المذاهب الاجتماعية الحديثة والمذاهب السياسية المعاصرة:
شغل القارئ العربي منذ سنوات بأخبار الحرب الحاضرة وبالدعايات المختلفة حولها ، دون ان تتاح له فرصة حقيقية لمعرفة الأسباب الأصيلة لهذه الحرب ، وما يحيط بها من تقلبات . وظل يسمع عن الفاشية والنازية والشيوعية ، - بل عن الديمقراطية نفسها - أقوالا متناثرة لا ترسم صورة ولو تقريبية لهذه المذاهب التي يعترك العالم كله من حولها .
وإذا استثنينا عددا قليلا من الكتب المترجمة وهي :
(الدمقراطية لبيرنز ، ونظام أوربا الجديد لأيتستسج والحركة الاشتراكية لمكدونالد ، ومعرض الاراء الحديثة ، والعدالة والحرية لدكنسن ، وهتلر قال لي لروشنتج) ، فاننا لا نجد في المكتبة العربية شيئا عن هذه المذاهب .
لذلك يعد كتاب الأستاذ " محمد عبد الله عنان " عن المذاهب " الاجتماعية الحديثة " ومن قبله الأستاذ علي ادهم " عن " المذاهب السياسية المعاصرة " هما الكتابان المؤلفان الوحيدان في اللغة العربية عن هذا الموضوع الهام(١).
وهما كتابان في موضوع واحد ، إلا انهما متكاملان لا مكرران فقد عني الاستاذ ادهم في الحديث عن هذه المذاهب ، بأصولها الفلسفية العريقة ، والأسس النفسية التي قامت عليها ، وشرح الناحية النظرية منها شرحا مستفيضا ، ومن الناحية التاريخية مسا رقيقا ، بينما عني الأستاذ عنان بالاصول الدستورية والقانونية لهذه المذاهب ، وبالتطبيق العملي لها ، ومدى ما في هذا التطبيق من بعد أو قرب عن الأصول النظرية ، وتتبع بدقة تطورها التاريخي السياسي ، ومر بالأصول الفلسفية مرا عابرا .
ولقد استغرق الأستاذ أدهم في شرح مبادئ الدمقراطية والذود عنها ، والموازنة بنها وبين المذاهب الأخرى نحو ٦٦ صفحة من ١٥٦ صفحة من كتابه ؟ بينما بذل الأستاذ عنان عناية متوازنة لكل مذهب من المذاهب المعاصرة وأدمج الأستاذ ادهم الاشتراكية مع الشيوعية ، بينما فصل الأستاذ عنان الخلافات القانونية الصغيرة بينهما ، وزاد فتحدث عن المذهب الفوضوي " النهليست ".
وقد حلم الأستاذ ادهم احلاما وضيئة عن المستقبل في ظل الديمقراطية المنقحة التي تتوازن فيها الحريات ، وفي ظل العالمية التي تلوح في الأفق ، بينما اقتصر الأستاذ عنان على شرح محاولة عصبة الأمم ، وتسجيل المواثيق الجديدة
كميثاق الإطلنطي ومبادئ روزفلت الأربعة ، مع بيان الممكنات العالمية علي أساسها
وقد غلبت الحماسة للديمقراطية على كتاب الأستاذ أدهم - وإن لم يقصر في الإشارة إلي مآخذها - بينما كان الأستاذ عنان معتدلا في تسجيل العيوب والحسنات ، وفي العناية بالواقع العملي أكثر من المأمول النظري من هذه المذاهب على اختلافها.
وقد وفق الكاتبان - كل في اتجاهه - في إعطاء القارئ العربي صورة مختصرة عن النظريات العالمية الحديثة ، تهديه في تتبع الصراع العالمي ، وتوسع آفاقه النفسية والفكرية في النظر إلي هذا الصراع . وسلك كلاهما طريقا مستقلا بقدر الإمكان في الموضوع الواحد ، فجاء الكتابان - كما قلت - متكاملين لا مكررين ، وضرورين كلاهما للمكتبة العربية .
من سير الرحلات:
ظفرت المكتبة العربية في القرون الوسطى بعدد من كتب الرحلات ، او الكتب القائمة على اخبار الرحلات وعجائب البلدان ، كرحلة ابن بطوطة ، والمسالك والمهالك لابن خرداذبة ، ومروج الذهب للمسعودي ، ونزهة المشتاق للإدريسي ، وعجائب المخلوقات للقزويني . . وكثير من أمثالها .
أما الأدب المعاصر فقد ظل فقيرا في هذا الفصل من التأليف ، والكتب التي الفت فيه هي على وجه التحديد : الرحلة الحجازية للبتانوني بك (ونسلكها تجوزا في كتب الرحلات) و " في صحراء ليبيا " للرحالة المصري احمد حسنين باشا ، و " رحلات ثابت " و " سندباد عصري للدكتور حسين فوزى ، وكتاب عن الصيد في غابات السودان ، لا يحضرني اسم مؤلفه ؛ ثم هذا الكتاب الذي بين أيدينا اليوم للأستاذ الدمرداش محمد المراقب العام للامتحانات .
وهذه الندرة وحدها تكفي لان تجعل للكتاب قيمته ، ولكنه يستمد هذه القيمة - قبل ذلك - من مادته ، ومن طريقته . والدكتور طه حسين بك في تقديمه للكتاب يصفه وصفا صادقا حين يقول :
" هذه الرحلات اليسيرة الخصبة التي أتاحت لصاحبها ان يعرف مصر كما لا تعرفها كثرة المثقفين ، وان يعرف من أقطار الشرق العربي ما لا يعرفه إلا القليلون ، خليقة أن تعرض على الشباب ليفيدوا منها علما وشوقا إلي ان يطوفوا في الأرض كما طوف الأستاذ ، ويرقوا بذلك أخلافهم ، وينقوا ضمائرهم كما فعل الأستاذ.
" وقد عرض الأستاذ الصديق رحلاته عرضا يسيرا بغير تكلف ولا تزبد ولا تهويل ، وإنما هو كلام قريب تقرؤه فتبلغ منه ما تريده وما اراد صاحبه في غير مشقة ولا جهد ، وهو يترك بعد ذلك في نفسك آثارا مريحة حلوة ، تدعو إلى الخير ، وتغري بالجد واحتمال المشقة والجهد في سبيل الخير " .
يستمد الكتاب قيمته من هذا الذي وصفه الدكتور طه حسين بك ، ومن شئ اخر يهمني كناقد اكثر من مادة الكتاب ومن أثرها النفسي والخلقي ؛ ذلك هو الحياة التي خلعها المؤلف على تلك الرحلات في تعبير سهل قريب .
لقد دهشت أول الأمر من العنوان "سير الرحلات" ، ولكنني بعد قراءة الكتاب رأيته أصدق عنوان . فكل رحلة من هذه الرحلات صورت على تفاوت بينها - تصويرا حيا ، كأنها كائن ذاتي ذو سيرة ، ومخلوق حي له قصة ومن هذا الباب يدخل الكتاب في الادب ، لأن التصوير فيه - على بساطته - هو عمل فني بلا جدال.
وللمؤلف روح " الرحالة " وحسه ، ولعل ما يصور هذا تصويرا واضحا قوله في مقدمة الكتاب :
" المقصود في الرحلات هو الطريق نفسه ، وما يثيره في النفس من تأملات ومشاعر وإحساسات في جميع
الحالات والظروف ، في النهار والليل ، في الصحو والكدر ، في السهل والجبل ، في الرخاء والأزمات ، في الصحبة والوحدة ؛ وما يبذله الرحالة في سبيل الوصول إلى الهدف من تفكير وتجهيز وتدبير ، وحل مشكلات وتفادي أخطار ، ومن سفر وإقامة ، وإنزال وتحميل ، ومن ارتقاء ونزول ، ومن تيهان واهتداء .
وإذا كان هناك ما يعاب علي هذا الكتاب فهو طريقة طبعه وحجم ورقه . . إن كتابا عن " سير الرحلات " كان ينبغي أن يطبع طبعا فنيا مشوقا ، لا ان يدمغ بالطابع " اليبري " الثقيل ! وأحسب أنه قد ان للمطبعة الأميرية التي طبع فيها الكتاب أن تسترد مكانتها التي لها يوم كانت أرقي مطبعة في مصر ، فتجعل الذوق الفني جزءا من عملها ، وتخرج الكتب إخراجا حيا يشوق للقراءة ، كما تصنع المطابع الأخرى.

