الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 272الرجوع إلى "الثقافة"

صحيفة النقد :، كتب مترجمة، ١ - ألوان من الحب : عبد الرحمن صدقي، ٢ - المهاتما غاندي : اسماعيل مظهر

Share

الوان من الحب

مجموعة من القصص تبلغ الاثنتي عشرة . ست قصص منها عن الأدب الروسي ، وهي : " نزوة هوي لإسكندر  كوبرين ، ومبارزة لنيقولا ليسكوف ، وحبيبها لمكسيم جوركي ، والقبلة لانطون تشيكوف ، والصمت والعضاض لأندرييف واربع قصص عن الأدب الفرنسي ، وهي : " القصر المهجور لبلزاك ، وأرملة وفي ضوء القمر والجواهر لموباسان " وقصة واحدة عن الأدب الأسباني هي : لو كان من الحب لبلاسكو إبانير " وقصة واحدة موضوعة هي : " بلقيس ملكة سبأ لعبد الرحمن صدقي " .

وقد قدم لها مترجمها تقدمة مختصرة مركزة نيرة . تعد في ذاتها فصلا تحليليا لخصائص القصة الروسية والفرنسية والأسبانية ، وللسمات الخاصة بكل مؤلف نقل عنه ، ونحن لا نجد أننا نكشف عن منهج هذه المجموعة بخير من هذه المقدمة ، فنكتفي بأن ننقل منها بعض الفقرات .

" مهما يبلغ من صدق القول بأن الحب في أصوله إن هو إلا قوة نزوعية من شهوات الغرائز ، فإنه من تحري الصدق في القول ايضا ان يضاف إلى ذلك ان الحب قد تجاوز في الإنسان طوره البدائي ، وانه لم يعد مجرد حاجة جنسية ، بل تعداها إلى حال معقدة من العاطفة الوجدانية تنطوي على معان خلقية وروحية . وقد جاء هذا التطور - كما هو معلوم - من أن الإنسان كلما ابتعد عن حالة الفطرة الأولى فرض الاجتماع عليه من النظم والشرائع والآداب ما يجعله في نزاع مع ما ركب في طينته من الطباع ؛ فإذا اختلاف في الامزجة من اثر التفاعل لاضابط له ولا آخر ، وإذا بالنفس الإنسانية تتعدد فلا تتشابه الاثنتان ، بل تتناقض النفس الواحدة حتى لتنكر نفسها في بعض الاحيان .

" هذا المعنى هو الذي ينتظم هذه المجموعة من قصص الحب لأشهر اعلام القصة واساطينها في الغرب . فكلها عن الحب ، ولكن شتان بين حب وحب . والاختلاف هنا في الكم والكيف ، وفي الطبيعة والمزاج ، وفي المقدمات والمعقبات ، وفي انماط الأفراد ومراتب الجماعات ، وفي ظروف الحياة الاجتماعية وخصائص الأجناس البشرية ، وما إلي ذلك من الاختلافات الواقعية

" ثم فوق هذا جميعه يأتي الاختلاف الفني في صناعة  القصة ، وهو الاختلاف في اسلوب العرض وطريقة التناول

بين قاص وقاص ؟ فلسوف يلمس القارئ هنا بعض الفوارق بين القاصين في الأمة الواحدة .

ثم يمضي في مقدمته فيتحدث عن ذلك القبض من الإنسانية والرحمة الخاشعة يتسع لكل حي " في القصص الروسي ؛ وعن " الواقعية والمشاهدة " التى تقوم عليها القصة الفرنسية " مهما ذهب بها الخيال ثم عن " الطلاوة التي يصور بها تشيكوف في قصة " القبلة مبلغ ما في حياة  الناس - علية ودهماء - من الغثاثة والتفاهة ، على خلاف ما يعمد إليه اندرييف في قصة " الصمت من طريقة التصوير بلمسات عريضة قوية تبرز الأنوار والظلال بأكبر احجامها وابلغ ثيابها محتفظا مع الهول الذي يرسمه ، برصانة الفنان وتوازنه ثم يبين الفرق بين " بلزاك " وما فيه من فحولة قوية وبين " موبسان " وما يضطرب في نفسه من شاعرية "

وأبرز ما تصوره هذه المقدمة هو الفهم الواضح للقصص التي تصدي لها ، ولطريقة كل مؤلف نقل عنه . وقد كان لهذا الفهم قيمته في نقل هذه المجموعة إلي اللغة العربية وأعتقد أن وجودها في هذه اللغة سيكون له أثران بارزان .

الأثر الأول : في محاولة تأليف القصة في اللغة العربية . فالذين يتصدون لهذا سيترددون مرة ومرة قبل ان يخرجوا بأعمالهم للناس إذا كانوا يحترمون انفسهم . فالقصة امر عسير إذا اريد لها ان تكون عملا فنيا كاملا ، وعن نفسى أذكر أن القصة هي العمل الفني الوحيد الذي كنت أستهوله واحجم عن محاولته ، طالما أنا اقرأ القصص الأوربي والروسي خاصة - ثم انصرفت بعض الوقت القراءة القصص الموضوعة في العربية ، فرأيتني أنسي إحجامي ، وأحاول كتابة القصة القصيرة فهذه المجموعة الجديدة قد ردت على إحجامي وتركتني أقدر الموهبة والمهارة اللازمتين لكتابة القصة الفنية

القصة هنا عمل عسير لان الفكرة فيها ليست كل شئ  إنما طريقة التعبير عن هذه الفكرة : الاسلوب . اللمسات الكلمات الانسجام الخفي بين التوقيعات المختلفة الصادرة عن النظر والحادثة والعبارة والأثر النفسي.

القصة هنا ليست عملا فكريا في الموضوع ، وعملا أدبيا

في التعبير فحسب ، إنما هي بعد هذا وذلك عمل فنى في حاجة إلي ملكة التنسيق القائمة على التصوير والموسيقي في آن التصوير الذي يعود العين انسجام الألوان والموسيقي التي تعود الأذن انسحام الالحان . وبعد ان توجد الفكرة يجب ان تشترك اللمسة واللمحة واللفظة في تكوين الجو المناسب لها فكل منظر يشار إليه ، وكل حادث يتضمنه السياق ، يجب ان ينسجم مع رنة الأسلوب وإيحاء الالفاظ ، ويجب أن يبرز  كذلك اثره في الانفعالات النفسية المصاحبة ، ويؤلف ذلك كله اللوحة التي نسميها القصة الفنية . . وهذا ولا شك عمل عسير

والأثر الثاني : في محاولة الترجمة إلي اللغة العربية . فالذين يتصدون لنقل النصوص الأدبية والأعمال الفنية ، سيجدون في هذه المجموعة محاولة بارعة لنقل الجو الفني بجانب النص المعنوى . والجو الفني هو خير ما في العمل الأدبى ، وإغفاله والاكتفاء بالمعنى لا يفيد المكتبة العربية إلا قليلا . وفي هذه الترجمة يضطلع الأسلوب العربي بنقل ذلك الجو الغريب عليه ، بل نقل الاجواء المختلفة ، مع المحافظة على السلامة والمتانة والوضوح .والتمكن في اللغتين لم يكن يكفى وحده لتحقيق هذه المزايا ، ولكن الذي اعان عليها هو التذوق الفني الخالص لهذه الآثار ، والفطنة للدقائق التى قصد إليها المؤلفون ، واللمسات الخفية التي تندس في ثنايا العرض وحنايا التعبير .

بقيت القصة الأخيرة في هذه المجموعة ، وهي من وضع الأستاذ عبد الرحمن صدقى واسمها بلقيس ملكة سبأ " وهي قائمة على أساس الشوق الذي ساق الملكة من بلادها إلى صاحب " نشيد الانشاد سليمان . هذا النشيد الخالد في تاريخ الغزل الإنساني الذي تفيض به الفطرة ويفوح منه عطر الشرق ، ويرسم لصاحبه في قلوب النساء صورة محوطة بالهالات . وقد جاءت الملكة بكامل ابهتها فاستقبلها الملك بكامل ابهته وفي نفسها استجلاء سر   شوليت صاحبة  النشيد ، والأمل في أن نجد لها مكانا في ذلك القلب العاشق الحار . فادا هو قلب قد خمدت شعلته ، وإذا شوليت نفسها تنزوي في زاوية منه مهجورة ، وإذا الرجل كالأخرين

وملء بيته نساء عاديات !

لقد اصطدم كل هذا الشوق المتطلع الحار بكل ذلك الخمود الراكد الأسن . وفي ذات يوم " كان ركب بلقيس  بعيدا عن اسوار المدينة العظيمة الرابضة العابسة كالقلعة الحصينة . ونظرت بلقيس خلفها نظرة المفارق بلا عودة فإذا شعاع من اعلي الجبل منعكس في شرفات المعبد المذهبة يمتد إليها ، ماض في اثرها كأنه اثر الماضي ولمح الذكري " لقد عادت الملكة ولكن بقلب كبير .

كل شئ في هذه القصة يدل على أن صاحبها فاهم " فن القصة . . الفكرة ، طريقة العرض . تصوير المناظر . . الخ ولكن القارئ - مع هذا كله يحس أن فيها شيئا ناقصا  شيئا يحرمه لذة الاستمتاع بها .

ماهو هذا الشئ الناقص ؟ تجهد حتى تلمحه ! هو " موهبة القصة " هو " روح الخلق " هو " العطر الخاص لا يا صديقي عبد الرحمن لست موهوبا في القصة . إن مكانك هناك في المقالة والبحث ، وفي التذوق والفهم . وأنت هناك تحاول ان تقف في مقدمة الصف ، فلم تحاول هنا ان تجلس في الصف الأخير ؟

وبعد فإن هناك ايضا ما يثيره وجود هذه المجموعة خاصة في اللغة العربية ووجود المجموعات السابقة التي نقلها الاستاذ على ادهم والاستاذ المازني ، والاستاذ أحمد حسن الزيات عامة . إن طابع كل امة واضح اشد الوضوح في قصصها - مع تحقق الصلات العامة بينها ووضوح استفادة بعضها عن بعض - واقرب الأمثلة هو القصص الروسي الذي تتلمذ على القصص الفرنسي ، ولكن بذه وفاقه بعمق الروح الإنسانية وبساطة العرض ودقته ، وظهر أدبا روسيا  واضح السمات ، وهذا الاستقلال يبدو في القصص البولوني والأسباني والألماني والفرنسي والانجليزي .

فأين الأدب المصري الواضح السمات ؟ إن قصاري ما بلغه أدبنا المصري حتي اليوم هو وضوح الخصائص والسمات الشخصية لبعض كبار الأدياء . ولكن الخصائص القومية العامة ليس لها في معظم أعمالهم مثل

هذا الوضوح . وأغلب الظن انها حين تنقل إلي اللغات الاخري يكون اقصى ما تصل إليه كثرتها أن تندمح في نظائرها من هذه الآداب ، ولكنها لا تستقل عنها بشخصية مصرية مميزة :

إن ادبنا المصري قد وصل إلي مرحلة تستحق التسجيل العالي هذا مما لاشك فيه ، ولكنها المرحلة الاولى . أما المرحلة الثانية فهي وضوح الشخصية المصرية ، بحيث نستطيع ان نجلس إلي المائدة العالمية ، نقدم من مستوي ما يقدمون ، ولكن بنكهتنا الخاصة كما يصنعون

ونحب ألا نظلم أدباءنا ، فإن لخفاء النكهة القومية أسبابا خارجة عن طوقهم ؛ فمصر بحكم موقعها هي مصب ثقافات وجنسيات ، فلا ينتظر في ادابها وضوح الخصائص القومية كالأدب الرومي مثلا او الأدب الهندي . وهذا وضع لا حيلة لنا فيه . ولكن هناك سببا آخر يمكن علاجه . ذلك هو انقطاعنا بسبب اللغة عن الكنوز القومية القديمة ، فذلك التراث الضخم من الفن المصري القديم المحفوظ في المتاحف ودور الاثار ، والذي تبدو فيه الشخصية المصرية علي اوضح ما تكون يجب ان يضاف إلي رصيدنا الفني ، بالترجمة إلي اللغة التى صرنا نتكلمها الآن وبالشرح والتفسير الذي يرد إلينا طابعنا المصري الاصيل ، وينمي في نفوسنا من حيث لانشعر خصائصنا القومية الأصيلة ، ويضيف إلى المكتبة العربية ذخرا تغني به ولاشك كما تغني بما ينقل إليها من اللغات الأوربية

ولسنا نعنى بطبيعة الحال من وضوح الخصائص القومية  تلك المحاولات المضحكة في تعريب الاسماء والأماكن ، فذلك اشبه شئ بالوجوه التنكرية التي لا تغير شيئا في  صميم الشخصيات .

مهاتما غاندي : (1)

بجيء هذا الكتاب في موعده ، فالعالم كله في مفرق

الطرق ، وكثيرون يعتقدون ان الحضارة الأوربية القائمة على المحسوس والمعقول وحدهما لضمور الجانب " الغيبى " فيها وانزواء المقدسات الروحية ، قد أدت دورها وأوشكت على الانهيار ، وان العالم في حاجة إلي ينابيع جديدة تكون  على الأقل روافد عميقة لحضارة الغرب المادية ، تندي جفافها ، وتهدئ ضرامها ، وتوسع آفاقها

ونحن الشرقيين في حاجة إلي كشف هذه الينابيع ، وإلي الإيمان بها ، وبعث الحياة فيها ، والانتفاع بأدوات الغرب نفسه في تفجيرها وتصريفها ، للقيام بدورنا في بناء  العالم الجديد .

وحياة غاندي بقلمه اجمل ينبوع نستطيع كشفه في هذا الزمان . الينبوع الروحي العميق الذي يجعل " الإحساس  الأدبى أساس كل الأشياء ، والحق هو النواة الأولى التي تتكون منها شريعة الآداب العليا ، ينبوع الرحمة  العاطفة ، والسماحة الواسعة ، والترفع النبيل

ولقد اتاح لي الأستاذ " اسماعيل مظهر " بترجمة هذه  السيرة ، أسبوعا طيبا قضيته مع غاندي الإنسان العظيم ، الذي يمارس الفضائل العليا في بساطة فطرية ، كانها من اليوميات العادية ، والذي يتحدث في اعظم المسائل وأصغرها على السواء بصراحة ساذجة عميقة ، فتصدقه في  كل كلمة يقولها ، كأن الكذب لا يخطر على البال في هذا  الجو العلوي الشفيف .

وفي خلال هذا الأسبوع شهدت تلك الحضارة الأوربية الشامخة وهي تتخاذل وتتضاءل أمام عظمة الروح الشرقية التي يمثلها غاندي افضل تمثيل ، وشاهدت هذا الإنسان العظيم ينظر بعطف وإشفاق علويين إلى أولئك المتحضرين في الظاهر المتبريرين في الضمير ، ويعصم نفسه من مجاراتهم في أحقادهم الصغيرة ، لأنه إنسان كبير .

إن غاندي عبقرية هندية ، وعبقرية شرقية . ومادامت الهند وما دام الشرق يستطيع ان يخرج هذه العبقرية فهو غني مرجو .

ولكم وددت أن يرجع الدكتور " حسين فوزي " العالم الفنان ، صاحب " سندباد عصري " وان يرجع

معه الكثيرون ممن يعطون حضارة الغرب أكثر من حقها ، ويصغرون روح الشرق بالقياس إليها . . كم وددت لو يرجعون إلى سيرة غاندي كما كتبها بقلمه ، ليروا ان هذا الغرب يبدو قزما في هذا المجال الروحي ، ضحلا في هذا الفيض الإنساني . حينما يرتفع غاندي وترتفع معه روح الشرق الكامنة على اضخم الشخصيات الغربية المعاصرة ، وعلي الغرب في كل عصوره كذلك .

وليس غاندي وحده . ففي هذه السيرة ترتفع شخصيات من عوام الهنود ، من اولئك العمال الاجراء في مناجم الفحم ، من اولئك الجياع الحفاة العراة . ترتفع بالمذخور في كيانها من روح الشرق العميقة الأصيلة على اعظم المتحضرين ، بل على الزعماء البارزين المعدودين ، الذين تفسد تلك الحضارة الحسية مقاييسهم للحياة ، ونظراتهم  للأمور ، وتعطل فيهم البديهة الإنسانية ، وتطمس فيهم روح العدالة الفطرية ، حتى تردهم إليها روح الشرقيين ، وإن كانوا من الفقراء الأميين .

يجب الا نبخس الشرق حقه لان صروفا طمرت روحه المكنون ، ولان بعض التقاليد وبعض الأوضاع لا تعجبنا فيه . يجب ان نسترد إيماننا بأنفسنا لنفتح اعيننا على ما في حضارة الغرب من ضحولة وقزامة وزيف وبريق ، بجانب مالها من فضائل عمرانية وعقلية ظاهرة .

وبعد فقد جاءت الانباء في الأيام الماضية بوفاة عقيلة  غاندي ، وقد كتب عنها في هذه السيرة صفحات قيمة ، وأشار إليها في مواضع من جهاده السلمي إشارات كريمة فليت الفتاة المصرية تقرأ هذه الصفحات ، لتعرف عمل المرأة القويم بجانب رجلها العظيم

اشترك في نشرتنا البريدية