... ما تكاد تقطع صفحات من هذا الكتاب الجديد ، حتى تحس أنك تعيش فى جو " الأيام " وتستنشق فى هذا الجو ريح " الأيام " وأعتقد أنه بحسب كتاب ما أن يقال عنه : إنه يعيش فى جو " الأيام " كما تشعر له نفسك بالود والكرامة والارتياح .
كثير من الوجوه التى التلقيت بها هناك تلتقى بها هنا - مع فارق واحد - أنها ربما كانت هنالك تعيش على هامش القصة . وهي هنا تعيش فى الصميم . و " شجرة البؤس " قد سبقت " الأيام " فى الزمن حينا وعاصرتها حينا آخر . فذلك الاختلاف وهذا الازدواج هما اللذان يجعلان بعض الوجوه ترد فى الهامش مرة وفى الصميم مرة ... ثم يزيد فى " شجرة البؤس " وجوه أخرى جديدة بسبب هذه الملابسات أيضا .
" هذه صور للحياة فى إقليم من أقاليم مصر آخر القرن الماضى وأول هذا القرن نقلتها من صدرى إلى القرطاس " والحق أن هذا النقل كان أمينا ، وكان بارعا ... فأنا أمثل الآن فى هدوء وعلى مهل صورة هذه الحياة . وألتقى بوجوه كأننى أعرفها وكأننى لقيتها فعلا . وإن تكن عاشت فى الحياة قبل مولدى بأعوام .
أعرف الآن هذه الشخصيات التى تعيش وسطا بين حياة الريف وحياة المدينة . هذه الشخصيات الطبية المؤمنة ؛ ترد أمر حياتها كله لله ، وللقدر الخفى الذى يصرف أقدار الناس . ثم لهذا " الشيخ " - شيخ الطريق - الذى يصلهم بالله والسماء . والذى ينطق بلسان القدر الخفى . والذى يتلقون ما ينطق به بالرضى والتسليم فى الغالب . وبالسخط مع الاستسلام فى النهاية ! أليس القدر من عند الله ؟
وماذا يملك العبد - إزاء الرب الواحد القهار !؟
ويضطرب هؤلاء الناس الطيبون ما يضطربون فى الأرض : يكسبون رزقهم ووسائلهم التقليدية الهينة ، ويلبون داعى الغرائر والبطون ، وداعى المجتمع والتقاليد ، وداعى القلب والروح ، وينجحون او يخففون ، ويسعدون أو يتألمون ويرضون أو يسخطون ، ثم يفيقون من هذا كله إلى ذلك الإيمان التقليدى العميق . وإلى ذلك " الشيخ " الذى يصلهم بالله والسماء والذي ينطق بلسان القدر الخفى . والذى يستسلمون لله والقدر حين يستسلمون لأوامره ونواهيه ، ويطبعون إشاراته وتلميحاته ؟ ويجتهدون فى تأويل ما خفى عليهم منها كما يجتهدون فى تأويل الغيب العميق ! تلك صورة من حياة طواها الزمن - فلا رجعة لها فى أغلب الظن - وهى صورة تستحق التسجيل وقد تولى تسجيلها أنسب الأقلام لتسجيلها بين المعاصرين .
وبيان ذلك فيما ذكرته قبل عام عن " مدرسة الدكتور طه حسين " ... لقد قلت يومذاك " نستطيع أن نطلق على مدرسة الدكتور طه حسين اسم " مدرسة الأسلوب التصويرى " . فالدكتور فى خير حالاته يرسم لوحات متتابعة ، أدواته فيها الكلمات والجمل . لوحات المناظر ، وللحوادث ، والمعانى ، وللمخطرات النفسية ، والالتفاقات الذهنية على السواء وتلك مزيتة الكبرى كصاحب شخصية أدبية .
" بقى أن نعرف شيئا عن نوع هذا التصوير في مدرسة طه حسين . فهو التصوير الحسى الذى يرد المعالى والخواطر صورا حسية أو كالحسية - بله المناظر والحوادث فهذه يعيدها كما بدأت أول مرة ، توشك ان تكون مجسمة .
" وهو يخلع على هذه الصورة الحسية لونا من ألوان الحياة والحركة . ولكنها الحياة اللطيفة والحركة الوثيدة التى تدب على هيئة ، وتخطر فى رفق . فالسرعة النابضة والحيوية الدافقة ليستا من مطالب هذه الصور فى يوم من الأيام ."
الحياة اللطيفة ، والحركة الوثيدة ، التى تدب على هيئة وتخطر فى رفق ... هذه مميزات أسلوب الدكتور طه حسين ، وهى نفسها مشخصات هذه الفترة من الحياة التى يتولى تسجيلها فى " شجرة البؤس " فهو توافق عجيب بين لمسات الريشة وطبيعة المنظر ، وبين الصورة كذلك والمصور . وتلك الشخصيات التى يتولى تصويرها إما تسبح فى رقعة فسيحة من الزمن وآماد طويلة من الأجل فى محيط الحياة كما تسبح المعانى المبسوطة والخلجات الوثيدة فى رقعة فسيحة من الالفاظ وآماد طويلة من الصحائف فى أسلوب المؤلف سواء بسواء .
وفى غير هذا المجال ربما استبطأ القارىء حركة الأسلوب ، وربما عن له في بعض المواقف أن يطلب من المؤلف الإسراع ! ولكنه هنا لا يستبطئ ولا يطلب السرعة فرقعة الحياة هنا فسيحة والخلجات فيها وثيدة ، وكل المطامع والمطامح وكل الأعمال والشواغل هينة لينة قليلة محدودة . فلا داعي للسرعة ، ولا ضرورة للعجلة .
" فالله قد خلق الدنيا فى ستة أيام كما يقولون " ! ذلك اتفاق .. وإنه لتوفيق !
قلت : إنك لا تلبث أن تحس بعد أن تقطع صفحات من هذا الكتاب الجديد ، انك تعيش فى جو " الأيام " . وهذا صحيح فى عمومه . ولكن هناك فارقا بين هذا وذاك إن الأسلوب فى " الأيام " يمضى سهلا هينا ساذجا - تلك السذاجة الحلوة فى بعض الأحيان - أما الاسلوب هنا فقد كان المؤلف الكبير أكثر عناية به ؛ وأكثر تجويدا له ، فاقترب به كثيرا من تلك الأساليب الفخمة الضخمة التى نقرؤها له فى كتابه القيم " على هامش السيرة " .
وقد يعجب هذا التجويد البارع عشاق الأساليب . أما أنا فلا أتردد في تفضيل الأسلوب الهين اللين الساذج - تلك السذاجة الحلوة أحيانا - كما كان فى " الأيام " . فهذه الحياة التى يصورها إنما هى حياة هادئة وادعة ، وهذه
الشخصيات التى يرسمها إنما هى شخصيات بسيطة ساذجة وقد كان جو الاسلوب في الأيام " موافقا لها منسجما معها . أما الأسلوب هنا فهو عال عنها مفترق منها . وليس من السهل أن يدور حوار بين هذه الشخصيات فيشبه فى مستواه حوارا يدور بين شخصيات " هامش السيرة " في غابر الأيام "
وطبيعي أننا لا ننتظر من أديب كالدكتور طه حسين أن يثبت الحوار بلغته الطبيعية بين هؤلاء ، الناس السذج القرويين . ولكن من حقنا أن ننتظر منه أن ينقل حوارهم من لغتهم إلى لغة عربية تناسبهم ، وبذلك يكتمل الجو الذى تعيش فيه القصة ويتم الانسجام .
وقد أفلتت من الدكتور بعض التعبيرات الساذجة فى مواضعها المناسبة فكانت جميلة . كما كانت مليئة بالحياة . استمع إليه يتحدث عن " سليم " احد شخصيات القصة الظرفاء ، هل رجل يحب الحياة الطبيعية التى كان يحياها آباؤه وأجداده ، ثم هو يرى أخاه " خالد " - الذى كان مثله بالأمس - يجد فى الحياة المدنية الجديدة ويتكلف لها ما يتكلفه المدنيون ، فلا يعجبه هذا ولا يرضيه ، فهو يسخر من أخيه هذا ومن زوجته وأولاده ؛ ولا يفتأ يذكرهم بمنشئهم كلما زارهم فى المدينة ورآهم يتكلفون ما يتكلفون :
" وكان سليم أسرعهم إلى الضحك وأبطأهم فى الرجوع إلى الجد ، لا يسخر من الأسرة وحدها . وإنما يسخر من أي إنسان آخر ، وكان أشد الأشياء إثارة للغيظ فى نفسه أن يرى الأسرة تعاف الماء الكدر ، وتحرص على أن تروقه فى الزير ؛ وتقطره فى هذه الآنية تضمها تحت الأزيار وتضع فوقها المصفاة . كان يرى ذلك فيغتاظ ويهتاج ، ويلتفت إلى أخيه وإلى أبناء أخيه وهو يصيح فى صوته المرتفع المضحك : آه يا أولاد الكلب من أين ! جاءكم هذا العز ؟ إنكم لتحرمون أنفسكم خيرا كثيرا .
إنكم حين تشربون هذا الماء المصفى أشبه الناس بالذين يشربون اللبن بعد أن استخرج منه الزبدة ، ثم يسرع إلى الكوز فيغمسه في الزير . ويعب فيه عبا شديدا ويقول : هكذا رأينا ! آباءنا يشربون ، لأنهم لم يكونوا من الترك ولا من الأرنؤوط "
... وهكذا ارتسمت للقارئ لمحة من هذه الشخصية بألوانها الطبيعية وبلغتها كذلك مترجمة إلى لغة مكافئة . فتم الانسجام .
فإلى القارئ الآن نموذجا آخر لحوار لم يتم فيه التكافؤ ليرى الفرق بين هنا وهناك : اسليم هذا نفسه زوجة فى مثل ثقافته بل أقل ؛ وهى ترى أن أخاه " خالد " يهم بالزواج بامرأة اخرى بعد أن أصبيت زوجته الأولى بالجنون . تلك التى كان الشيخ " قد زوج منها وهى دميمة قبيحة شوهاء فرضى واستسلم لأمر الشيخ على الرغم من إرادة أمه التى كانت تعارض فى هذا الزواج وتراه غرسا لشجرة البؤس في الدار ، ثم سخط وتألم . ثم استحالت حياته جحيما . وهو على ذلك مستسلم مسلم ، ثم هم أن يتزوج بأخرى هى أم أولاده الذين ورد ذكرهم فى الفقرة السابقة ، ومن هنا دار الحوار بين سليم وزوجته حول هذا العزم الأخير :
" قال سليم : فإنك تعلمين أن نفيسة لا تصلح له زوجا ولا تقدر على عشرة الرجال ، فما ذنب خالد إن اعترف بالحق الواقع ! وهل ترين له أن يعيش مع مجنونة أو أن يفرض على نفسه حياة الرهبان ؟ قالت لا أدرى ! ولكن جنون نفيسة لم يأتها من قبل نفسها ؛ وإنما جاءها من هذا الزواج الذي لم ترده ، ومن هذه الظروف التى لم تخلقها ورحم الله أم خالد إذ قالت لزوجها : إنه إن أتم هذا الزواج فلن يزيد على أن يغرس فى داره شجرة البؤس . لقد غرست شجرة البؤس ، فنمت وآتت ثمرها بشعا خبيثا ، امرأة ترزأ فى زوجها وابنتها معا ، ثم ترى ابنتها وقد اصطلح عليها المرض وهجر الزوج والحرمان . فأنت تعلم أن نفيسة ليست ميسرا عليها فى الرزق ولست ألوم
أحدا . ولكنها فقدت ثروة أبيها ، وتفرقت ثروة على فى أسرته الضخمة ، وخالد لا يرزقها إلا كما يستطيع . ثم لم يكفها هذا كله فقد رزقها هذا الزواج السعيد صبيتين كان من حقهما أن تنشآ في النعمة فهما تنشآن في البؤس بين أم مريضة وجدة محزونة ، ومولاة سوداء تقوم من أمرهما ما تستطيع القيام به ، وأب ينفق الأيام ، وقد ينفق الأسبوع دون أن يراهما ... كل هذا لا يكفي . فلا يد من أن يتزوج خالد ، ومن أن يتخذ لأمهما ضرة ، ومن أن يكون له من هذه الضرة بنون وبنات يشاركونهما في حب أبيهما وبره ... "
فهذه الفخامة كلها فى أسلوب امرأة عامية ، وهذا الاقتباس من الأساليب العربية القديمة ، أمر قد تختلف فى شأنه مع الدكتور ! . ثم تبقى ملاحظة أخيرة لإبرازها شأن كبير :
إن الفوارق بين ملامح هذه الشخصيات البسيطة الساذجة فوارق قليلة ودقيقة . فكلهم طيب ، وكلهم مؤمن بالله ، مستسلم للقدر . مستسلم للشيخ الذى يصلهم بالله وينطق بلسان القدر . وكلهم آفاقهم قريبة وكلهم مطامحهم محدودة ... من شأن هذا كله أن يزيد فى عبء المؤلف الذى يريد أن أن يرسم ملاحهم المتشابهة ، وبيرز شخصياتهم المتبابنة . فماذا صنع الدكتور ؟
لقد استطاع أن يرسم هذه الصور المتشابهة فى دقة غريبة . فظهروا على المسرح شخوصا آدمية متميزة لا نسخا مكرورة معادة ، ظهروا وكل منهم يحمل طابعه ، ويلبس ثوبه ، ويلتقي مع الآخرين فى الصفات العامة ، ثم يفترق عنهم فى الملامح المميزة ... وكانت لمسات الريشة البارعة الدقيقة كفيلة بهذا كله فى يسر وسهولة حتى لكأنه جهد يسير .
تلك فى الحقيقة هى سمة الأديب " الكبير " التي ترفع العمل الفنى على الرغم مما قد يكون فيه من مآخذ العرض ومن مواضع التقصير .
