم أن أكبر لذة لطعام إنما تكون في لقمته الأولى ، أو فيها وفي الثانية ، أو في اللقمات المعدودة الأولى ، ثم يقل حس اللسان بها. وعندها يجري الطعام في الحلق كما يجري الماء في البالوعة وهي من رصاص ليتعلم الشيخ إذن أن يطلب لذة تلك اللقمات الأوليات وهو يعلم أنه إنما طلب الزيدة من مخيض العيش ، وأن لعقة الزبدة خير من كبوب مخيض

وسكت صاحبي كأنما فاته أن يستتم، فقلت : وما متعة النساء ؟

قال : أما متعة النساء فمتعة لا يطلبها جسم الشيخ بطبعه ، وعلى طوعه، إلا إذا هو حرك إليها اصطناعا وليس في ضياعها غرم، بل فيه تحرر من صفة حيوانية مادية لها خطرها في حينها . وليست هي بالمتعه الخالصة ، بل كثيرا ما عملت شقاه في ثناياها . وهي دائما تغمر عقل الشاب ، وقد تثقل به وتحط منه فلا يرتفع إلى ماهو أسمي وأرفع . وما كان له أن يرتفع والشباب الفوار قائم يؤدي وظيفته في إسكان هذه الأرض ، وتعمير خرابها وزرع ببابها ، حتى إذا قضي من ذلك وطرا قالت له الطبيعة أحسنت ، ثم هي تغلق عليه الباب رويدا رويدا ، ولكنها تفتح له باب الروح وهو أروح وأفسح تفتح عليه متع العقول من بعد متع الأجسام . فبينا يكون الجسم في هبوط يكون العقل في صعود إنهما بدءا في ارتفاع معا أو كما يقول الرياضيون : إن خطاهما يذهبان

صعدا في الرسم البياني ، ولكن الأجسام تبتدي خطوطها تنحني بينا خطوط العقول تظل في صعود ، ثم تعود تنحني هذه أيضا ولتكن بعد حين . فالفترة التي بين الانحناءتين هي فترة تسود فيها المتعة العقلية أكبر سؤدد ، وهو سؤدد تعززه التجارب الواسعة الماضية ، والبصر الشامل الوسيع وهي متعة الذ ما فيها هضم ما كان ، كما تجتر البقرة بعد امتلائها ، ولا أحسب إلا أنها تجد اللذة عند اجترارها أكثر منها وهي تعيب الطعام عيبا . وهي متعة يتناول فيها العقل هذا العيش في أصوله ، تلك الأصول التي خفيت في زحمة الحياة ، كما تخفي أصول الزرع والزرع مزدحم على الأرض كثيف إن عقل الشاب قلما يتريث ليتساءل من أين كان المجيء ولا إلي أين المنتهي . ولكن العقل في الشيخوخة ، وقد تخفف من مطالب هذا الجسم وتخفف من واجباته ، يجد الفراغ ليتساءل ويتفقه ، وهو قد لا ينتهي إلي شئ ، ولكن اللذة تكون في هذا التساؤل وفي هذا النفقه وهو دائما صائر إلى شئ رضي مبهم ما ألقى حبل السجية على غاربه

قلت : ولكنا نري كثيرا من الشيوخ لا يزيدهم الفكر إلا مرارة من الحياة ، وإلا نقمة علي من لا يزالون تشغلهم مطالبها .

قال : إن الشيخ الذي يريده الفكر مرارة من الحياة ، ونقمة علي شبانها ، شيخ لم يتعلم كيف يشيخ ، أو هو تعلم ولم يحسن تعلما إن الشيخ الذي ينقم على العيش بعد فواته ، شيخ لا يزال يفكر بعقل الشاب ، ولا زال يطلب مطلب الشباب . هو شيخ انحنى خط عقله عندما انحنى خط جسمه فلم يمض صعدا كما تمضي العقول في الشيخوخة علي سجاياها . هو شيخ يحسد علي المتعة أهلها وهم في إبانهم ، وقد فاته هو إبانه . إن من علائم الشيخ الذي تعلم كيف يشيخ عطفه على الشباب ، ورفقه بالشباب ، وإحياؤة ذكري شبابه بالنظر إلي شبابهم . والمفارحة والمواساة في أفراحهم ومآسيهم عطفا على مفارحه

هو ومآسيه في ذلك العصر الحبيب الذاهب الذي لن يعود إن الشيخ كقائد الفرقة في الزمان الأول ، قادها في الوعر وسبقها إليه ، فإذا بلغ قمة الجبل بعد الجهد ألقي بصره في هبوط يملأ عينيه من هذا الصف الطويل الذي امتد وراءه إلى أقصى الوادي . ويملأهما مستعطفا مسترحما ، لا ناقما نكدا

قلت : والشيخ إذا اعتزل تعطل والفراغ من بعد امتلاء يورث الكرب والسآمة.

قال : وما للشيخ أن يتعطل أفتجدني في هذا الوجه متعطلا وقد قاربت السبعين . إني لا أقوي على الحركة الكثيرة ولكن الأعمال صنفان : صنف يحتاج إلى الحركة الكثيرة والفكر القليل ، وصنف يحتاج إلى الحركة القليلة والفكر الكثير فهذا الأخير أقمن ما يكون بالشيخ ، والشيخ ثروة للبيئة التي هو فيها ، وهو خزانة للتجارب ، أي علم كان علمه ، أو حرفة كانت حرفته إن الناس تعتز بالكتب لأنها خزانة عرفان . ولكنها خزانة ميتة. أما الشيخ فخزانة عرفان حية ناطقة فهي لها في المجتمع الصالح وظيفة تؤديها.

قلت : علي حساب الشباب قال : على حساب الشباب ، وبإثارة غضب الشباب ، في المجتمع غير الصالح الذي لا يعرف كيف يضع الأشياء في مواضعها إن للشباب في كل مجتمع عمله ، وللشيخوخة عملها هؤلاء اليد في الحركة ، وهؤلاء الفكر في الجمجمة. إن الخصومة بين الشباب والشيوخ لا تكون إلا في مجتمع غير متزن ، مجتمع لم يتسلم شيوخه كيف يشيخون ففقدوا عطفهم على الشباب ، وجمدوا على الزمن ونسوا أن زمانهم الاول اختلفت مطالبه عن مطالب أسلافهم ، أو هي خصومة تكون في مجتمع نسي شبابه في غيابهم أنهم إلى الشيخوخة صائرون .

قلت والشيخوخة سبيل الناس إلى المقابر

قال : وماذا في هذا . ماذا في ترك عيش خيرت حلوه ومره ولم يبق فيه ما تخبر . ماذا في ترك عيش جئناء ولم ندر لم جئناه ، وله غاية حتما ولكنا لا ندري من كنهها شيئا والشيخ يتحرق لكشف هذا الكنه ، وهو لا يكشفه إلا تحت اغطية هذه المقابر وغير هذا : أبي وأمي ، وإخوتي ، والصفوة الذاهبة من أحبابي وخلاني ، لا سبيل لي إليهم ، ولا إلي بل الشوق منهم إلا بدخول هذه المقابر فلعلنا في ظلال الجنة ، والشمل مجتمع ، نستأنف طعاما قطمناه تحت سقف هذا البيت ؛ أو لعلنا على ضفاف الكوثر نستتم حديثا قطعناه على ضفاف هذا النيل .

وهنا أطرق الشيخ كأنما خنقته الذكرى . ذكرت كل هذا ، او شبها من هذا ، على مائدة ذاك الصباح وفرغ الفنجان فملأته ، ثم ملأته والجريدة وجدتها لا تزال مبسوطة نصب عيني ، والخطوط السوداء السميكة الناعية الناعية وجدتها علي ظهر الجريدة لا تزال ملء بصري .

وقمت عن المائدة أترحم على هذا الشيخ الكريم ، راجيا أن يكون قد لقي من أحب من الأهل والأصحاب ، فاستأنف بينهم طعاما مقطوعا وحديثا مؤجلا

اشترك في نشرتنا البريدية