الأستاذ على أدهم من كتابنا القلائل الذين يحتفلون بما يكتبون ، ويهيئون له ، ويتحرجون من النقصي الناقص والحكم الزنجل ، ويدققون فيما يأخذون وما يدعون .
وطبيعة الأبحاث التي يتجه إليها - وهي في الغالب التحقيقات التاريخية والاجتماعية ، والبحوث الفلسفية والفكرية تجعل لهذه الخصائص قيمه خاصة ، فهي في حاجة ماسة إليها ، ليطمئن إيها القارئ ، ويشعر لها بالثقة الواجبة .
وقد انشأ الأستاذ على أدهم حول هذه الاتجاهات عشرات من المقالات نشرت في شتى الصحف والمجلات ؟ وثلاثة كتب ؛ صقر قريش ( هدية المقتطاف بام ١٩٣٨ ) ، والمذاهب السياسية المعاصرة ( في سلسلة اقرأ ) ، وتلاقي الاكفاء ، في هذا العام (1) .
وفي هذه الكتب والمقالات تتجلى تلك الخصائص التي ذكرناها آنفا ، كما نتجلي خصائص أخري ، من الخبرة بالنفس الإنسانية ، والفطنة إلى دوافع الحياة الأصيلة ، والاستعداد لتلقى النماذج البشرية كما خرجت من يد الطبيعة .
ولقد كان من حق هذه المزايا مجتمعة أن تنال من الإقبال والاستقبال أكبر مما لاقت حتي الآن ، فالأستاذ أدهم بالقياس لي جهده مغموط مغمور . ولقد دفعتنى هذه الظاهرة إلي الفحص عن الأسباب الكامنة التي تعوق بعض ما كان من الحق أن يكون .
قد تكون طبيعة هذه البحوث والموضوعات التي يطرفها الأستاذ أدهم من الدقة والدسامة بحيث لا يحسن استقبالها إلا أولئك الذين تؤهلهم ثقافتهم وطبيعة اتجاههم لمثل هذه البحوث .
ولكنني ألمس عدا هذا سببا آخر . ذلك أن ملكة
الاختيار والتنسيق في هذه الدراسات لا تبرز كما تبرز ملكة الفحص والنقص . وأنها في حاجة إلي مزيد من اللمسات القوية المباشرة التي تعمد قوة إلى جوهر الموضوع وروحه ، وكأنها تهتدي إليه بالبداهة أو بحاسة خفية لا تتعثر ولا تتلعثم ، بحيث لا يغرق الخير الدال ، والحادثة المعبرة ، والكلمة الموحية في أشتات من الأخبار والحوادث والكلمات الثانوية في الموضوع ، فوق ما يزحم الحيز المحدود من مادة تكفي لأضعافه ، فحرص المؤلف على ذكر جميع الحقائق والوقائع أو أكبر عدد منها في الحيز الذي يملكه ، يكتظ هذا الحيز ، ويجعل القارئ - في بعض الأحيان يصل مجهودا مكدودا إلي زبدة الموضوع ، وخلاصته المطلوبة .
وملاقاة هذا لا تكلف المؤلف إلا أن يستغني عن بعض الحوادث والوقائع الثانوية ، وأن يكتفى بالرئيسي منها مادام الحيز لا يحتمل سواها ، وأن يعني بإبراز هذه الرئيسيات ، وملء الفراغ بها ، وترك فراغ وبين السطور يدع عملا للأحاسيس الفنية ، فيتهيأ للقاريء نتاج شهي مشوق مزود بخصائص المؤلف الطيبة التي تحدثنا عنها في أول المقال .
ولسنا نعطى الأستاذ أدهم أكثر من حقه حين نقول : إن من خصائصه الاحتفال والتحرج والدقة ، وأن من مزاياه الخيرة بالنفس الإنسانية ، والفطنة إلي دوافع الحياة الأصيلة ، والاستعداد لتلقى النماذج البشرية ، كما خرجت من يد الطبيعة ، كما أننا لا نسلبه شيئا من حقه حين نقول : إن ملكة الاختيار والتنسيق لا تبرز عنده بروز ملكة الفحص والنقصى ، وأن اللمسات القوية المباشرة قليلة نسبيا في دراساته .
فأما الاحتفال والتحرج والدقة فخصائص عامة شائعة في جميع فصوله والاستشهاد عليها يزحم فراغ هذا المقال ، فيستطيع القارئ ، أن يقرأ عنها هنا وأن يحققها هناك ! وأما الفطنة لدوافع الحياة والخبرة بالنفس الإنسانية ، والاستعداد لتلقي النماذج البشرية ، فيجد خيوطا منها واضحة فيما تنقله إليه من فقرات .
ونقرأ في مقدمة كتابه " تلاقي الأكفاء " قوله : " فصول هذا الكتاب لمحات تاريخية - أرجو أن تكون كاشفة موحية ، وصور جلية لبعض العلية النادرين من رجال الأقدار وأقدار التاريخ ، الذين جازوا بهذه الحياة - وادي العبرات كما سماها بعض القدماء - متغلبين على صعابها ، مستعلين على ضروراتها ، وتبوءوا من التاريخ موضعا ملحوظا ، واستأثروا منه بصفحات حافلات . ولم يكن هي أن أستقصى جملة أخبارهم : وأستوعب شتي أحوالهم ومنازعهم ، وإنما حاولت أن أجلو طرافة شخصياتهم بطريقتين : إحداهما أن أتخير بعض المواقف الخاصة البارزة في حياتهم ، وطائفة من الحوادث المميتة التي انتابتهم ، وأظهرت مدخر قوتهم ، وكامن ملكاتهم والطريقة الثانية : توضيح أثر احتكاكهم بشخصيات أخري تماثلهم في الاقتدار والفحولة ، وتساميهم في الإناقة والسموق ، وتخالفهم في طبيعة الملكات والمواهب ، ولون المزاج ، وطريقة فهم الحياة ، والنظر إلي الكون .
" وإذا صح أن الأشياء تتميز بأضدادها فإني أرجح أنا نعلم أشياء كثيرة قيمة عن نابليون بتأمل علاقته برجل مثل تاليران ، وتفهم جوانب هامة من شخصية لينين بدراسة صلاته بمكسيم جوركي . ولعل موقف فردريك من فولتير يمدنا بمعلومات نقية عن نفسه وأخلاقه ، ويكشف لنا عن أساليب فردريك في السياسة وأفانينه في الدهاء . ولعلنا نفهم المنصور فهما أدق وأوفى إذا ألمنا بموقفه حيال أبي مسلم من ناحية ، وبموقفه إزاء عمه عبد الله بن على - بطل واقعة الزاب - من ناحية أخري " .
والفكرة كما ترى جيدة في اختيار مواقف هؤلاء العظماء حيال عظماء ، آخرين من لون آخر ، ومراقبة التفاعل الذي يكشف عن حقيقة عناصرهم في اللحظات الحاسمة ، وهي قائمة على الفطنة إلى النماذج البشرية ، وعلى كشف دخائل النفس الإنسانية
على أن ما يهمنا هو تلك اللفتة القيمة التي جاءت في
سياق هذه المقدمة حين يقول :
" ولست من الذين يبغون من التاريخ استخراج العبر والمثلات ، أو يلتمسون فيه مضرب المثل وموضع القدرة ، والانتفاع بعبر التاريخ في رأي من الأمور المشكوك فيها ، واتخاذ العظماء قدوة من الأمور المسلية ، ولا يمكن القزم أن يكون عظيما بمجرد اطلاعه على سيرة العظماء ومحاولة محاكاتهم ، وربما يصور له الوهم أنه أصبح عظيما ، ولكن الناس سيرون منه غير ذلك "
" وخير للإنسان أن ينمي ملكاته في الحدود المقسومة لها من أن يحاول صياغتها على مثال خارجي ، وصبها في قالب غير القالب الذي فرضته عليه طبيعته . وإنما أحاول أن أستعين بالتاريخ والتراجم على توسيع آفاق النفس ، والاستكثار من التجارب ، وفهم حقائق الكون وأسرار الحياة . واستجلاء غوامض الحياة لا يلتمس في أغوار البحار وحدها ، ولا في خوافق السماء وخفايا الأرض فحسب ، وإنما في " نفس الإنسان " . ومن ثم أهمية التراجم في الأدب الحديث ، لأنها تتناول صميم الحياة ولباسها ، وتعرض صور النفس الإنسانية ، وتروي قصة أشواقها وشجونها ومساءاتها ومسراتها ، وأجل موضوع دراسة للانسان هو الإنسان نفسه ، وما أصدق الشاعر الحكيم :
وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوي العالم الأكبر " .
ففي هذه الفقرات خيوط من خبرة المؤلف بالنفس الإنسانية ، وحسن فهمه لأصالة النماذج البشرية ، ولمخالفته الأفكار الشائعة عن مزايا الدراسات التاريخية ، مع بيان مزيتها الكبرى ، وهي عرض هذه النماذج وتوسيع آفاق الحياة بها .
على أننا نميل إلي إثبات فائدة لهذه الدراسات ، وهي أن الفرد الإنساني كثيرا ما تقدح كوامن نفسه جملة أو فكرة أو نموذج بشري ، فتكشف عن قوة في نفسه مجهولة له ، وتوجهها وجهة خاصة . ولعل هذه الظاهرة هي التي حدث بعض الناس إلى القول بأن في التاريخ عبرة ينتفع بها ! ذلك ما للأستاذ أدهم ، أما الذي عليه ، من قلة
اللمسات المباشرة القوية ، فمسألة شائعة تدرك في مجموع الفصول دون الأجزاء التي يستطاع نقلها في مقال .
ولتقريب ما نريده نضرب مثلا بطريقتين في التصوير : إحداهما تلك الخطوط السريعة الحاسمة في إبراز معالم الوجه . والثانية تلك الدقة في رسم جزئيات الوجه حتى تبرز ملامحه . وكملناهما طريقة معترف بها لكننى أنا أوثر الأولى علي الثانية لبساطتها وبراعتها .
وبعد ، فإن من حق قراء الأستاذ أدهم أن نبصرهم بأمر آخر ليكونوا على بينة منه في الطريق
إنهم سيجدون في أحيان قليلة نادرة لهجة متوعرة وألفاظا متخشنة ، فلا عليهم من ذلك ! إنما الرجل قارئ مطلع على الأدب العربي القديم ، والكتب التاريخية العربية ، ولهذا تخونه حافظته ، فتدفق بعض التعبيرات وبعض الكلمات من ذلك الرصيد المخزون . فليكن لقرائه من ذلك ما يقتنونه حين يعثرون به بين الحين والحين !
ولا يفوتنا أن نشير في النهاية إلي فصلي " نابليون . وتصادم عبقريتين " في كتاب " تلاقي الأ كفاء " على أنهما خير فصول الكتاب وأكثرها طلاقة ، وأعلاها نبضا ، وأشدها حرارة . لقلة التفصيلات ، ووضوح السمات ، وهو دليل على أن ما طلبناه من المؤلف داخل في طوقه وليس عليه بغريب ، وأن مهمتنا هنا هي استشارة مقدرته ليستخدم أفضل أدواته !

