كانت النية عندما أخرجت لجنة دائرة المعارف الإسلامية كتاب الأستاذ المازني عن "بشار" أن أرجيء الحديث عنه إلي أن يظهر كتاب الأستاذ عبد الرحمن صدقي عن زميله "أبي نواس " ، فأجمع بينهما في مقال ! ذلك أن كلاهما شاعر ، وكلاهما شهر بالمجون ، واتهم بالزندقة ؛ وكلاهما عاصر فتناً سياسية وفكرية وانقلابات عقلية وخلقية ؛ وكلاهما ضمته دائرة " أعلام الإسلام " في مداها الذي لا يقتصر على الهداة والبناءة ، بل يشمل كذلك الضلال والهاوين ، تمثيلا لكلا إشعاعات الحضارة التي بلغت إليها الدولة الإسلامية.
ولكن أبا نواس كان حظه أجزل ، فقد أخرجت المطبعة عنه في شهر واحد كتابين مختلفين : أحدهما للأستاذ صدقي في " أعلام الإسلام " ، والآخر للأستاذ عبد الحليم عباس (من شرق الأردن) في " سلسلة اقرأ " . فاتسعت بذلك دائرة الموازنة التي كان في النية عقدها بين يشار وأبي نواس ، واشتملت على دراسة ثانية للشاعر الأخير
ولحسن الحظ كانت الدراستان المتحدتان في أبي نواس مختلفتى الطريقة والإتجاه ، فلم تجيء إحداهما تكراراً للآخري ؛ وكانت طريقة الدراسة في بشار كذلك متحدة مع طريقة إحدي هاتين الدراستين ، مختلفة مع الأخري في النوع . فكان في هذا الاختلاف والاتحاد مجال فسيح للنقد ، أفسح مما يهيئه الفراغ في هذه الصحيفة !
دراسة الأستاذ صدقي لأبي نواس يمكن أن تسمى "ترجمة حياة" ، في حين تسمى دراسة الأستاذين : المازني لبشار ، وعبد الحليم عباس لأبي نواس " صورة حياة" ،
فتدل هذه التسمية على أقصي ما تدل عليه الأسماء من الفوارق والحدود .
فصدقى في يتتبع أبانواس من نشأته إلي منتهاه، ونسير نحن على خطاه مع الشاعر مرحلة بعد مرحلة ، ونشهد الأحداث تمر به ، والمؤثرات تتوالي على حسه ، والاستجابات تنفعل بها نفسه ، وننتهى إلى حيث ينتهى ، فإذا هو حي يعيش ، وإذا نحن قد عشنا مع معظم أيام حياته ، أو أهم أيام حياته ، وألفتاه في بطء وتؤدة ألفة المعاصر والزميل ، على المدى الطويل .
والمازني وعبد الحليم لا يلتقي كلاهما مع شاعره إلا في فترات ولمحات ؟ ومع هذا يحاولان أن يرسما لنا من الشاعر صورة كاملة واضحة بلمسات سريعة ، تغني عن العشرة الطويلة والآلفة المديدة ، ولا تغفل من سمائه النفسية ، وملامحه الشخصية إلا الذي لا طائل وراءه من التفصيلات والجزئيات .
وأنا أزعم أن هذه الطريقة الثانية أصعب وأعسر - وإن بدت في ظاهرها أسهل وأيسر - وأزعم انها في حاجة إلى مهارة أكبر ، وبراعة أوفق ، للتجويد فيها وبلوغ غاية مداها ؛ وأن الزلل فيها أقرب وأوضح من الزلل في الطريقة الأولى ، وأن ستر مواضع النقص فيها أصعب واعسر ؛ والتوسط في الأخذ بها لا يؤدي إلي شئ ذي قيمة ، فإما عبقرية تستخدم الريشة في سرعة ومهارة ، وإما ظهر التخلف و "باظت" الصورة . وقد يتأتي التوسط بين العبقرية والتخلف فيها ، ولكن في جهد ومشقة ومرانة .
ولا يعني هذا تفضيل طريقة على طريقة ، ذلك التفضيل المطلق الحاسم . فقيمة كل طريقة موكولة إلى أسلوب استخدامها ، وقيمة كل ريشة رهن باليد التي تمسك بها . فالعبقرية تأخذ بهذه الريشة أو بتلك ، وتستخدم هذا الطريق أو ذاك ، فتظهر سمائها في كل حالة ، ويبرز طابعها في كل مرة .
إلا أن الذي لا أشك فيه أن الطريقة الأولى آمن وأيسر ، والطريقة الثانية أخون وأعسر ؟ والزلة هناك قد تستر ، ولكنها هنا لا تستر . ذلك أن اللمسات في الطريقة الأولى ضيقة وجزئية تتناول الحوادث والتفصيلات ، وفي الثانية عريضة وكلية تتناول الملامح والسمات ، فكل انحراف هنا يبرز ويؤثر في ملامح الصورة تأثيراً حاسماً ، على حين يمكن هناك ملافاته ؛ فانحراف لمسة واحدة صغيرة قد لا يؤثر في الصورة بأكملها تأثيراً محسوساً .
حدثنا الأستاذ المازني عن "نشأة بشار" في نحو خمسين صفحة ، عرفنا فيها : أن يشاراً فارسي الأصل عربي الولاء ، وقد كان يستثقل فخر العرب بأصلهم فيحض علي خلع الولاء لهم والانتساب إلي " ذي الجلال " ، ويفخر بالفرس عامة عليهم ؛ وأنه عاصر الدولة الأموية في أخريات أيامها والدولة العباسية في أولياتها ؛ وهجا هذه وتلك أشنع الهجاء ، كما هجا الناس جميعاً ؛ وأن هذا الهجاء لم يكن عن عداوة كامنة ولاحقة على العالم ، ولكنه كان سلاحاً لدفع الأذي وجلب الغني ، فهو طالب لذة ومال . وقد كان مع إقذاع هجائه يخشى الهجاء من غيره ، كما يخشى كل ذي سطوة . ولقد اتهم بالزندقة بسبب طول لسانه لا بسبب فعله ، فالكثيرون كانوا يصنعون ما صنع فلم يلاقوا المصير الذي لاقي ، لأن هجاءه المقذع وبخاصة للخليفة المهدى ووزيره يعقوب بن داود ، وغزله الفاحش المؤذي ، هما عرضاه للسخط والجلد الذي أوذي به في النهاية . ولما كان بتيار أعمى فقد تركت هذه الآفة في نفسه مرارة وضيقا ، وقد كان شديد الحساسية من هذه الجهة ، فجعل يحاول تقوية ضعفه من هذه الناحية بالتخويف بالهجاء ، وكان في طبعه غرابة وفي جسمه ضلاعة . ومن الالتفاتات الجيدة هنا أن بشارا يطلب من مصور أن يرسم له على الجام طيراً جارحاً يروع طيوراً
صغيرة ، وقد أبرزها المؤلف إبرازاً له قيمته في الدلالة علي طبيعة الشاعري المؤذية !
ثم حدثنا عن " بشار والمرأة " في نحو الأربعين صفحة ، فقال : إن فقد حاسة البصر حرم بشارا الشعور بالجمال الروحي ، واحال المرأة عنده " أنثى" تجيب مطالب الحس الغليظ ، ولا ترتفع إلى مرتبة " المرأة " التي تغذي الإحساس الرفيع !
وتحدث في الفصل الثالث عن شعره ، ولا بد لنا هنا أن ننوه بهذا. فقد لاحظنا أن دراسات كثيرة لشعراء شرقيين وغربيين قد ظهرت ، فلم يخصص منها فصل واحد لبيان قيمتهم الفنية وطبيعتهم الشعرية . وهذا الفصل ضروري في دراسة كل شاعر ، وهو الفارق بين دراسة الشعراء ودراسة رجال الحرب والسياسة والمال والإصلاح . فكل دراسة لحياة شاعر إنما هي تمهيد لدراسة شعره ، فيجب أن تتوج بهذه الدراسة مهما ضاق المجال . وأيا كانت طبيعة هذه الدراسة ، فالذي صنعه المازني هنا - وهو واجب - صنعه العقاد في دراسة عمر بن أبى ربيعة وجميل في سلسلة أقرأ على صغر حجمها . وترك هذا الفصل هو ما أخذناه على دراسة بودلير لصدقي ، والذي نأخذه اليوم على أبي نواس في الدراستين ، وعلى بيرون للسيدة أمينة السعيد ، وعلى سواهم فيما ظهر من دراسات الشعراء.
وفي هذا الفصل يقول الأستاذ المازني : " وإذا كان لم يجيء في الهجاء بشيء من البراعات ، فلا عجب . فما كان الهجاء عنده إلا زجراً وتخويفاً وإنداراً يصد به من يهمون أو يتحفزون للوثوب عليه ، وينهر به من يخوضون فيه " .
وهذا صحيح . ولكنه ليس كل السبب في عدم براعة بشار . فالذي يصدق على بشار من ناحية اتخاذه الهجاء للزجر والتخويف يصدق على ابن الرومى مثلاً ، ولكن ابن الرومى كان فناناً ، وكانت له ملكة مبدعة في التصوير والتشخيص ، فاستحال هجاؤه على ما به من إقناع عملاً فنياً موسوماً بالعبقرية . أما بشار فلم تكن له هذه
الموهبة ، لأنه ، كما يقول الأستاذ المازني : " ذو طبيعة حيوانية ، ولهذا لم يرتق في شعره قط إلي عليا مراتب الفني" وذلك هو التعليل الأصح فيما نعتقد .
والفصل الأخير كان " خاتمة " وقد رسم فيه صورة سريعة لعصر بشار وما يضطرب فيه من فتن شتى سياسية ودينية وفكرية ، كما رسم صورة سريعة لظروف بشار الشخصية وتفاعلها مع هذه البيئة . وفي اعتقادنا أن هذا الفصل القصير هو أبرع فصول الكتاب ، وأوفاها في تصوير هذه التفاعلات .
وأخيراً ، لقد أدار الأستاذ المازني الحديث في حياة بشار على فقد بصره ، وعلى ظروف عصره . واتكأ على النقطة الأولى أتكاء شديداً من أول الكتاب إلي آخره ، وكان موفقاً في هذا الاتكاء ، ولو أن هناك شيئا من التكرار والاستطراد كان يمكن الاستغناء عنه بلا نقص في الموضوع . على حين كان هناك متسع للحديث عن طبيعة بشار وشعره من جوانب أخري ، فنحن نحسب أن الحديث عن ضخامة جسم بشار وغلظه وعلاقة ذلك يغلظ حسه بالمرأة لم يستوف ؛ وكذلك الحديث عن الفنية بشعره الغزلي ما سببها ؟ وأي الخصائص في هذا الشعر كانت تثير الفتنة ؟ فهذا جانب لم يمس إلا مسا . وموقف بشار من الفتن السياسية والدينية في العهود المختلفة ، وكلها جوانب خصبة ، وفيها متسع ، وكان يزيد في قيمة الكتاب . فليت الأستاذ قد وفي فيها الحديث !
ونعود إلي أبي نواس بين صاحبيه ، وقد بينا طريقة كل منهما في دراسته . ولكن يجب أن نزيد هنا أن بحث إلأستاذ صدفي يبدو فيه التمكن والإحاطة ؟ وبحث الأستاذ عبد الحليم تبدو فيه الحركة وسرعة اللمسات . ومكان الأستاذ صدقي في البحث الأدبي قد تقرر بكتابيه عن بودلير وأبي نواس ، وهو في مقدمة صفوف " الباحثين " من حيث الدقة والتمكن وسلامة التنسيق
على طريقته : طريقة البحث المستسلسل الرئيسي
أما الأستاذ " عبد الحليم عباس " ، فلست أعرف له إلا كتابه هذا . فإن يكن باكورة ، فأنا أتنبأ له بمستقبل مشرق ، فالريشة في يده ريشة تصور سريع ، ولسانه لمسات فنان جيد التنسيق - وهو اليوم في منتصف الطريق إلي القمة التي بلغها بعض أصحاب طريقته القليلين ، ولا ينقصه إلا الممكن والدربة وحشد القوة ، إن كان في الجعبة شيء وراء ما أظهره ، تنضحه السنون !
ويبقى أن هناك بعض الخلافات في الحوادث والتعليلات بين الكاتبين :
فصدقي يثبت حادث والية مع أبي نواس ، وأثره في مستقبل حياته ؛ وعبد الحليم بنفيه . ونحن نميل إلي رأي صدفي ، فكل ما في حياة أبي نواس يثبت ذلك الحادث ، وليس في نفيه كبير غناء في البحث . لقد كان يعظم غناؤه لو أن سيرته بعده لا تتفق مع إفساد والبة له ، فأما وهذا الحادث يتسق مع سيرته فلا ضرورة للجهد في نفسه مالم يتحتم ذلك ببراهين قاطعة وهي ليست هناك .
وصدقي يجعل لحادث جنان شأناً في حياة أبي نواس ونفسه وتصريف خطاء في الحياة . حتى ليجعله نصف الأسباب التي أخرجته من البصرة إلى بغداد ، ودفعته إلى الإغراق في المجون ؛ وعبد الحليم يلم إلمامة سريعة ، ويجعل هجرته من البصرة بسبب لمز أهلها له في نسبه . ونحن نميل إلي جانب صدقي ، هنا كذلك ، استناداً إلى كثرة ما قال أبو نواس في جنان ، وإلى حرارة ما قال ، حتى ليبدو أن هذا القسم هو أحر ما في الديوان
وصدقي يثبت شعوبية أبي نواس وتعاجمه ، ويسند هذا إلى انتشار الشعوبية إذا ذاك ، وبروز العصبية الفارسية الكظيمة ؛ وعبد الحليم ينفي هذا كله عن أبي نواس ، ويعلل هذا التعاجم بمزاجه الذي يحب اللذة والمتعة فيجدهما في الحضارة الفارسية وآثارها ، ويكره الشظف والتمسك حيث يجدهما في البيئة العربية وتقاليدها
ونحن نضم هذه إلي تلك في تعليل زراية أبي نواس على العرب البادية ، وهيامه بالفرس والفارسية . فعصبية أبي نواس وشعوبيته لا تبلغ أن تكون فكرة عامدة واتجاهاً جاداً ، فلن ينتظر من مثله الجد في شئ ، ولكنها كذلك لا تنفى في ظروف كالتى عاش فيها ، مع نسب كنسبه يمت إلي الفرس من ناحية أمه ؛ ونفيها نفيا باتا كما صنع الأستاذ عبد الحليم فيه كثير من التكلف الذي لا ضرورة له
وكذلك يبري عبد الحليم أبا نواس من تهمة الحج لمقابلة جنان ، ويثبتها صدقى ولست أفهم السر في تلك التبرئة وأنا مع صدقي في تصديقها ، وليس فيها ما يستغرب مع مجون أبي نواس من جهة ، وجنونه بجنان من جهة أخري .
ويحاول عبد الحليم أن يثبت لأبي نواس أسرة وزوجة وولدا ؛ ويسوق أدلة لا مانع من قبولها ، وإن كانت لا تبلغ بنا درجة اليقين ، ولكنها ليست متهافتة ولا ضعيفة . وكل ما نلاحظه أنه استأنس بكتبته " أبو على " في إثبات البنين له ، ولم يحزم . وأبو علي هذه كنية اصطلاحية لمن اسمه " الحسن " ، فلا دلالة فيها على وجود ابن اسمه على !
وهما متفقان تقريباً في وصف مزاجه - كل على طريقته - فهو طالب لذة حسية ، ومتعة سهلة ؛ وفي تحقيق صلته بالرشيد وصلته بالأمين ؛ وفي تفصيلات أخري - وإن اختلفا في عدد مرات سجنه أيام الأمين أهي مرة أو مرتان ، ولكل من الفرضين ما يؤيده ، وليس أحدهما بأشد أثراً في حياة الشاعر ، فكلاهما سواء في دلالته على مجونه ؛ وضيق الأمين بهذا المجون لأسباب سياسية لا خلقية . وفي حادثة جلوس أبي نواس قريباً من دور بنى توبخت ، يمر به القواد والكتاب وبنو هاشم فلا يتحرك ، حتى يقدم بشار فيهم له ويعانقه : صدقي يقول : إنها ايام الرشيد ؛ وعبد الحلم يقول : إنها
أيام المأمون . ونحن نرجح قول الأخير لمكانة أبي نواس من الآمين
وما دمنا قد استطردنا إلى الموازنة ، فيجب أن يثبت للأستاذ صدقي قوة التمحيص وشدة التنسيق ، كما لاحظنا ، ولكننا نقبت في الجانب الآخر براعة اللمسات ، وسرعة إبراز الملامح . ففي الفصل الأول " بغداد " : جمع بين مولد المدينة ومولد شاعرها ، الذي يمثل روح الله فيها ، " ابي نواس " في لمسات خاطفة فيها شاعرية ورفرفة . وفي الفصل الثاني " جوار وخمور " : رسم طرفي الهو بالمدينة وهما مجالا مجون شاعرها، والشذوذ الذي فشا إذ ذاك
يجمعه ويجمعها ؛ فكأنه وكأنها تؤامان في المولد والنشوء ! ثم لم ينس ان يبين أن هذه ليست بغداد في حقيقتها ؛ فهنالك " الناس " أولئك السوقة الاشقياء الذين يهيئون المدينة رخاءها ولهوها ، ولا يحسبون منها ، ولا يذكرهم التاريخ مجانبها . إلى آخر هذه اللمسات الشاعرية في بقية الفصول
للأستاذ صدقي التمكن والترتيب والتنميق ؛ وللأستاذ عبد الحليم الحركة والسرعة والشاعرية . وكلا البحثين لا يغني من الآخر ؛ ولكل منهما نواحي النقص ونواحي الكمال.

