" . . ثم تأتي البراعة هذه الرسالة من أنها بعد هذا كله دليل دقيق للذين يريدون أن يقرأوا ألف ليلة وليلة قراءة تعتمد على التروية والتفكير . فهي قد ألفت أشتاته ، وجمعت متفرقه ، ولامست بين أحاديثه المتنافرة المتناثرة . فإذا أنت تعرف أين تجد القصص الذي يتجه اتجاها دينيا ، والذي يتجه اتجاها خلقيا ، والذي يذهب مذهب التاريخ ، والذي يعنى بالنقد الاجتماعي ؛ إلى غير ذلك من الموضوعات التي صورها القصاص عن عمد مرة ، وعن غير عمد في كثير من الأحيان . .
هذه الفقرات التى اقتطفناها من مقدمة الأستاذ الدكتور طه حسين بك ، لرسالة الدكتورة سهير القلماوي عن ألف ليلة وليلة ، تشير إلى اهم عمل قامت به المؤلفة في الحقيقة ، فقد كان هذا هو العمل الأساسي في رسالتها ، وهو الجهد الرئيسى الذي بذلته فيها .
وقبل أن نفصل القول في قيمة هذا العمل أو ذاك
مما قامت به ، المؤلفة لإعداد رسالة الدكتوراه ، نذكر - على الهامش - ظاهرة واضحة يدركها قارئ الكتاب لأول وهلة . فالمؤلفة " تلميذة الدكتور طه حسين " ، كما قالت في إهدائها ، وإن طابع الأستاذ ليبدو عليها واضحا قويا ، وإنه ليبدو ان الدكتور قوي الأثر في تلاميذه إلي حد بعيد
ولكن من الحق أن نقول إن سهير " طيعة نظيفة " لا كتلك الطيعات الاخري " المشلقطة " . وإنها ربما تجاوزت مرتبة التلميذة إلي مرتبة " المريدة " التي يجيء تأثرها إحساسا باطنيا لا تقليدا ظاهريا . ففي أسلوبها صفاء ، وفي استعراضها سلاسة ، وإن تكن لا تزال ينقصها تمكن الأستاذية ، وقوة اللمسات التي تدل على أنها تملك الموضوع ولا يملكها الموضوع .
والاستعراض هو أقوي ملكاتها ، فحيثما استعرضت أقوال المستشرقين عن الف ليلة وليلة ، او الترجمات التي قاموا بها لليالي ، أو اثر الليالي في الآداب الغربية ، أو الموضوعات التي طرقها القصاص - والتي اشير إليها في المقدمة - فهي حينئذ تستخدم أقوي ملكاتها ، وهي حينئذ تروق وتعجب ، ويحس قارئها بالتنسيق الجميل ، والتعبير الرشيق ، والأسلوب المصفي . وحينما تجاوزت هذه المنطقة إلي التعليل والاستنباط ، فهي حينئذ في غير ميدانها ، وهي تلمس الموضوع برفق ، وتدعه معجلة ، أو لا تستوفي النتائج التي تتيحها لها المقدمات وعلى العموم فهي لا تبلغ هنا مداها الذي تبلغه في الاستعراض والتنسيق
والآن ننظر في الجهد الذي قامت به المؤلفة في إنشاء رسالتها .
تقع هذه الرسالة في ثلثمائة وعشرين صفحة من القطع الكبير نسبيا ؛ وهي مقسمة إلي ثلاثة كتب : فأما الكتاب الأول فقد استعرضت فيه أولا ما قام به
الشرقيون من البحوث القليلة حول " ألف ليلة وليلة " ؛ واستعرضت فيه ثانيا سجلا عن الترجمات المختلفة التي قام بها الغربيون لليالي ، وما قدموا لها من بحوث في تاريخها او موضوعها ؛ واستعرضت فيه ثالثا تلك الابحاث العامة التي قام بها المستشرقون عن الليالي ، أو عن قصص منها خاصة ، واستعرضت فيه رابعا ما كان لليالي وما نشر حولها من البحوث من أثر في الأدب الغربي واتجاهاته وأما الكتاب الثاني فقد تحدثت فيه عن تأليف الكتاب " ، فذكرت أن قلة النسخ التي وصلت إلي ايدينا من كتاب الف ليلة وليلة ، وعدم استطاعتنا العثور على جميع النسخ التي وجدت له في عصور متفاوتة ، لا يجعلنا نستطيع الجزم بتاريخ الكتاب ونشأنه وتطوره حتى صار إلي ما بين ايدينا اليوم منه . ولكن النظر في مادة الكتاب نفسها قد تعين على شيء من هذا لا يصل إلي مرتبة اليقين
وقد افترضت أن نواة الكتاب وجدت مكتوبة ، ثم توسع القصاص فزادوا عليها وتوسعوا فيها ، وظلوا يضيفون إليه بطرائق مختلفة حتى صار إلي وضعه الأخير ؛ وان هناك عوامل اثرت فيه ، أهمها الروح الشعبية التى سيطرت عليه سيطرة قوية ، وإن كان تزمت العلماء وعوامل السياسة قد حدت من هذه الروح فجعلته يخلو من بعض الموضوعات التي تشيع عادة في الآداب الشعبية : كالحديث عن الحياة الأخرى ، و كعفريت الميت المشهور في مصر ، وكالاخذ بالثأر . كما ان الروح الإسلامية سيطرت على الكتاب كله بوجه عام . وكذلك تركت فيه الروح المصرية أثرها الواضح .
وأما الكتاب الثالث ، فهو الكتاب الرئيسي في الرسالة ، وهو الذي درست فيه موضوعات الليالي و صنفتها " إلى الموضوعات التالية : " الخوارق في الف ليلة وليلة ، الموضوعات الدينية في الليالي ، الموضوعات
الخلقية في الليالي ، موضوعات الحيوان في الليالي ، الحياة الاجتماعية في الليالي ، الموضوعات التاريخية في الليالي الموضوعات التعليمية في الليالي ، المرأة في ألف ليلة وليلة .
وما من شك في أن مجهودا عظيما بذل في هذا التصنيف الذي يحتاج إلى الدقة والصبر واليقظة . وما من شك في ان استعراض الموضوعات في الليالي كان استعراضا مشوقا جذابا ؛ وان الحكم الفني على عمل القصاص في ثنايا هذا الاستعراض ، وعلي مواضع إجادتهم ومواضع تقصيرهم ، كان كذلك جيدا ؛ وان هذا العمل كما قال الدكتور طه حسين بك : " دليل دقيق للذين يريدون أن يقرءوا ألف ليلة وليلة قراءة تعتمد على الروية والتفكير "
ولكن هل نستطيع أن نسم هذا الجهد كله بميسم " الشخصية المبتكرة " التي " تشترطها نظم الجامعة في رسائل الدكتوراة " كما جاء في المقدمة ؟
نحن مضطرون اضطرارا لأن نخالف الأستاذ الكبير الدكتور طه حسين بك في هذا . فالجهد الذي بذل كبير ، ولكنه غير مبتكر ونريد أن نعرف " الابتكار " الذي نعنيه ، والذي ننتظر أن نراه في رسائل " الدكتوراه " الجامعية ، فهو الذي يبدو فيه نهج المؤلف الخاص لا الذي ينسح على منوال قائم ، أو يتوسع فيه .
وتقسيم الليالي إلي موضوعات ليس عملا مبتكرا - وهذا من الناحية الشكلية - وأما طريقة التقسيم واستعراض الموضوعات في مختلف القصص ، فهي رهينة بجهد " التصنيف " والتبويب ، لاجهد الابتكار والابتداع . ولم يبد في اثناء ذلك من الدكتورة سهير ، ما يدل على أنها تنفرد في هذا دون أي طالب يستطيع ان يصبر اياما وليالي على " تفنيط " الموضوعات . نعم إن طريقتها في الاستعراض جميلة ، ولكن هذا شيء ، والشخصية المبتكرة شئ آخر فيما اعتقد .
وقد يكون منشأ هذا الخلاف أنبي أغالي في ما أطلبه وقد يكون منشأ هذا الخلاف
من رسائل الدكتوراه ، وأن الجامعة لا تريد هذه المغالاة ؛ فيكون الخلاف إذن لا على رسالة الدكتورة سهير ، ولكن على مبدأ " الابتكار " في رسائل الدكتوراه .
وقد ذكرت أن للدكتورة سهير ميزتها في صفاء الأسلوب وجمال الاستعراض ، وانه ينقصها تمكن الأستاذية وقوة اللمسات التي تدل على انها تملك الموضوع . فهي حينما كان عملها الاستعراض ظهرت في ميدانها الأصيل ، وحينا حاولت التعليل والاستنتاج لم تبلغ إلي مداها الذي تبلغه في الاستعراض ، إذ تلمس الموضوع برفق وتدعه معجلة ؛ فالأن اذكر بعض الأمثلة على هذه الظاهرة .
لا يستطيع قاريء الليالي ، بعد أن يفرغ منها ، إلا أن يحس إحساسا قويا أن هذه القصص هي " احلام الحرمان ، وذلك هو مفتاحها الاول الذي يصلح لتفسير أشياء كثيرة فيها ، إن لم يصلح لتفسير كل ما فيها . ولم يغب عن الدكتورة سهير - في لطف إحساسها - ان تلمس ذلك ؛ ولكنها لمسته في خفة ، ولمسته في ناحية دون ناحية ، ولم تحاول ان تتخذه مفتاحها الاصيل لتفسير الليالي .
لمست في ثنايا الاستعراض كثرة ما تصوره القصص من ألوان الطعام والشراب ، فقالت : إن في ذلك إشباعا للجوع الذي يسيطر على الطبقة التي استمعت للكتاب ، وهي طبقة الفقراء . ولمست في ثنايا الاستعراض كذلك كثرة ما تصوره القصص من الكنوز التي تفتح فجأة للفقراء فينقلبون أغنياء ، فقالت : إن في ذلك تعويضا عن الفقر الذي يسيطر على المستمعين والقصاص . . وهذا جميل
ولكنها لو خطت وراء ذلك كله خطوة حاسمة ،
ولمست الموضوع كله لمسة قوية ، لرأت أن أحلام الحرمان " تتعدي الطعام والمال ، فهي أحلام الشبع ، وأحلام الغني ، وأحلام السلطة ، وأحلام الشهوة ، وأحلام الراحة ؛ وكما وجدت في أحلام الجوع ما يفسر لها كثرة الطعام والشراب ، وفي أحلام الفتي ما يفسر لها الكنوز ؟ فإنها كانت واجدة في أحلام السلطة ما يفسر لها كثرة الملوك وأبناء الملوك الذين أصبحوا مشردين ، وكثرة الأفراد العاديين الذين يصبحون ملوكا وحكاما ، أو يتغلبون على الملوك والحكام ، وقد يتكبرون عليهم كما صنع " جودر " بعد أن ملك القوة والمال ؛ ولو وجدت في أحلام الشهوة ما يفسر لها الفحش الذي حشيت به الليالي ، وهذه الأحلام التي كان يزيد حرارتها سوق الرقيق وما يتخيله الفقراء من متعة الأغنياء بالجواري المعروضات ؟ ولو وجدت في أحلام الراحة ما يفسر لها " جراب جودر " وأمثاله الذي يطلب منه الطعام فيخرجه في لحظة مهيأ بلا تعب ، وما يفسر لها الحصان الطائر ، والعفاريت التي تقطع البحار والجواء والإنسان على ظهرها محمول . وربما يضاف إلي أحلام الراحة في تفسير مثل هذه القصص أحلام الطفولة التي تتصور المعجزات في عالم الواقع ، لأن هذا يرضي ما فيها من سذاجة في الخيال .
ولو استخدمت هذا المفتاح لوجدت تفسيرات لأشياء كثيرة صادقتها في الليالي ، فتركتها بدون تفسير ، أو فسرتها تفسيرا غير حاسم ؛ مثال ذلك : خلو الكتاب من إشعاعات السيرة النبوية ، مع انه مطبوع بالروح الإسلامية ، وخلوه تقريبا من التطلع إلى معرفة الغيب . . فمثل هذه الموضوعات لا تجد لها مكانا بين " أحلام الحرمان " التي تسيطر على جمهور الليالي المشغول بالحاضر وبمطالب الجسد عن كل ما عداها
ثم لقد كان هناك موضع للمسة قوية أخري لم تشر
إليها . فهناك ظاهرة واضحة وضوحا قويا ، فأحلام الحرمان هذه لم تتجاوز الحاضر ، ولم تتجاوز المطالب المادية كما أسلفت ، وليس فيها حلم روحي واحد ، ولا تطلع إنساني راق ؛ ولهذا دلالة على روح الفترة التي الفت فيها الليالي ، أو معظمها ، وعلي روح الجمهور الذي استمع لليالي . فهي فترة انحطاط روحي لا شك فيه ، وهو جمهور لم يطرق عالمه مثل واحد من الأمثلة العليا ، إما لفقره ، أو للاستبداد المخيم عليه ، أو للجهل الفاشي فيه ، أو لهذه الأسباب جميعا .
نعم إن قصة " بلونيا " تشير إلي تطلع روحي وقصة " عمر النعمان " تشير إلي بطولة حربية . ونعم إنه كان لهاتين القصتين صدى في الكتاب ، ولا سيما قصة " بلونيا " ، ولكن قصة " عمر النعمان " غريبة في الكتاب كله . أما قصة " بلونيا " فلها في الغالب أصل فارسي ، متأثر - كما نعتقد - بأصل مصري ، ففي قصة " أهورا " المصرية القديمة كثير من وقائعها وتفصيلاتها ، بل ربما كان لهذه القصة أثر في كل الأساطير حول سليمان ، وكان ينبغي لبحث عن ألف ليلة وليلة من كاتبة مصرية أن تبرز هذا الأثر المصري العريق .
ومثل آخر لاضطراب التعليل ، فهي قد افترضت في موضع أن جمهور الليالي كان من الفقراء ، وافترضت في موضع آخر ان هذا الجمهور كان من التجار ، وذلك لكي تعلل وجود القصص التعليمي المعقد الملئ بالمعلومات الجافة ، ولكى تعلل كذلك كثرة ذكر التجار في الليالي . والذي لا نشك فيه هو صحة الفرض الأول . أما تعليل القصص التعليمي فسهل ، وقد تنبهت إليه هي في موضع ثالث ، وهو انه لم يعش على ألسنة القصاص وإنما ضم عند نسخ الكتاب ؛ وأما تعليل ذكر التجار فسهل كذلك ، لأنها الطبقة التي كان يحلم بها الفقراء ، وهي أمامهم في كل آن .
ولهذين المثالين أشياء كثيرة في الكتاب ، وإن كان للمؤلفة - بجوار هذا - كثير من اللفتات الطيبة ؛ ولكنها لفتات ليست حاسمة ، ولمسات ليست قوية ، كما ينبغي لرسالة دكتوراه

