-1-
في قرارة كل نفس إنسانية " سندباد" او شعرة من " السندباد" ولو لم يطوف مثله في بحار الأرض ويتعرض في طوافه لشتي الأخطار!
فمن هو "السندباد البحري" في حقيقته ؟ إنه المخلوق الإنساني الذي يناديه المجهول فيلبيه ، ويجذبه الخطر فيستجيب إليه ؛ وبتعرض للأهوال الشداد الجسام في كل رحلة من رحلاته ، ثم يبلغ مأمنه بعد الاياس ، ويسترد ثروته بعد الفقدان ولكن المجهول يناديه والخطر يجذبه إليه ، فما يلبث ان يودع الأمن ، ويستصغر الثروة ، ويعود إلي المجازفة من جديد ؛ وراء ذلك المجهول المحجوب ، وخلف هذا الخطر المحبوب!
ذلك هو السندباد كما تصوره " ألف ليلة وليلة" ؟ فاية نفس إنسانية ليس فيها من هذا " السندباد " شعرة أو شعرات ؟ ! من منا لم يجذبه المجهول مرة او مرات ، ولم يسنهوه الخطر لحظة أو لحظات ، ولم يستعذب " المعرفة " ولو كلفته التضحية والتضحيات ؟ كل منا فيه من هذا " السندباد" شعرة ظاهرة أو كامنة ؛ ولكنها هي التي تربط الإنسانية بالعالم الارفع ، عالم "المعرفة " في عليين وكم من "سندباد" ظاهر قاد كولمبوس ، وفاسكودي جاما ، وماجلان ، وابن بطوطة ، وسواهم ؛ وكم من "سندباد" خفبي قاد العلماء والمخترعين إلي آلاتهم ومعاملهم ، وقاد الفلاسفة والفنانين إلي مغامراتهم الفكرية والوجدانية ، وقاد المتصوفة والعباد إلي شطحاتهم وسبحاتهم ؟
إنه" سندباد " واحد تتعدد مظاهره وتوازعه في شتي النفوس ، او " سندبادات " كثيرة موزعة في هذه النفوس ، التي تركب الخطر وتستلذ المجازفة ، وهي تلقي بوعيها كله أو بعضه إلي ذلك النداء السحري ، نداء المجهول الذي يهتف بها من هناك...
والدكتور " حسين فوزي" هو "سندبادنا " اليوم وهو رجل ندب لرحلة علمية في البحر الاحمر والمحيط، وقد طوف -مع البعثة - على باخرة مصرية طيلة تسعة اشهر ، في البحر والبر ، في الجزر والقارة ، وزار معابد الهند وسيلان وسواها من الجزر المنشورة في المحيط . ثم عاد .
ولحسن الحظ كان " الإنسان " في هذا الرجل أكبر من الموظف الذي ندب لعمل رسمي ، وأكبر من العالم الذي وجه لمهمة علمية . كان " فنانا "فلم يضع هذه الأشهر التسعة في الدراسة العلمية البحتة ، بل ادي واجبه ثم بقيث في نفسه بقية لما هو اكبر من هذه الدراسة وأبقى ؛ وعادت البعثة وملء وطلبها تجاربها ومعلوماتها ودراساتها ؛ ثم عاد هو وملء وطايه الخاص ملاحظاته الإنسانية ، وانفعالاته الوجدانية ، واستجاباته العاطفية ، وتجاربة النفسية ، فأودع ذلك كله كتابه "سندباد عصري" الذي نتحدث عنه اليوم .
يقع هذا الكتاب في 283 صفحة من القطع المتوسط ، مقسمة إلي أربعة اقسام " عبث . وصور . وجسد ومشاعر " وتحت كل قسم من هذه الاقسام الأربعة فصول يجمعها العنوان .
وخلف جميع العنوانات والفصول يطالعك إنسان حي الوجدان ، متوفر الحس ، مفتوح الحواس ، ينظر ، وينفعل ، وبيستحيب ، وتشترك ثقافته العلمية ، وقراءاته الأدبية ، وتجاربه الفنية ، في تلوين ما تري عينه من
مناظر ، وما يجيش في نفسه من احاسيس ، وما يصدر عنه من ملاحظات ؛ ولا يعوزك ان نلمح ريشة الفنان، تسجل هذا كله في بساطة ويسر ووضوح ، وبلا تكلف إلا في النادر ، وبلغة سهلة صحيحة إلا في مواضع قليلة لم يكن من العسير تحري الدقة فيها ، وكان من الخير تحريها.
وليس من الضروري ان توافق" السندباد العصري" في آرائه واحاسيسه واتجاهاته لنؤدي له هذه الشهادة ، فنحن - على العكس - نخالفه في أساس اتجاهه الذي يعلن عنه " إهداؤه " في صدر الكتاب حين يقول :
"درجت على حب الغرب ، والإعجاب بحضارة الغرب ، وقضيت اهم ادوار التكوين من عمري في أوربا ، فتمكنت اواصر حي ، وتقوت دعائم إعجابي ، فلما ذهبت إلي الشرق ، عدت إلي بلادى وقد استحال الحب والإعجاب إيمانا بكل ما هو غربي"
نحن نخالفه في هذا " الإيمان بكل ما هو غربي ، وفي زرايته على الشرق وعاداته واساطيره ودياناته ( غير الإسلامية والمسيحية ) وسنناقش منه هذا الاتجاه...
ولكنا - مع هذا - يعجبنا فيه الانسان الحى الوجدان ، والفنان المفتوح العين والحس والضمير ، وإنه لحسبك ان تجد " الإنسان " في أي مخلوق ، ثم ليكن له بعد ذلك ما يكون من الآراء والاتجاهات ، فستجد عنده مادة إنسانية تستحق العناية والاهتمام وهذا هو المطلوب - قبل كل شئ - في كتاب يقرؤه الناس في حدود " الأدب الخفيف " الذي يمثله هذا الكتاب.
وأنت تخالف " السندياد العصري " أو توافقه في اتجاهاته العامة ، ولكنك ستعجب به ، وهو يحدثك عن " مشمشة " قطة السفينة ، حديث الإنسان العارف بقدر الحياة فيشعرك بالتعاطف الإنساني بينه وبينها ، هذه " المشمشة" التي عادت إلي مصر ضمن من عادوا إليها بعد ان طوفت معهم تسعة اشهر في طول المحيط الهندي وعرضه ، ونشرت صورتها على صفحات الجرائد ، فلم
تزدها الشهرة خيلاء علي خيلاء ، ولم تزدها رؤية الأمصار ثروة او خبرة ، بل ولم تمكنها هذه الحياة من انتقاء عريس صالح بين هررة سيلان او قطط زنجبار أو سنانير الهند . عادت إلي مسقط رأسها في السويس عذراء ذهبية الشعر اوفت على سن الزواج ، وقد غادرتها طفلة في لون الحناء ؟ !
أو حين يقف بك في هذه السفينة نفسها بعد انتهاء الرحلة وتفرق الركب وخواء المكان ، فيحدثك حديث الشاعر الذي يخلع الحياة على الجماد وعلى الذكريات فتنبض وتتحرك وتستجيب.
" لقد عاد كل منهم إلي وطنه وعمله ، وعادت سفينتنا في نفوسهم ذكري يزيدها الزمن ائتلافا ، ولكنهم تركوني هنا وحدي ، كالشاعر البدوي ، ابكي فوق الدمن واستبكي الرائح والغادي : تركوني أجوس خلال هذه القمرات والمعامل ، فتتألب على اشباح ذكراهم حتى لاخال نفسي شبحا بين الأشباح
" إيه أيتها السفينة إيه أيها الحواد الأشهب ! " هل قدر لنا أن نبوء بحمل الذكري ؟ أو اننا سوف نعود سويا إلي خوض البحار النائية ، حيث الموج اصطخاب وهدير ، وللإعصار صرير وصفير ؟
أو حين يتحدث عن " حياة البحار" فينقلك نقلا إلى جو هذه الحياة ، أو حين يقف بك على "متني الزعيم "، في سيشل فتحس نبضات القلب المصري ، وخفقات القلب الإنساني تلقيان في خلال الكلمات. أو حين يتحدث عن " غادة ممياسا " في فصل " نسائيات " فتلتقى بالفنان الحي الذي يعبد الحياة في اجمل اوضاعها . . في جسم فتاة مكتمل جميل ، تزينه الأنوثة ويحمله الحياء ويرفقه الاحترام . أو حين يقف أمام تمثال " بوذا " فيبدو لك المفكر الحر الذي يستروح في " البوذية شذا الحرية والبساطة والسماحة ، بعد ما كاد يختنق تحت كابوس القيود والتعقيد والتشدد في " الهندوسية " التي تخيفه
وتفزعه وتطلقه ساخطا علي الشرق كله في بعض الأحيان!
وهنا يصل بنا الحديث إلي مفرق الطريق بيننا وبين " السندباد"!
أنا لا أعرف المؤلف ، ولم أره ، ولم أشهد صورته كذلك ، ولكني أستطيع أن أستشف من كتابه أنه فنان شديد الحساسية عصبى المزاج . ومن عادة هذا الصنف من الناس أن تستغرقه اللحظة الحاضرة ، وان تستفزه المشاهد المثيرة ، وان يفزع من الضغط والكبت ، وان تمتد ثورته من طرف الشئ إلي بقية الاطراف.
هذا الفنان الشديد الحساسية العصبي المزاج " قضى أهم أدوار التكوين من عمره في أوربا "، فبهرته الأضواء ، وأعجبته الحيوية ، وراقه النشاط ، ولذله الانطلاق . ثم " ذهب إلي الشرق" وإلي الهند بوجه خاص ، فالتقي هناك بالوجه الثاني للدرهم ! الزهد والصوفية ، والصمت والسكون ، والكبت والحرمان ، والوراثات والعقائد... رهان كل ذلك ، لولا ان الحياة الاجتماعية تبدو في اشنع الصور ، وأحط الدركات : العربي والجوع والقذارة وظلم الطبقات : النجاسة المنبوذين ، والتقديس للبراهمة . إلي آخر المناسك والتقاليد والأوضاع . وبعد ذلك كله الخوف الديني الموعل في المعتقدات حول تناسخ الأرواح وما تلقاه في أطوار التناسخ من العذاب للتكفير عن السيئات ...
لم يكن هناك مفر بعد هذا كله - لمثلي صاحبنا السندباد- من السخط على هذا الشرق التاعس ، والهلع من اشباح الخوف الكامنة في هذه المعتقدات . ومن " الإيمان بكل ما هو غربي كما يقول في إهداء الكتاب.
فإذا شاهد راقصة في كرانشي " ترقص رقصا توقيعيا لافن فيه " صاح : " جليلة هي هذا الشرق الطويل العريض الفارغ . هي تلك الشعوب التي ما زالت تفكر وتحس بإحساس القرون الوسطى ، ونصر علي حسبان بواقي
حضارتها البائدة لاملكا للتاريخ والمتاحف بل اداة للحياة حتي في القرن العشرين " !
وإذا شاهد صخرة " ما ها بالي بورام " وقد نحت فيها فنان شرقي تشخيصا لاسطورة ، نهر الكنج المقدس وقد أقبلت الأناسي والحيوانات من كل فج تشهد ميلاد التبع المقدس في صوفية وخشوع جعل يقول :
" لو أن نحاتا إغريقيا أعمل أزميله في هذه الصخرة تحت شمس "أتيكا " ! ويحي لقد افسدت الصورة التي طبعتها في ذاكرتي" ما ها بالي بورام " وافقدتها كل معانيها في نفسى، فلم يكن الإغريقي ليصور نبعا مقدسا ، بل كان في الأغلب ممثلا " ارفيوس " في الشق الأوسط وهو يوقع على قيثارة المعجب وحوله الإنس والجن خاشعة.. . الخ"
وإذا شاهد فيلما هنديا يمثل الروح الهندية المتسامحة التي تنتهى من الصراع على الحقوق الخاصة إلى الزهد في أعراض الدنيا والاتجاه إلي عبادة الروح الأعظم قال : " أدركت ناحية من نواحي الضعف في بعض الحركات الروحية حين تدخل ميدان السياسة العملية ؟
وإذا سمع زميله الإنجليزى يقول عن "النيرفانا " أي الفناء في الروح الأعظم- وهو الغاية التي يطمح إليها الهندي من وراء حرمانه وآلامه : " دعنا من هذا فلا قبل لي بهذا الهجص وتلك الشعوذة ياعم حسن " لم يحد في نفسه آية حماسة للرد على الكلام . وهكذا مما قد يبالغ فيه فيصل إلى حد الزراية والسخط الشديدين على الروح الشرقية بوجه عام.
ومهما افترضنا للسندباد من الأعذار في قسوة الأوضاع الاجتماعية والمظاهر البائسة التى شاهدها في الهند فقد كنا نرجو أن يكون أوسع أفقا وأكثر عطفا وأعمق اتصالا بروح الشرق الكامنة وراء هذه المظاهر والأضاع ، الروح الصوفية المتسامحة المشرقة بدور الإيمان
ونحن لا ندعو إلى الروحانية السلبية ، ولكننا ندعو فقط إلى فهمها والعطف عليها وتقديرها من الوجهة
الإنسانية . فالغربي معذور حين يغلق حسه وفهمه دون روح الشرق الأصيلة ، أما الشرقي فلا عذر له في هذا الإغلاق .
إنه يقول عن لوحة الكنج المقدس : " لم يكن الإغريقي ليصور نبعا مقدسا . . الخ " أجل ! وهذا هو مفرق الطريق بين الشرق والغرب . في الشرق قداسة تمت إلي القوة العظمي المجهولة ، وفي الغرب جمال يمت إلي المشهود الحاضر المحسوس . وليس لي ان افضل هذا او ذاك ، فكلاهما جانب من جوانب النفس الإنسانية الكبيرة التي تهش لكليهما على السواء ، إن لم تؤثر في حسابها الروحي والفني جانب المجهول على جانب المشهود .
وهو يسخر بعقيدة " النيرفانا " كسخرية زميله الإنجليزى الذي يقول : ما كنت أحسب ان دينا يعد بنعمة الفناء ! ووجه الخطأ هو اعتبار " النيرفانا " فناء . إنها كذلك في نظر الغربى الذي يصارع الطبيعة وينعزل عنها ، فأما الهندي الذي يحس بنفسه ذرة منسجمة مع الطبيعة ، وبعدها أما رؤوما فيري في فنائه في القوة العظمي حياة وبقاء وخلودا . وعلينا ان نفهم هذا ونعطف عليه ولا نراه بعين الغربيين . وهو يبدو في أرفع صورة في " سادهانا تاجور ، فلنقف خشعا أمام هذا السمو الإلهي ولو بعض لحظات ! !
وهكذا يجب أن نجاوز مظاهر الجيل وأوضاع الاجتماع ، لننقذ إلى قلب الشرق وإنا لواجدون فيه كثيرا من الكنوز الروحية التي تنقذنا من قسوة الحضارة الآلية التي تخنق أنفاس الإنسانية في هذا الزمان. الحضارة الآلية التي لا قلب لها ولا ضمير ، والتي تنسجم في أصولها مع روح الغرب كل الإنسجام
أيريد الدكتور أن أضرب له مثلا على سطحية الروحانية في نفوس الغربيين المعاصرين وضحولة القداسة في قلوبهم ؟ إنني إذن أدعوه ليعاودنى في كتابه نفسه قراءة صلاة الراهب الإنجليكاني بالبعثة ، هذه الصلاة التي سبقتها الكؤوس ثم
اعد الكلوب ليكون مكانا للصلاة حتى إذا انتهت عاد المصلون للكؤوس ... مع ما أحيطت به الصلاة من رسميات . فقد انقلبت كل شئ حتى الوجدانيات إلى رسميات!
أخيرا فإنها مرة واحدة هي التي ارتفع فيها المؤلف إلي القمة في " شجرة البودي المقدسة " وهو يقف أمام الزنجى عابد " البوذا " فيحترم عقيدته التي أحالته روحا علوية وهو الزنجي الذي يقوم بعمل الحمار . . لقد كان " السندباد " هذا " إنسانا كبيرا يستحق الإجلال.
ثم أكرر ما قلته من أن الاتفاق أو الاختلاف لا يغير شيئا من الحكم على قيمة الكتاب ، وهو كتابه يضاف إلى المكتبة العربية في حفاوة وإعزاز في مقدمة الكتب الخفيفة بلا جدال .
