الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 287الرجوع إلى "الثقافة"

صحيفة النقد :، أعلام الاسلام، ١ - ابن العاص . . . العقاد، منصور الأندلس . . علي أدهم

Share

عمرو بن العاص :

الذين قرأوا سلسلة " العبقريات " التى أخرجها العقاد في السنتين الأخيرتين ليسوا في حاجة إلي أن تبين لهم " طريقة " المؤلف في تناول شخصية عمرو بن العاص ، فهو حلقة جديدة في هذه السلسلة الموحدة الطريقة ؛ ومع هذا فنحن نلخص لقراء هذه الصفحة معالم تلك الطريقة .

لقد عنى العقاد - وتلك طريقته في كل كتاباته عن الشخصيات - بأن يبرز سمات كل شخصية دون أن يعني باستعراض حياتها ووقائع هذه الحياة بالتفصيل ؛ وكان حسبه من الحوادث ما يوضح السمات الأساسية ، وما يرسم الخطوط الرئيسية .

ويخطئ من يفهم أن هذه الطريقة أقل عناء من الطريقة الأخرى التي تعنى بالدقائق والتفصيلات ، أو أيسر مأخذا ، أو أقل مصادر . ذلك أنها في حاجة إلى زكانة قوية ، وبصيرة نافذة تفرق لأول وهلة بين الأصل والحشو ، وتنفي بحركة واحدة جميع النوافل والزوائد ، وتخلص من ورائها إلي الزبدة واللباب في حاجة إلى اللمسات البارعة العميقة التي لاتتلمس المراكز الحساسة تلمسا ، وإنما تقصد إليها توة كأنما تهتدى إليها بحاسة خفية !

ويلاحظ القارئ لكتاب " عمرو بن العاص " قلة الحوادث ، ولكنه يلاحظ في الوقت ذاته عمق استنطاقها وبراعة الاستدلال بها ، كالقاضي الذي يكتفي في حيثيات حكمه ببعض القرأن الحاسمة ، وبقليل من الشهود الذين

تصور أقوالهم طبيعة القضية ، ويهمل ما عدا ذلك من الأقوال المكررة والقرأئن المتشابهة .

وميزة هذه الطريقة أنها تبرز الشخصية المترجمة واضحة بخطوط سريعة ، وأنها لا تزحم الطريق بالمعالم ، فحسبها منها ما يهدي السائر ، وما يدع له فسحة للتمتع بمجال الرحلة ، فإن حشد الطريق بالمعالم قد يخفى الطريق نفسه ، ويبرز المعالم المكتفلة فيه !

نحن منذ الصفحة الأولى ، بل منذ الكلمة الأولى ، مع " عمرو بن العاص " لا حشو ولا تطويل ، ولا مقدمة ولا تمهيد ، فالتمهيد هو نفسه من صميم الموضوع " نشأة عمرو " . نشأته لا لتتبعها يوما بعد يوم وحادثة في إثر حادثة ، ولكن لتعرف في أية بيئة نشأ ، ما قومه ، وما قبيلته ، وما اختصاص قبيلته . فإذا نحن عرقنا أن " بني سهم " بطن قوي من بطون قريش ، وأنه كانت إليهم الحكومة والأموال ، وأن هذه الحكومة هي حكومة الكياسة واللباقة لا حكومة القهر والنلبة ، وأنهم - مع ذلك - أهل تجارة في حاجة إلى الكباسة واللبافة ، كما هم في حاجة إلى المرونة والنظر إلي الحياة نظرة عملية ؛ إذا عرفنا ذلك كله من ذلك الفصل ، فقد استروحنا ريح عمرو بن العاص ، وشمنا مخايله ، واستشرفنا - على هدى - إلي طبيعته ومواهبه . . ومع ذلك فهذا هو الفصل الذي يعد تمهيدا !

وعلى هذه الوتيرة يأخذ المؤلف في رسم الخطوط السريعة لهذه الشخصية صفحة بعد صفحة ، وفصلا بعد فصل ؛ فإذا لجأ إلى الحوادث فإنما يلجأ إلى الحوادث ذات الدلالة الحاسمة على ما ساقها إليه من صفة أو حقيقة :

عمرو بن العاص رجل عملي يملك أعصابه في أحرج المواقف . ما الدليل ؟ حادثة حاسمة أو حوادث حاسمات . حادثته مع عمازة بن الوليد المخزومى  الذي يداعب امرأة عمرو أمامه ويهتم بها ، ويلقي بعمرو في البحر ولا يكتم عنه أنه قصد إلى هلاكه ؛ ومع هذا كله يسم عمرو ويضبط

نفسه حتى تلوح له الفرصه فينتقم الانتقام الواحد الحاسم . .

ويشترك عمرو وأخوه هشام في حرب الشام ، فيستشهد أخوه وهو يهجم على تامة بتخطف المدافعمون من يهجم عليها . فيحجم فرسان العرب عن ان يطأوا جثة المستشهد الكريم . فإذا بعمرو دمهم فيدومها ليهجم ويدوسها الناس بعده . وهذا وحده يكفي في الدلالة . ولكن الموقعة تنتهي ، وإذا عمرو يجمع بقايا أخيه بيديه ويحملها في قطع ليواريها ! . . الخ .

وهكذا كل سمة وكل صفة وكل حقيقة . . فإذا بنا في النهاية نعرف " عمرا بن العاص " جد المعرفة . نعرفه حتى لنكاد نشهده . فهو رجل ذو عبقرية عملية تهتدي للحركة المناسبة في اللحظة المناسبة ، وتنفذ إلى حقائق الأشياء بما يشبه اللمس القريب ؛ وهو رجل يضبط أعصابه ويسيطر عليها ، ولكن هذا لا يعصمه من البدوات التي يدفعه إليها الطموح والرغبة الملحة ، إلا أنها بدوات مأمونة ؛ لأن الزمام في يده ، فهو مطمئن إلى كبحها في اللحظة المناسبة وهو رجل داهية مداور ، ولكن هذا لا يمنعه من الصراحة والكاشفة ، كاللاعب الماهر الذي يكشف بعض حيله في اللعب وهو واتق من الفوز لتفوقه ، وللرصيد المكنوز له من الخيل الأخرى . وهو رجل شديد الاعتزاز بنسبه - نسب أبيه - لأن في نسبه لأمه مغمرا بتقيه . . إلي آخر هذا التحليل والتجسيم الذي يقيم شخصيته بارزة مكشوفة ، يسهل تمييزها من بين مئات الشخصيات التى تبعد منها أو تقاربها على السواء .

ودراسة " عمرو بن العاص " قد كشفت لي عن وجه من عظمة " محمد " لم تكشفه لي دراسة أبى بكر وعمرو وعلي وعائشة !

لقد وسع محمدا أن يكون هؤلاء وغيرهم من العظماء - على عظمتهم - كواكب في فلكة العظيم ؛ ووسعه أن يوجه جميع قواهم الدخرة للخير وللبناء . ولكن هؤلاء وسواهم كخالد بن الوليد وأبى عبيدة بن الجراح وسعد

ابن أبي وقاص . . كان في نفوسهم خير أصيل ، وكان عمل محمد هو توجيه هذا الخير وجهته القويمة .

فأما عمرو بن العاص . فهذا هو الرجل الذي خلت نفسه من الخير  فالعام . كان قوة ولكنها قوة أثرة لا أربحية لها ولا غيرية فيها . ومع هذا تمت المعجزة ووسع محمدا - عليه صلوات الله - أن يستخدم هذه القوة في سبيل الخير العام ، وسعه أن يثير ما فيها من حرص وأثرة لتصنع على أساسهما شيئا للإسلام ، وشيئا عظيما في الحقيقة ، دون أن تتحرف - مع هذا - عن الطريق السوي والخط المستقيم مادام محمد حيا حتى إذا مات ، وحتي إذا انتهى عهد العمالقة وجاء عهد الأقزام ، عهد معاوية وأمثاله ، ظهر عمرو ابن العاص كما هو . هبط إلى مستواه الذي رفعه منه محمد إلي مستوي الخير العام ! .

تلك معجزة . وكم لمحمد مثلها من معجزات . ثم يسوقنا هذا الحديث إلي نقطة لم أستطع إلا أن اختلف فيها مع الأستاذ . وهي إحدي نقط كثيرة  كنت فيها معه على خلاف ، حتى إذا ذكرته فيها اقتنعت بأحقية ما ذهب إليه ، إلا هذه فقد بقيت على ما كنت عليه قبلها .

إنه يسلك " عمرا بن العاص " في العظماء . و " وعمرو " كان " يستحقها " بضخامة مواهبه وباسق أعماله وفسحة خطواته ، لولا ان " العنصر الخافي " مفقود فيه . والعنصر الخلقى عنصر أساسي - في اعتقادي - في كل عظمة حقيقية ، ولا تستطيع آية مزايا أخري أن تثبت العظمة لإنسان وهذا العنصر الأساسي مفتقد . فعمرو بن العاص - عندي - عبقري ولكنه ليس عظيما . فالعبقرية قد تكون للشيطان نفسه ، وإنه لعبقري كبير !

منصور الأندلسى :

الذين قربوا كلمتي في " الثقافة " عن طبيعة الأستاذ على أدهم وطريقته حينما استعرضت كتابه " تلاقى الاكفاء "

يستطيعون أن يتبينوا بسهولة تلك الطريقة نفسها في كتابه الجديد " منصور الأندلس " ، مع شئ من التعديل الذي يقتضيه الإقرار بالنضوج والتجويد الباديين في كتابه الجديد .

وأنا أذكرهم بمجمل ما قلته من قبل عن خصائص الأستاذ أدهم في بحوثه :

" هو من كتابنا القلائل الذين يحتفلون بما يكتبون ويتهيئون له ، ويتحرجون من النقص الناقص والحكم المرتجل ، ويدفقون فيما يأخذون وما يدعون . ومن خصائصه الخيرة بالنفس الإنسانية والفطنة إلى دوافع الحياة الأصيلة ، والاستعداد لتلقى النماذج البشرية كما خرجت من يد الطبيعة . ولكن ملكة الاختيار والتنسيق في دراساته لا تبرز كما تبرز ملكة الفحص والنقص ، وهي كذلك في حاجة إلى مزيد من اللمسات القوية المباشرة التي تعمد نوة إلى جوهر الموضوع وروحه ، وكأنها تهتدي إليه بالبداهة أو بحاسة خفية لاتتعثر ولا تتلعثم . . الخ "

وليس لدي ما أزيده - بمناسبة هذا الكتاب - على مزايا الأستاذ أدهم ، ولكن مطالب بأن أبين أن معظم ما كنت آخذه عليه قد اختفى في الكتاب الجديد ؟ فالمزايا الطيبة تكاد تبرز وحدها ! وهذا البيان إنما هو تنفيذ للعهد الذي قطعناه في صحيفة النقد بأن تتبع كل مؤلف مع القراء ، لنسجل خطواته الجديدة وما فيها من تقدم أو تخلف .

لقد سرنا معه تقفو خطأ " المنصور بن أبى عامر " منذ أن كان طالبا بجامعة قرطبة ، يحلم بالأمال الكبار التي تحسب من مثله الناشئ منشأه ، خرفا أو جنونا ، والتي حققها جميعا في النهاية حينما أصبح " ملك " الأندلس ، وإن لم يصبح " خليفة " !

ولقد عرفنا المنصور رجلا بعيد الهمة ، عظيم الطموح عملي النظرة ، واسع الحيلة ، قاسيا في إزالة العوائق من طريقه ، يكاد يتبع القاعدة المكيافيلية " الغابة تبرز الواسطة ولكنه فيما عدا هذا لا تخلو نفسه من الخير ،

ولا تميل إلي الشر لذات الشر

وفي الفصول المتوالية التي قسم إليها الكتاب : " أصله ونشأته الخطوة الأولى . وضع الأساس بدء البناء في سبيل المجد . في طريق البناء . بلوغ الذروة . السنوات الأخيرة . المنصور والأدب والفن . المنصور في الميزان " عرفنا طبيعة المنصور وخفايا نفسه ، كما عرفنا طبيعة عصره وخفايا أحداثه . ووقف المؤلف وقفة المؤرخ البصير الذي لا تستهويه عظمة من يترجم له فينصب نفسه محاميا عنه ، ولا تحنقه سقطاته فينسي البواعث المفسرة لها . وهذا طراز من البحث تحتاج إليه في تاريخنا المليء بالفجوات المبعثرة في المطولات .

كلمة عن طريقتين :

لم يكن مجرد مصادفة أن أجمع بين العقاد وأدهم في مقال . فكل منهما نموذج لطائفة ولطريقة .

فالعقاد نموذج للعبقرية القارعة ، تصيب أعظم الثمر بأيسر الجهد ، وتهتدي بحاسة خفية إلى الأهداف المطلوبة ، وتبلغ باللمسة المباشرة إلى المراكز الحساسة ، فتستغني بذلك عن التلمس والتحسس ، ويبدو في أعمالها اليسر والبساطة ، وهي عند المحاكاة صعبة عسيرة .

والأستاذ علي أدهم نموذج للملكة العقلية الممتازة تبلغ بالجهد الموصول والكد المبذول حد الإتقان ومدى الإجادة ، وتلم في الطريق بالدقائق والجزئيات في فهم وبصيرة . ثم يبقى الطريق إلى محاكاتها ميسورا لمن يبذل الجهد ويديم الإطلاع .

وبينما يقف العقاد وحده - حتى اليوم - في طريقته ، يجد الأستاذ أدهم زملاء كثيرين فيمن كتبوا عن الشخصيات أمثال الدكتور هيكل والأستاذ عبد الرحمن صدقى والأستاذ حسن محمود . . الخ  يتفقون في نوع الملكة ويختلفون بعد ذلك في الدرجة .

والحياة في حاجة إلى النموذجين . ولكل منهما وظيفته التي لا يسد الآخر فيها مسده .

اشترك في نشرتنا البريدية