الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 269الرجوع إلى "الثقافة"

صحيفة النقد :، ١ - سندباد عصري، و، ٢ - سندباد قديم

Share

- 2 -  امضينا أسبوعا سابقا مع "السندباد العصري" فهل قضى هذا الأسبوع مع "السندباد القديم" . ولكننا لن نعبر إليه هذه القرون وحدنا ، فدليلنا في صحبته هو  السندباد المصري نفسه ! وهو دليل حصيف ، مزود بالعلم الحديث ، والكشوف الحغرافية ، والبحوث التاريخية ، فرق ما علمنا عنه في المقال الأول من يقفلة الروح الفنية ، وتنبه الحس والعاطفة .. وتلك جميعها أدوات تجعل رحلتنا إلى "السنداد البحري" في " ألف ليلة وليلة " رحلة

مأمونة وممتعة ، مع دليل أمين !

وقبل أن توغل في هذه الرحلة ، يجب أن نكشف للقراء - مقدما - عن برنامجها واتجاهها ، كما رسمها لنا دليلنا " السنداد العصري " في كتابه " حديث السندباد القديم " .

كلنا قد عشنا مع " السندباد البحري " في جو " ألف ليلة وليلة " فترة من حياتنا - إن لم يكن عن طريق القراءة فعن طريق السماع - وكلما ذاق حلاوة هذه الفترة السائحة في الآحلام ، المحلقة في الجواء ، السارية في البحار . وكلنا قد حبس أنفاسه مع "السندباد البحري" وهو في غمراته المهلكة ، ولحظاته المحرجة ؛ ثم تنفس الصعداء معه وهو ينجو في اللحظة الأخيرة ؛ ثم استراح واطمأن عليه وهو يبلغ مأمنه ؛ ثم عاد يتابعه من جديد في رحلة تجديدة لا بدري ماذا تختبئ له فيها الأقدار !

ولكن أحدا منا لم يحاول أن يخرج من جو الأحلام ،

ويتخرج معه السندباد . نعم لقد حاول كثير من الباحثين - معظمهم من المستشرقين - أن يبحثوا عن تاريخ قصص ألف ليلة وليلة وأن يقيموا تدرجها ، وأن يفحصوا عن الخصائص التاريخية والعقلية واللغوية التي تؤيد في هذا التتبع ولكن هذا كله كان شيئا غير الذي نعتبه ، وهو ما صنعه الدكتور "حسين فوزى " في كتابه الأخير (1)

فوجهة الكتاب كله ، هي الكشف عن المواد الخامة التي صاغ منها مؤلف قصة السندباد البحري هذا القصص الجميل . ثم بيان مدى القدرة الفنية في صياغة هذا القصص الفني من تلك المواد الخامة التي كانت في متناول الجميع إذ ذاك ، فلم يفتقموا بها مثل هذا الانتفاع

وقد بلغنت صفحات هذا الكتاب سبعين وثلاثمائة صفحة استنفذها المؤلف جميعاً في البحث عن أصول القصص البحرية في " ألف ليلة وليلة " دون سائر قصصها ، ثم شاءت له روحه العلمية وتقديره الصحيح لمهمته أن يقول عن بحثه بعد ذلك ؛

" رحلة خيالية في الزمان والمكان ، ثم أفم بها إلا بين الطروس والمحاير ، وصفحات المجلدات القديمة . فكان هذا الكتاب .

" لا هو من العلم كله ، ولا هو من الأدب كله صفته من صفة مادته ، وإقليمه نوعا كإقليمه موضوعاً هو بين العلم والأدب ، كموضوعه بين الواقع والأساطير للعلماء أن يقذفوا به إلى مجامع أهل الأدب ، والأدباء أن يلقوا به في أما يبق العلماء . هو عيال عليهم جميعا

" لو أردته بحثاً علمياً لقاتني من العلوم كثير : تقويم البلدان ، والتاريخ ، " الفولكلور" وعلم اللغات المقارن، وفحص المخطوطات ، ومقابلة النصوص . ولو أردته بحثا أدبيا لأعوزني ما يتحصن به بحالة الأدب من دراسة اللغة : تاريخها واجروميتها وبيانها وبديعها ، واضطلاع

كامل بآدابها ، وفهم للهجات ، وموازنة للأساليب :

" لم يبق لي بين هذا وذاك غير شيء من العلم بالبحر واحيائه وامواجه وتياراته وقيعانه وجوه وشواطئه ، وحب صادق له ، واطلاع عام على الأدب الخاص به ، وخبرة شخصية ببعض أرجاء البحر الشرقي الكبير ، موضع  عناية البحريين والحغرافين وكتاب العجائب وأرباب القصص ممن الفوا في العربية بين القرن التاسع والقرن الخامس عشر الميلادي .

" ليس زيفا في التواضع أن أقول ما أنا قائل ، هي الحقيقة الصراح أن من يتصدى لمثل موضوع هذا الكتاب لا يمكن أن يكون رجلاً واحداً ، إلا أن يجمع في واحد ما عددناه من أبواب العلم والمعرفة .

" واتساع المعارف في عصرنا لم يعد يسمح بالشخصيات الإنسيكاربيدية" ،

وتقرأ هذه الفقرات في نهاية الكتاب بعد أن تري الجهد الكامل المبذول في ثناياه ، فيروعك هذا التخرج الكريم وتكتمل لك الثقة بهذا الدليل الأمين . ثم يمن  لك أن تغتبط بأن المؤلف لم يكن غير ما كان ! فلقد كان "السندباد البحري" مع قصصه الجميل خليقا أن يختنق بين يديه لو كان من العلماء المحضين للبحث العلمي . كما كان خليقا أن يقوته هذا الكشف والتوضيح لو كان مؤلفنا فنانا فحسب يعيش في جو الأحلام

هذا كتاب لابد منه بين بين ، فالحمد له على أن فيض له مؤلفا بهذا الاستعداد !

ولكنا لم نفصل ما أجملنا من برنامج الكتاب واتجاهه قامت القصص البحرية في كتاب ألف ليلة وليلة وهي بحسب تدرجها وأكتمالها في استيفا صفة " القصة البحرية " : " القرندلي الثالث . حسن البصري . عبد الله البري وعبد الله البحري . السندباد البحري " علي أسس من الخرافات والأساطير ومن الحقائق والوقائع ، التي كانت

متعارفة في زمن تأليفها عن البحار الشرقية ، وكان فضل مؤلف هذه القصص ، هو حسن استخدام هذه الخامات المتعارفة وصوغها في القالب الفني الذي تتجلي فيه مقدرته .

هذه هي الحقيقة الأولى التي يريد مؤلف "حديث السندباد القديم " شرحها وإثباتها . وهي في صورتها هذه قد تبدو مهمة سهلة ، أو تبدو جدواها قليلة ، ولكن هذا الفهم أو ذاك خطأ لا شك فيه ، وخطأ مبعثه الأول هو حسن العرض والتلخيص لهذه الحقائق الكبيرة . وكثيراً ما يجني تيسير الحقائق وحسن عرضها على تقديرها في عيون الناس ؟ !

فأما أنها مهمة سهلة فلا . فلقد استغرقت غربلة الحقائق والأساطير التي كانت شائعة بين القرن التاسع والقرن الخامس عشر عن البحار الشرقية في كتب الرحلات وكتب الجغرافية وكتب العجائب ثمانية وسبعين ومائة صفحة من الكتاب ، يبدو فيها الجهد الواضح في مراجعة عشرات من هذه الكتب ، وفي تعليل الأساطير التي كانت تروي عن الظواهر البحرية إذ ذاك تعليلا علميا ونفسيا .

وفي هذا التعليل كانت تبدو من المؤلف روح العطف على الإنسانية الجاهلة المستهولة لعجائب البحر في ذلك الزمان ، وهذه الروح هي التي يلذ للقارئ أن يتابعها ، وأن يلمح الفنان من ورائها كما يلمح العالم في كيان رجل واحد بنظر بعين تجمع بين السماحة والدقة ، وبين العلم والفن.

وهي تتجلي في تتبعه وتعليله للحقائق والأساطير حول "الرخ ، والتنين ، وشجرة الوقواق ، وجزائر النساء ، وبنات الماء ، وشيوخ البحر ، والدر واللؤلؤ ، والعنبر والبال " . تلك التي وردت في القصص البحرية في ألف ليلة وليلة ، كما وردت في كتب العجائب والجغرافية سواء بسواء . وطريقته في تمحيص هذه الحقائق والأساطير هي كما يقول : " المفروض أن كتاب " عجائب الهند " وكتب القزويني والتاجر سليمان وغيرها تقرر وقائع لا أن تجمع خرافات .

ولكن بعض الحوادث أو الوقائع التي تذكرها تلك الكتب صعبة التصديق ، إلى حد يبعثنا على الحذر في الحكم عليها . وهذا الحذر يجب أن يكون ذا حدين ، فمن أسهل الأمور علينا أن تهمل ما لا نصدقه ، ونطرحه جانبا على أنه خرافة أو مغالاة ، كما أن من أسهل الأمور على العوام حينما يسمعون بتلك الوقائع أن يصدقوها ، وأن يعملوا على إذاعتها . إلا أننا إذا اتجهنا هذا الاتجاه أخطأنا فهم الكثير مما توارد على ألسنة الرحالة والجغرافيين ومؤلفى كتب العجائب من العرب وغيرهم . .

" فلا أقل من محاولة فهم الواقعة أو الخبر المعروض أمامنا عنها . وإلا فلنلق بكل تلك المؤلفات العربية في النار ، وهو ما يكاد يفعله المعاصرون من أهل الغيرة على الشرق حين يقتصرون من الآداب العربية على الاهتمام ببعض الشعر والرسائل والنثر المسجع وغير المسجع ، تاركين المستشرقين مهمة نشر طائفة هامة من مخطوطات المكتبة العربية وشرحها وتصحيحها ، وهي تحوي ما لا يقل عن ثلاثة أرباع تراث العالم من الحضارة الإسلامية .

" وأصدق الحذر وأجداه في رأينا أن نفرض أولا الصدق فيمن وضعوا وجمعوا وألفوا كتب المسالك والممالك . والعجائب ، والرحلات ، منذ القرن التاسع حتى القرن الرابع عشر الميلادي ، وأن نضع أنفسنا موضع هؤلاء الكتاب الذين لم يصل إلى علمهم ما تناهي إلينا من معرفة بالظواهر الكونية ، والمخلوقات التي تعيش في الهواء أو فوق سطح الأرض ، أو في طبقات الماء ..

"إن خبرتى الشخصية بالأثر الذي تتركه في النفوس بعض ظواهر الحياة البحرية حتى عصورنا المتقدمة ، عصور العلم والعرفان ، وصلتي بالصيادين في أكثر من ساحل ، وسماعي بأخبار البحار وسكانها من من أفواههم ، بل من أفواه بعض المتعلمين ، واطلاعي على أحاديث البحار وفي كتب القدماء والحدثين .. كل هذا عودني أن أكون أكثر تسامحا وأقرب فهما

لحكايات البحريين في القرون الوسطى ، وسبيل ألا أحكم على الأسطورة البحرية بالكذب ثم أنام هادئا ، إنما أضع نفسي موضع من رأي الحيوان أو الظاهرة الكونية.

وأن أكيف عقلي تبعا لعقليته ، فأستعرف ما يعرف ، وأتجاهل ما يجهل ، ثم أحاول أن أتصور أثر المنظر الغريب في نفس العربي أو الفارسي من أهل القرن التاسع . ذلك مجهود ذهني غير يسير ، ولكنه قليل بالقياس لما أحصل عليه من نتائج حين أكشف الواقع خلف الأساطير ".

وهكذا استطاع المؤلف أن يطلعنا على ما كان رائجا هذه العصور عن البحار ، وتتبع نشأته وتطوراته ، وفرز الحقائق ، وعلل الأساطير بما كان يتراءي من الظواهر الكونية وما يعلمه الناس عنها ، وما يخيل لهم حين يرونها ، وما يغريهم بالزيادة فيها ، وفي خلال ذلك رد إلينا التاع بما سماه بحق " ثلاثة أرباع تراث العالم من الحضارة الإسلامية " .

حتى إذا انتهى من عمله الأول في هذا كانت الحقائق والأساطير التي حوتها القصص البحرية في ألف ليلة وليلة مكشوفة أمامنا ، وكان منهج مؤلف هذه القصص معروفا لنا . فنحن نعلم من أين استقي مواده الخامة ، وكيف صاغها ، فنستطيع إذن أن تحكم على عمله حكما فنيا مستكمل الأدوات والأسانيد . وهذه هي قيمة الجزء الثاني وجدوي كشف المواد التي صاغ منها المؤلف عمله كفنان . ولكننا لا نخرج بهذا أو ذاك وحده من " حديث السندباد القديم " .

إن المؤلف وهو يعرض لنا صورة البحر في نفوس الرحالة ومنهم الشرقيون ومنهم الغربيون قد كشف لنا من حيث شاء أو لم يشأ عن وحدة الإنسانية في استهوال الطبيعة ، وفي خيالاتها وأساطيرها الناشئة من هذا الاستهوال ، فليس الإغريق وحدهم هم الذين يصوغون عذارى البحر ومفاتن الطبيعة ، بل إن للشرقيين كذلك عرائس بحورهم ومفاتن طبيعتهم . والإنسان هو الإنسان - على اختلاف في ألوان الأحاسيس - حينما يقف أمام

الطبيعة المهولة ، يحس بكبرها وعظمتها ، فلا تغنيه الحقائق المحدودة في إشباع إيمانه بها وتقديسه لها ، فيفسح لخياله العنان ، ويرضى بذلك شعور الاستهوال والاستعظام .

وإن المؤلف - وهو يحاول تلخيص وعرض القصص البحرية في " ألف ليلة وليلة " -  كشف لنا عن موهبة قصصية في نفسه ، ولا أبالغ إذا قلت إن تلخيصه وعرضه قد أبدي لنا هذه القصص في صورة لا تقل عن صورتها في ألف ليلة وليلة ، بل إنها لتفوقها أحيانا . وإني لأكاد اقترح عليه أن يفرغ لعرض ألف ليلة كلها في مثل هذا الأسلوب على مثال ما صنع " تشارلس لام " في قصص شكسبير ! وإلا فليدع لي أن أسرق الفكرة وأخرجها لحسابي الخاص ! وأمر ثالث يلاحظه من قرأ " سندباد مصري " ثم عاد يقرأ " حديث سندباد قديم " ذلك أن الأسلوب في الثاني أصح وأقوم ، وقد خلا من الترخص في التعبير الذي لوحظ بعضه في الكتاب الأول ، وخلا من الأغلاط التي كانت تضايق هناك ، لأن تخزي الصحة فيها كان مستطاعا بجهد ضئيل.

وأخيرا يجب أن نقول : إن لنا أن نسجل لا مجرد تقديم كتابين للمكتبة العربية ، بل تقديم كاتب بأكمله إلى هذه المكتبة ، له خصائصه البارزة ، وله مقدرته التي لا شك فيها ، في نوع خاص من التأليف .

اشترك في نشرتنا البريدية