الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 672الرجوع إلى "الثقافة"

شيوخ من الأزهر، في خدمة حركة الترجمة في عصر محمد على

Share

كانت الطائفة الأولى التي تولت الترجمة في عصر محمد على هي طائفة السوريين ، ولم يكن أفراد هذه الطائفة علي على واسع متين باللغات التى يترجمون عنها أو باللغة العربية ، وذلك لأن معرفتهم بهذه اللغة كانت معرفة ممارسة لا معرفة دراسة ، ولأنهم كانوا جميعا مسيحيين . فلم يقوم القرآن لسانهم أو أسلوبهم .

ولما كانت حكومة محمد على تري أن هذه الكتب للترجمة هي صفحة جديدة في نهضة علمية جديدة ، سينسبها التاريخ إلى صاحب هذه النهضة ، فقد فكرت في الطريقة التي تقوم بها ما اعوج من أسلوب هؤلاء السوريين . وهداها تفكيرها إلى اختيار جماعة من شيوخ الأزهر ليتولوا مراجمة هذه الكتب بعد ترجمتها ويصححوا ما بها من أخطاء ، ويقوموا ما بأسلوبها من اعوجاج .

وقد كان من تقليد ذلك العصر أن يترك للشيخ المحرر أو المصحح كتابة مقدمة الكتاب المترجم وخاتمته ، واختيار عنوان عربي جديد له ، واعتاد هؤلاء ، الشيوخ - متأثرين بالكتب القديمة التي قرأوها - أن يلزموا السجع في اختيار العنوان ، وعند كتابة المقدمة والخاتمة ، وقد كان لهذه الطريقة في اختيار العنوان عيبها ، وفي كتابة المقدمة والخاتمة فائدتها ، وذلك أنهم بعدوا بالعنوان المسجوع عن العنوان الأصلي للكتاب بعدا كبيرا ، فإذا حاول الباحث إرجاع هذه الكتب إلي أصولها لمعرفة عناوينها الأجنبية عز عليه ذلك ، بل واستحال ، فكيف يمكن تحقيق الأسماء الأصلية لكتب هذه عناوينها : " نزهة الأنام في التشريح العام " أو " منتهي الأغراض في علم الأمراض " أو " رضاب الغانيات في حساب المثلثات " أو " منتهي البراح في علم الجراح " . . الخ .

أما المقدمات والخاتمات فهي ذات فوائد جمة ، فقد اعتاد كل شيخ أن يذكر في مقدمة كل كتاب يراجعه كلمة عن فضل " ولي النعم - أي محمد علي باشا في إحياء النهضة العلمية الحديثة ، ثم يشير إلى جهود ناظر المدرسة التي ترجم فيها هذا الكتاب ، مع مبالغة ملحوظة في مدحه والثناء عليه وعلى جهوده وعلمه ؛ فكلوت بك في نظر الشيخ محمد عمر التونسي هو " أبقراط زمانه ، وأفلاطون اقرانه . أمهر من قال أنا طبيب ، من يكاد الداء إذا رآه بدون معالجة يطيب " والشيخ مصطفى حسن كساب يصف " المسيو امون " ناظر مدرسة الطب البيطري بأنه " الطبيب النجيب ، اللوذعي اللبيب ، ذو اللطائف والفنون ، الحاذق الماهر آمون وهكذا

فإذا انتهي الشيخ من هذا التقريظ ذكر اسم المترجم مثنيا على نبوغه ومقدرته وقد يذكر السبب الدافع لترجمة الكتاب أو الشخص الموحي بترجمته وقد يشير أخيرا إلى الطريقة التي اتبعت في ترجمته

وفي خاتمة الكتاب كان يشير الشيخ إلي أن الكتاب قد " تم على يد مصحح مسائله . ومنقح دلائله أو أنه " كمل حسب الطاقة تصحيحا ، وتم تهذيبا وتنقيحا " أو أنه هذب عباراته ومبانيه ، وحرر بعد السؤال معانيه وبذل فيه غاية المجهود ، ونظمه نظم اللالئ في العقود . . " أو أنه روجع " على يد مصحح كمله عند الترجمة ، محرر جمله لدي القراءة والمقابلة . مفرغه في قالب التصانيف الأولية صائغه على تمثال التآليف العربية ، مؤاخيه حال القراءة " والجمع ، موافيه عند التمثيل والطبع ، مقفور المساوي ، محمد الهراوي الخ . .

فإذا انتهى الشيخ من مدح نفسه والثناء على مجهوده ،

ذكر اسم الكتاب ، ونص على أنه هو الذي اختاره . ثم أشار إلي تاريخ الانتهاء من الترجمة ، وتاريخ الانتهاء من طبعه ، وكان بعض المشايخ يؤرخ لكتابه بأبيات من الشعر - كتقليد العصر ، ثم يذكر في هذه الأبيات أحيانا عدد النسخ التي طبعت من الكتاب . وقد كان المعتاد أن يطبع من كل كتاب ألف نسخة ؛ وفي النهاية كان يشير الشيخ إلي المطبعة التي طبع بها الكتاب .

من هذا كله يتضح أن هذه المقدمات والخاتمات هي في الواقع وثائق هامة جدا لتاريخ الحركة الفكرية في ذلك العصر . فمنها يستطيع الباحث أن يعرف الشيء الكثير عن الكتب وترجمتها ومصححها ، وطريقة الترجمة والمراجعة والتصحيح ، وعدد الطبعات ، وسني الطبع ، وأغراض الترجمة ، وموجهيها .

والشئ الوحيد الذي كان يغفله الشيوخ - رغم أهميته - هو أسماء المؤلفين ، فقلما كانوا يشيرون إلى هذه الأسماء ، ولم يحدث هذا إلا في الكتب التي وضعها مدرسو المدارس ، أو في الكتب التي ترجمت في مدرسة الألسن وألفها رجال عظام ، أمثال : " فولنير أو " روبرتسون " الخ . وكانت هذه الأسماء تكتب بحروف عربية ، ولم يحدث أبدا أن كتبت بحروف لاتينية ، مع وجود هذه الحروف في مطبعة بولاق منذ إنشائها ، بدليل استعمالها في طبع القاموس الإيطالي العربي الذي وضعه الأب رقابيل زاخور راهبة .

وقد انتفي هذا التقليد في الكتب التي ترجمها خريجو الألسن ، فأصبح المترجمون يكتبون المقدمات والخاتمات بأنفسهم ، غير أن الشئ الوحيد الذي كان يعاني منه الشيوخ المحررون كثيرا ، ثم عاني منه خريجو الألسن أيضا - وهم يتبعون طريقتهم - هو السجعات التي تتفق وأسماءهم ، فكانوا يتحايلون على هذه الأسماء تقديما وتأخيرا ، وتبديلا وتغييرا ، حتى تتفق أخيرا مع ما يكمل السجعة ؛ وفيا بل أمثلة طريفة لما كان يبذله هؤلاء الشيوخ من جهد لنظم أسمائهم في سجعات مختلفة :

فالشيخ إبراهيم الدسوقي يعاني من لقبه ، وأخيرا يوفق إلي انه المتوسل إلى الله بالقلب الحقيقي إبراهيم عبد الغفار الدسوقي ثم لا تعجبه هذه السجعة ، فيبدل من وضع

أجزاء اسمه . وينتهي إلى أنه " راجي غفر الأوزار أو أسير الأوزار - إبراهيم الدسوقي عبد الغفار " أما الشيخ التونسي فهو دائما " المتوكل على عفو المنان ، محمد التونسي بن سليمان ، فإذا سئمها فهو " مصحح كتب الطب الآن ، محمد التونسي بن سليمان ، أما الشيخ محمد الهراوي فكانت مهمته سهلة ، لأنه دائما " مغفور المساوي ، محمد الهراوي " ؛ وكذلك الشيخ مصطفى كساب فهو دائما " المفتقر إلى رحمة ربه الوهاب - أو راجي حسن المآب - الشيخ مصطفى حسن كساب " .

وقد حذا حذو المشايخ فيما بعد خريجو مدرسة الألسن ، فالتزموا - مثلهم - السجع في مقدمات كتبهم ، ولهذا عانوا مثلما عانى الشيوخ ورأينا في كتبهم أمثال هذه السجعات : " راجي رحمة ربه على الدوام ، الفقير إلى الله سعد نعام وراجي رحمة الملك الودود ، عبده خليفة محمود و" راجي رحمة ربه المتعال السيد عمارة بن عبد العال وأخيرا أستاذهم المؤيد برعاية الملك المبدي ، السيد رفاعة بدوي ، أو " الراجي فضله الواسع ، رفاعة بدوي رافع الخ . الخ

وقد حاول جورجي زيدان أن يصنف هؤلاء الشيوخ إلى محررين ومصححين ، وذكر أن التحرير في الأصل هو الإصلاح والتقويم ، فيقولون : حرر الكتاب أي قومه وحسين وخلصه بإقامة حروفه . وإصلاح سقطه . والمحرر الذي يقوم بذلك " أما المصحح في رأيه فهو الذي يتولى تصحيح الكتاب في أثناء الطبع وذلك " لأن المحررين يشترط فيهم معرفة العلم الذي يعهد إليهم بتحريره . وفهم مصطلحاته العلمية ، وغير ذلك ، فضلا عن معرفة اللغة ؛ أما المصححون فيكفي فهم معرفة قواعد اللغة وشواردها لضبط العبارات حسب القواعد " .

والواقع أن الشيوخ الذين قاموا بمراجعة الكتب المترجمة في ذلك العصر كانوا يقومون بالعملين معا ، بل كان لهم جهد مشكور - وخاصة الشيخ التونسي - في إحياء المصطلحات العلمية العربية القديمة ، ومحاولة التوفيق بينها وبين المصطلحات الأوربية الحديثة بعد مراجعة كتب العرب في الطب والهندسة والرياضيات ؛ ولفظ المحرر لفظ

(البقية على الصفحة التالية)

حديث شاع استعماله بعد نشأة الصحافة وانتشارها ؟ أما وثائق عصر محمد علي فكانت تسميهم دائما مصححين . فإذا فرقت بينهم سمت هذا مصححا أول أو بالتصحيح ، وسمت الآخرين مصححين والشيخ الوحيد الذي أطلقت عليه كتب العصر لفظ " محرر " هو الشيخ محمد عمر التونسي

وكان المصحح يمنح في العادة حسب تقاليد العصر - رتبة اليوزباشي ، وبذلك يكون راتبه ٤٥٠ قرشا في شهر ، أو رتبة الملازم فيكون راتبه  ٣٠٠ قرش .

اشترك في نشرتنا البريدية