" محمد عبده من اعلام الإسلام في العصر الحديث وفي جميع العصور . وقد احسنت " لجنة دائرة المعارف الإسلامية ، بضم هذه الشخصية الإسلامية الحديثة إلي سلسلة اعلام الإسلام ، فالإسلام وحدة في جميع الأجيال ، ورجاله هم رجاله من قدامي ومحدثين .
ولكن شيئا واحدا قد أثر في قيمة هذا الاختيار الموفق . ذلك أنه كان من المستطاع أن تكون هذه الدراسة خيرا مما كانت ، فشخصية الأستاذ الإمام وسيرة حياته أخصب بكثير من تلك الصورة التى أخرجها الأستاذ المؤلف : الدكتور عثمان أمين
ولقد تمتعت شخصيات كعمرو بن العاص والمنصور ابن ابي عامر ، بل كبشار وابي نواس ، من شخصيات هذه السلسلة ما لم تتمتع به شخصية الأستاذ الإمام من الدراسة والتمحيص ، ومن التجلية والتصوير !
لقد جمع المؤلف الفاضل طائفة صالحة في هذا الكتاب من اخبار الأستاذ الإمام واقوال بعض إخوانه وتلاميذه عنه ، واراء بعض من عاصرهم او قابلهم من الشرقيين والغربيين فيه ، تمد من يريد الكتابة عن " محمد عبده بمادة خامة صالحة للكتابة ؛ ولم يكد يتجاوز هذا في كتاب عنوانه : " محمد عبده " .
ونحن نعتقد مخلصين أن " الإنسان " ليس هو الحوادث والأخبار . إنما هو استجاباته لهذه الحوادث ، ودلالة هذه الاستجابة على " نفسه وطبيعته . وليست تعنيني اخبار كائن من كان إلا بمقدار ما أعرف من هو "
هذا الكائن وإلا مقدار ما أجد فيها " مفتاح شخصيته " وطبيعة نفسيته .
وشئ من هذا كله لم يتعرض له مؤلف " محمد عبده إلا لماما . إذا كان همه موجها إلى جمع طائفة من اخبار نشأته وتعليمه وأسفاره وأعماله ، مما تفرق في كتب الشيخ رشيد رضا وتشارلز أدمز وعبد الرحمن الرافعي . وفي بعض الصحف والمجلات من هنا أو هناك
ولا أريد أن أقلل من أهمية جمع هذه الأخبار والأقوال ، فهي المادة الأولية الضرورية للدراسة ، وجمعها هو الخطوة العلمية المبدئية . ولكن الوقوف عند هذه الخطوة تقريبا لا يجعل هذا العمل بحثا ولا ترجمة ولا صورة حياة .
ولا بد من الخطوة التالية ، وهي تنسيق هذه الحقائق وتلوينها ، واستنطاق هذه الشواهد وتحليلها ، وتوجيهها جميعا لإحياء " الشخصية " المعروضة ، وكشف دخائلها النفسية ، ومنحها العنوان المميز لها من بين الشخصيات .
ولقد أراد المؤلف الفاضل أن يصنع هذا في النهاية فكتب فصلا اسماه : " شخصية الأستاذ الإمام " استغرق فيه ثمانى صفحات .
ونحن نعتقد أن المجال لم يكن ضيقا أمام المؤلف ، لو أنه عمد إلي طريقة أخرى غير طريقة السرد والجمع التي عمد إليها ، وان هذا الفصل الأخير وحده كان فيه متسع لو زاده بضع صفحات يتسع لها حجم الكتاب ؛ بل لو اتبع في هذه الصفحات الثمانية طريقة التصوير السريع ، واستخراج دلالة الحادثة التى يسوقها وعدم الوقوف عند تسجيلها .
فالمهم أولا في دراسة رجل كالشيخ محمد عبده ، هو رسم صورة واضحة مكتملة للمصر الذي عاش فيه ، والبيئة التي عاملها ؛ وهذه الصورة لا تلزم في دراسة اخري لزومها في دراسة محمد عبده " المصلح الديني الاجتماعي " ، الذي
بقاس جهده وتقاس عظمته بمقدار ما ضارع بيئته وما ترك فيها من آثار والشيخ محمد عبده بالذات لا تبرز عظمته إلا بوضع هذه الصورة امام صورته ؟ ومقابلة عقلية جيله بعقليته . ولا يكفي أن يذكر المؤلف طريقة الدراسة في الأزهر أيام دراسته في هذا الاختصار الذي ذكره ،
ولامعارضة الأزهريين له يوم ان هم بإصلاح الأزهر فيما بعد . كلا لا يكفي هذا لبيان عظمة محمد عبده ، بالذات ، فمحمد عبده في الواقع - كان يواجه جبلا كاملا في شتى نواحيه العقلية والنفسية والدينية ، ولم يكن الأزهر إذ ذاك إلا صورة من صور الجيل ، الذي هزه جمال الدين أول هزة ، وترك محمد عبده ان ينشئه نشاة اخرى ، وقد فعل وبذل حياته كلها ليصل إلى هذه الغاية الكبيرة ،
بحيث تعد النهضة العقلية الحاضرة بما فيها الجانب السياسي إشعاعات لهذه الموجة الكبيرة ، موجة الإمام
وواجب من يكتب عن محمد عبده أن يبرز هذا كلمة ، لا في سياق الحوادث والأخبار ، ولكن بالتصوير والتحليل ، وإلا كان عمله تصغيرا لهذه العظمة من حيث لايريد .
أقول " تصغيرا " وأعنيها ؛ ذلك أن اقوال محمد عبده واعماله حين تذكر دون ان توضع امامها مرآة العصر الذي قيلت او عملت فيه ، قد تبدو لابناء جيلنا صغيرة ،
بالقياس إلى ما بلغنا إليه اليوم ، وإن كان بعضها ما يزال محتفظا بعظمته حتى في الجيل الحاضر . ولكن دلالة هذه الأقوال والأعمال هي التي تحتفظ بقيمتها على ممر العصور . وهذه الدلالة هي التى أهملها الدكتور المؤلف في معظم الأحايين .
هذا وشئ آخر . ما لون هذه العظمة واتجاهها ؟ إن العظماء كثيرون ، ولكل منهم سمة واتجاه ، فما سمة محمد عبده واتجاهه ؟ إن قول المؤلف : إنها شخصية معقدة قوية نشأت
أولا في نطاق ضيق ، نطاق الدين واللغة والفلسفة ، ولكنها ما لبثت ان جاوزته وامتد نشاطها إلى دوائر اوسع " . أو قوله : " كان رجلا عظيما لأنه عاش لأمته ورسالته أكثر مما عاش لنفسه ولأسرته . . "
هذا القول العائم لا يعطي شيئا عن نوع هذه الشخصية ، وما قاله عنها هنا تشترك معها فيه شخصيات اخرى كثيرة . وفي عصر محمد عبده بالذات قد يشترك جمال الدين وسعد زغلول معه في هذه المشخصات
إنما وظيفة الدراسة الحديثة أن تميز لنا أنواع العظمة في هؤلاء المتعاصرين اولا ، وفي كل عظيم بين عظماء الإنسانية جميعا .
وهذا لا يحتاج إلي فراغ كبير ، إنما يحتاج إلى خبرة بتصنيف " العظمات ، وتمييز النفسيات .
لقد كانت عظمة محمد عبده عظمة المصلح " في غير ثورة ولا طفرة ؛ وكانت عظمة جمال الدين عظمة " الثائر " الذي يجيد النفخ في الثورة ؛ وكانت عظمة سعد زغلول عظمة الزعيم " الذي يلهم قيادة الملايين .
وهذه العظمات الثلاث قد تتكافأ في قوتها ، ولكنها تختلف في اتجاهها ، كما تختلف في محيطها
فجمال الدين كان يريدها ثورة سياسية أولا ثم اجتماعية في الشرق كله ؛ ومحمد عبده ، كان يريدها اصلاحا دينيا ونفسيا وفكريا واجتماعيا في العالم الإسلامي ؛ وسعد زغلول كان يريدها نهضة وطنية مصرية .
وكان أمام المؤلف ما يحدد به طبيعة الإمام واتجاهه من الأخبار والأقوال التي أوردها في نفس كتابه ، ولكنه تركها غفلا بدون استشهاد ولا تحليل .
لقد كان يجد في موقفه من الثورة العرابية ، وعدم موافقته على الطفرة في المطالب الدستورية ، وارتياحه لإصلاحات رياض باشا ، وفي طريقته في إصلاح طريقة
التدريس والمناهج بالإزهر ، واخذه ذلك بالرفق المصحوب بالعمل ، وفي قوله حين عين قاضيا : " لم اخلق قاضيا ولكني خلقت معلما . . وفي كثير غيرها من الحوادث والأخبار والأقوال لمحات واضحة من هذه الطبيعة الموحدة .
ثم لقد كانت للإمام صفات نفسية وعقلية أساسية :
قوة الشخصية التي لا تهييء لخصومه مواجهته فيدسون له الدسائس من بعيد ، ثم تكفي شخصيته لإفسادها ،
ويبلغ من قوتها أن يلتجيء إليها خصومه أنفسهم حينما يقعون في الأزمات الشديدة ؛ وحادثة الخديو عباس والرجل الأرمني والمعتمد البريطاني معروفة ولها نظائر أخرى . .
والمروءة التي تلزمه ما لا يلزم الناس ، ومناصرته للثورة العرابية بعد تورط زعمائها - مع مخالفة لهم في مبدئها - مثل من هذه المروءة النادرة ، ومثلها في الدلالة حوادث أخرى فردية مذكورة ، كلف نفسه فيها دفاعا عن الحق ونجدة للضعفاء - ما لم يكلفه أحد ، وما لم ينتظره احد كذلك
وقوة المنطق ووضوحه ؛ ومحاوراته وردوده الشفوية والمكتوبة كثيرة . وقد ذكر المؤلف بعضها حوادث وأخبارا وأقوالا ، دون أن يبرز هذه السمة وينص عليها .
إن موضوع " محمد عبده لا يزال في حاجة إلى الدراسة على نحو جديد . . . وإن كان الدكتور عثمان أمين يستحق الشكر لجمعه هذه المادة الخامة من المؤلفات المتفرقة والصحف الموزعة . فقد هيأ لمن يكتب عن " محمد عبده " جزءا قيما من مواد الدراسة ، ووضع لبنة في هذا العمل تذكر له .
