الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 299الرجوع إلى "الثقافة"

صحيفة النقد :، من شعراء المجون، 1 - بشار . . للمازني، 2 - أبو نواس ... ... لعبد الرحمن صدقي، ؟ - أبو نواس ... ... لعبد الحليم عباس

Share

كانت النية عندما أخرجت لجنة دائرة المعارف الإسلامية كتاب الأستاذ المازني عن "بشار" أن أرجيء الحديث عنه إلي أن يظهر كتاب الأستاذ عبد الرحمن صدقي عن زميله "أبي نواس " ، فأجمع بينهما في مقال ! ذلك أن كلاهما شاعر ، وكلاهما شهر بالمجون ، واتهم بالزندقة ؛ وكلاهما عاصر فتناً سياسية وفكرية وانقلابات عقلية وخلقية ؛ وكلاهما ضمته دائرة " أعلام الإسلام " في مداها الذي لا يقتصر على الهداة والبناءة ، بل يشمل كذلك الضلال والهاوين ، تمثيلا لكلا إشعاعات الحضارة التي بلغت إليها الدولة الإسلامية.

ولكن أبا نواس كان حظه أجزل ، فقد أخرجت المطبعة عنه في شهر واحد كتابين مختلفين : أحدهما للأستاذ صدقي في " أعلام الإسلام " ، والآخر للأستاذ عبد الحليم عباس (من شرق الأردن) في " سلسلة اقرأ " . فاتسعت بذلك دائرة الموازنة التي كان في النية عقدها بين يشار وأبي نواس ، واشتملت على دراسة ثانية للشاعر الأخير

ولحسن الحظ كانت الدراستان المتحدتان في أبي نواس مختلفتى الطريقة والإتجاه ، فلم تجيء إحداهما تكراراً للآخري ؛ وكانت طريقة الدراسة في بشار كذلك متحدة مع طريقة إحدي هاتين الدراستين ، مختلفة مع الأخري في النوع . فكان في هذا الاختلاف والاتحاد مجال فسيح للنقد ، أفسح مما يهيئه الفراغ في هذه الصحيفة !

دراسة الأستاذ صدقي لأبي نواس يمكن أن تسمى  "ترجمة حياة" ، في حين تسمى دراسة الأستاذين : المازني لبشار ، وعبد الحليم عباس لأبي نواس " صورة حياة" ،

فتدل هذه التسمية على أقصي ما تدل عليه الأسماء من الفوارق والحدود .

فصدقى في يتتبع أبانواس من نشأته إلي منتهاه، ونسير نحن على خطاه مع الشاعر مرحلة بعد مرحلة ، ونشهد الأحداث تمر به ، والمؤثرات تتوالي على حسه ، والاستجابات تنفعل بها نفسه ، وننتهى إلى حيث ينتهى ، فإذا هو حي يعيش ، وإذا نحن قد عشنا مع معظم أيام حياته ، أو أهم أيام حياته ، وألفتاه في بطء وتؤدة ألفة المعاصر والزميل ، على المدى الطويل .

والمازني وعبد الحليم لا يلتقي كلاهما مع شاعره إلا في فترات ولمحات ؟ ومع هذا يحاولان أن يرسما لنا من الشاعر صورة كاملة واضحة بلمسات سريعة ، تغني عن العشرة الطويلة والآلفة المديدة ، ولا تغفل من سمائه النفسية ، وملامحه الشخصية إلا الذي لا طائل وراءه من التفصيلات والجزئيات .

وأنا أزعم أن هذه الطريقة الثانية أصعب وأعسر - وإن بدت في ظاهرها أسهل وأيسر - وأزعم انها في حاجة إلى مهارة أكبر ، وبراعة أوفق ، للتجويد فيها وبلوغ غاية مداها ؛ وأن الزلل فيها أقرب وأوضح من الزلل في الطريقة الأولى ، وأن ستر مواضع النقص فيها أصعب واعسر ؛ والتوسط في الأخذ بها لا يؤدي إلي شئ ذي قيمة ، فإما عبقرية تستخدم الريشة في سرعة ومهارة ، وإما ظهر التخلف و "باظت" الصورة . وقد يتأتي التوسط بين العبقرية والتخلف فيها ، ولكن في جهد ومشقة ومرانة .

ولا يعني هذا تفضيل طريقة على طريقة ، ذلك التفضيل المطلق الحاسم . فقيمة كل طريقة موكولة إلى أسلوب استخدامها ، وقيمة كل ريشة رهن باليد التي تمسك بها . فالعبقرية تأخذ بهذه الريشة أو بتلك ، وتستخدم هذا الطريق أو ذاك ، فتظهر سمائها في كل حالة ، ويبرز طابعها في كل مرة .

إلا أن الذي لا أشك فيه أن الطريقة الأولى آمن وأيسر ، والطريقة الثانية أخون وأعسر ؟ والزلة هناك قد تستر ، ولكنها هنا لا تستر . ذلك أن اللمسات في الطريقة الأولى ضيقة وجزئية تتناول الحوادث والتفصيلات ، وفي الثانية عريضة وكلية تتناول الملامح والسمات ، فكل انحراف هنا يبرز ويؤثر في ملامح الصورة تأثيراً حاسماً ، على حين يمكن هناك ملافاته ؛ فانحراف لمسة واحدة صغيرة قد لا يؤثر في الصورة بأكملها تأثيراً محسوساً .

حدثنا الأستاذ المازني عن "نشأة بشار" في نحو خمسين صفحة ، عرفنا فيها : أن يشاراً فارسي الأصل عربي الولاء ، وقد كان يستثقل فخر العرب بأصلهم فيحض علي خلع الولاء لهم والانتساب إلي " ذي الجلال " ، ويفخر بالفرس عامة عليهم ؛ وأنه عاصر الدولة الأموية في أخريات أيامها والدولة العباسية في أولياتها ؛ وهجا هذه وتلك أشنع الهجاء ، كما هجا الناس جميعاً ؛ وأن هذا الهجاء لم يكن عن عداوة كامنة ولاحقة على العالم ، ولكنه كان سلاحاً لدفع الأذي وجلب الغني ، فهو طالب لذة ومال . وقد كان مع إقذاع هجائه يخشى الهجاء من غيره ، كما يخشى كل ذي سطوة . ولقد اتهم بالزندقة بسبب طول لسانه لا بسبب فعله ، فالكثيرون كانوا يصنعون ما صنع فلم يلاقوا المصير الذي لاقي ، لأن هجاءه المقذع وبخاصة للخليفة المهدى ووزيره يعقوب بن داود ، وغزله الفاحش المؤذي ، هما عرضاه للسخط والجلد الذي أوذي به في النهاية . ولما كان بتيار أعمى فقد تركت هذه الآفة في نفسه مرارة وضيقا ، وقد كان شديد الحساسية من هذه الجهة ، فجعل يحاول تقوية ضعفه من هذه الناحية بالتخويف بالهجاء ، وكان في طبعه غرابة وفي جسمه ضلاعة . ومن الالتفاتات الجيدة هنا أن بشارا يطلب من مصور أن يرسم له على الجام طيراً جارحاً يروع طيوراً

صغيرة ، وقد أبرزها المؤلف إبرازاً له قيمته في الدلالة علي طبيعة الشاعري المؤذية !

ثم حدثنا عن " بشار والمرأة " في نحو الأربعين صفحة ، فقال : إن فقد حاسة البصر حرم بشارا الشعور  بالجمال الروحي ، واحال المرأة عنده " أنثى" تجيب مطالب الحس الغليظ ، ولا ترتفع إلى مرتبة " المرأة " التي تغذي الإحساس الرفيع !

وتحدث في الفصل الثالث عن شعره ، ولا بد لنا هنا أن ننوه بهذا. فقد لاحظنا أن دراسات كثيرة لشعراء شرقيين وغربيين قد ظهرت ، فلم يخصص منها فصل واحد لبيان قيمتهم الفنية وطبيعتهم الشعرية . وهذا الفصل ضروري في دراسة كل شاعر ، وهو الفارق بين دراسة الشعراء ودراسة رجال الحرب والسياسة والمال والإصلاح . فكل دراسة لحياة شاعر إنما هي تمهيد لدراسة شعره ، فيجب أن تتوج بهذه الدراسة مهما ضاق المجال . وأيا كانت طبيعة هذه الدراسة ، فالذي صنعه المازني هنا - وهو واجب - صنعه العقاد في دراسة عمر بن أبى ربيعة وجميل في سلسلة أقرأ على صغر حجمها . وترك هذا الفصل هو ما أخذناه على دراسة بودلير لصدقي ، والذي نأخذه اليوم على أبي نواس في الدراستين ، وعلى بيرون للسيدة أمينة السعيد ، وعلى سواهم فيما ظهر من دراسات الشعراء.

وفي هذا الفصل يقول الأستاذ المازني : " وإذا كان لم يجيء في الهجاء بشيء من البراعات ، فلا عجب . فما كان الهجاء عنده إلا زجراً وتخويفاً وإنداراً يصد به من يهمون أو يتحفزون للوثوب عليه ، وينهر به من يخوضون فيه " .

وهذا صحيح . ولكنه ليس كل السبب في عدم براعة بشار . فالذي يصدق على بشار من ناحية اتخاذه الهجاء للزجر والتخويف يصدق على ابن الرومى مثلاً ، ولكن ابن الرومى كان فناناً ، وكانت له ملكة مبدعة في التصوير والتشخيص ، فاستحال هجاؤه على ما به من إقناع عملاً فنياً موسوماً بالعبقرية . أما بشار فلم تكن له هذه

الموهبة ، لأنه ، كما يقول الأستاذ المازني : " ذو طبيعة حيوانية ، ولهذا لم يرتق في شعره قط إلي عليا مراتب الفني" وذلك هو التعليل الأصح فيما نعتقد .

والفصل الأخير كان " خاتمة " وقد رسم فيه صورة سريعة لعصر بشار وما يضطرب فيه من فتن شتى سياسية ودينية وفكرية ، كما رسم صورة سريعة لظروف بشار الشخصية وتفاعلها مع هذه البيئة . وفي اعتقادنا أن هذا الفصل القصير هو أبرع فصول الكتاب ، وأوفاها في تصوير هذه التفاعلات .

وأخيراً ، لقد أدار الأستاذ المازني الحديث في حياة بشار على فقد بصره ، وعلى ظروف عصره . واتكأ على النقطة الأولى أتكاء شديداً من أول الكتاب إلي آخره ، وكان موفقاً في هذا الاتكاء ، ولو أن هناك شيئا من التكرار والاستطراد كان يمكن الاستغناء عنه بلا نقص في الموضوع . على حين كان هناك متسع للحديث عن طبيعة بشار وشعره من جوانب أخري ، فنحن نحسب أن الحديث عن ضخامة جسم بشار وغلظه وعلاقة ذلك يغلظ حسه بالمرأة لم يستوف ؛ وكذلك الحديث عن الفنية بشعره الغزلي ما سببها ؟ وأي الخصائص في هذا الشعر كانت تثير الفتنة ؟ فهذا جانب لم يمس إلا مسا . وموقف بشار من الفتن السياسية والدينية في العهود المختلفة ، وكلها جوانب خصبة ، وفيها متسع ، وكان يزيد في قيمة الكتاب . فليت الأستاذ قد وفي فيها الحديث !

ونعود إلي أبي نواس بين صاحبيه ، وقد بينا طريقة كل منهما في دراسته . ولكن يجب أن نزيد هنا أن بحث إلأستاذ صدفي يبدو فيه التمكن والإحاطة ؟ وبحث الأستاذ عبد الحليم تبدو فيه الحركة وسرعة اللمسات . ومكان الأستاذ صدقي في البحث الأدبي قد تقرر بكتابيه عن بودلير وأبي نواس ، وهو في مقدمة صفوف " الباحثين " من حيث الدقة والتمكن وسلامة التنسيق

على طريقته : طريقة البحث المستسلسل الرئيسي

أما الأستاذ " عبد الحليم عباس " ، فلست أعرف له إلا كتابه هذا . فإن يكن باكورة ، فأنا أتنبأ له بمستقبل مشرق ، فالريشة في يده ريشة تصور سريع ، ولسانه لمسات فنان جيد التنسيق - وهو اليوم في منتصف الطريق إلي القمة التي بلغها بعض أصحاب طريقته القليلين ، ولا ينقصه إلا الممكن والدربة وحشد القوة ، إن كان في الجعبة شيء وراء ما أظهره ، تنضحه السنون !

ويبقى أن هناك بعض الخلافات في الحوادث والتعليلات بين الكاتبين :

فصدقي يثبت حادث والية مع أبي نواس ، وأثره في مستقبل حياته ؛ وعبد الحليم بنفيه . ونحن نميل إلي رأي صدفي ، فكل ما في حياة أبي نواس يثبت ذلك الحادث ، وليس في نفيه كبير غناء في البحث . لقد كان يعظم غناؤه لو أن سيرته بعده لا تتفق مع إفساد والبة له ، فأما وهذا الحادث يتسق مع سيرته فلا ضرورة للجهد في نفسه مالم يتحتم ذلك ببراهين قاطعة وهي ليست هناك .

وصدقي يجعل لحادث جنان شأناً في حياة أبي نواس ونفسه وتصريف خطاء في الحياة . حتى ليجعله نصف الأسباب التي أخرجته من البصرة إلى بغداد ، ودفعته إلى الإغراق في المجون ؛ وعبد الحليم يلم إلمامة سريعة ، ويجعل هجرته من البصرة بسبب لمز أهلها له في نسبه . ونحن نميل إلي جانب صدقي ، هنا كذلك ، استناداً إلى كثرة ما قال أبو نواس في جنان ، وإلى حرارة ما قال ، حتى ليبدو أن هذا القسم هو أحر ما في الديوان

وصدقي يثبت شعوبية أبي نواس وتعاجمه ، ويسند هذا إلى انتشار الشعوبية إذا ذاك ، وبروز العصبية الفارسية الكظيمة ؛ وعبد الحليم ينفي هذا كله عن أبي نواس ، ويعلل هذا التعاجم بمزاجه الذي يحب اللذة والمتعة فيجدهما في الحضارة الفارسية وآثارها ، ويكره الشظف والتمسك حيث يجدهما في البيئة العربية وتقاليدها

ونحن نضم هذه إلي تلك في تعليل زراية أبي نواس على العرب البادية ، وهيامه بالفرس والفارسية . فعصبية أبي نواس وشعوبيته لا تبلغ أن تكون فكرة عامدة واتجاهاً جاداً ، فلن ينتظر من مثله الجد في شئ ، ولكنها كذلك لا تنفى في ظروف كالتى عاش فيها ، مع نسب كنسبه يمت إلي الفرس من ناحية أمه ؛ ونفيها نفيا باتا كما صنع الأستاذ عبد الحليم فيه كثير من التكلف الذي لا ضرورة له

وكذلك يبري عبد الحليم أبا نواس من تهمة الحج لمقابلة جنان ، ويثبتها صدقى ولست أفهم السر في تلك التبرئة وأنا مع صدقي في تصديقها ، وليس فيها ما يستغرب مع مجون أبي نواس من جهة ، وجنونه بجنان من جهة أخري .

ويحاول عبد الحليم أن يثبت لأبي نواس أسرة وزوجة وولدا ؛ ويسوق أدلة لا مانع من قبولها ، وإن كانت لا تبلغ بنا درجة اليقين ، ولكنها ليست متهافتة ولا ضعيفة . وكل ما نلاحظه أنه استأنس بكتبته " أبو على " في إثبات البنين له ، ولم يحزم . وأبو علي هذه كنية اصطلاحية لمن اسمه " الحسن " ، فلا دلالة فيها على وجود ابن اسمه على !

وهما متفقان تقريباً في وصف مزاجه - كل على طريقته - فهو طالب لذة حسية ، ومتعة سهلة ؛ وفي تحقيق صلته بالرشيد وصلته بالأمين ؛ وفي تفصيلات أخري - وإن اختلفا في عدد مرات سجنه أيام الأمين أهي مرة أو مرتان ، ولكل من الفرضين ما يؤيده ،  وليس أحدهما بأشد أثراً في حياة الشاعر ، فكلاهما سواء في دلالته على مجونه ؛ وضيق الأمين بهذا المجون لأسباب سياسية لا خلقية . وفي حادثة جلوس أبي نواس قريباً من دور بنى توبخت ، يمر به القواد والكتاب وبنو هاشم فلا يتحرك ، حتى يقدم بشار فيهم له ويعانقه :  صدقي يقول : إنها ايام الرشيد ؛ وعبد الحلم يقول : إنها

أيام المأمون . ونحن نرجح قول الأخير لمكانة أبي نواس من الآمين

وما دمنا قد استطردنا إلى الموازنة ، فيجب أن يثبت  للأستاذ صدقي قوة التمحيص وشدة التنسيق ، كما لاحظنا ، ولكننا نقبت في الجانب الآخر براعة اللمسات ، وسرعة إبراز الملامح . ففي الفصل الأول " بغداد " : جمع بين مولد المدينة ومولد شاعرها ، الذي يمثل روح الله فيها ، " ابي نواس " في لمسات خاطفة فيها شاعرية ورفرفة . وفي الفصل الثاني " جوار وخمور " : رسم طرفي الهو بالمدينة وهما مجالا مجون شاعرها، والشذوذ الذي فشا إذ ذاك

يجمعه ويجمعها ؛ فكأنه وكأنها تؤامان في المولد والنشوء ! ثم لم ينس ان يبين أن هذه ليست بغداد في حقيقتها ؛ فهنالك " الناس " أولئك السوقة الاشقياء الذين يهيئون المدينة رخاءها ولهوها ، ولا يحسبون منها ، ولا يذكرهم التاريخ مجانبها . إلى آخر هذه اللمسات الشاعرية في بقية الفصول

للأستاذ صدقي التمكن والترتيب والتنميق ؛ وللأستاذ عبد الحليم الحركة والسرعة والشاعرية . وكلا البحثين لا يغني من الآخر ؛ ولكل منهما نواحي النقص ونواحي الكمال.

اشترك في نشرتنا البريدية