الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 700الرجوع إلى "الرسالة"

صداح النيل, أنغام وأسرار

Share

(مهداة إلى صاحب السعادة الأستاذ عزيز أباضة باشا،  لمناسبة عودته من مصيفه بلبنان)

على النيل صداح الأغاريد ساحر ... لعذب أغانيه تحن المزاهر

له في ظلال الأيك عش منغم ... موارده مخضلة والمصادر

يظل به ما بين غاد ورائح ... تماسيه أطياف المنى وتباكر

إذا ما تغنى ردد الطير شدوه ... ومالت بأنسام الأصيل الأزاهر

وهدَّأت الأمواج في النهر جريها ... يجاذبها من لذة الصوت آسر

ورجعت الشطئان أصداء لحنه ... ففي كل شط قبنة ومزامر

أشاعر وادي النيل هل أنت سامعي

                      وهل أنت للشادي المقصر عادر؟

أعدت إلى ملك القريض مكانه ... فعاد وعدنا بالقريض نفاخر

مضت فترة من بعد شوقي كأنها ... على الشعر ليل مظلم الأفق عاكر

تعاجم فيها بالنظيم جماعة ... وأثخن فيها بالجراح معاشر

يقولون بالتجديد، ضعف قريحة ... وعجمة أسلوب، به إلى ظاهر

وعندهم التجديد شكوى وآهة ... وبَرْح هوى فيه التخنث سافر

فكلهمو في الشعر مجنون عامر ... ولو عاصروه طلق الشعر عامر

أمير القوافي جبت لبنان زائرا

                       فهل حل في لبنان مثلك زائر؟

كأني بتلك الشامخات تحركت ... للقياك ترحيباً وراحت تساير

وبالأرز قد مالت عليك غصونه

                    كما انسدلت خوف الحرور الستائر

ويارب سفح كالبساط منضر ... مشيت عليه وهو بالوشى زاهر

يخصك بالإعجاب حيث تخصه ... فما أنتما إلا فؤاد وناظر

يقول أهذا قيس لبنى بعينه ... ولُبناه؟ أم حلم على الأرز عابر

فيا سعد لبنان، تملأ قلبه ... بقربكما منه وقرت نواظر

رأى الحسب الوضاح يسطع نجمه

                       مع النسب العالي، فنعم الأواصر

عزيز! كتمت الحب، لكن هاتفاً

                      من القلب ناداني فرحت أجاهر

وما أنا والمدح الذي إن أردته ... نهاني علمي إن باعي قاصر

أنابغة الأشعار هل أنت سامع

                     لشعري؟ وهل صدقت أني شاعر؟

لمن هذه القطعة الساحرة ... توقعها روحك الشاعرة؟

وكيف جرت فوق هذا البِيان ... أنا ملك الحلوة الناضرة؟

وما كنت أعلم يا فتنتي ... بأنك مفتنَّة قادرة

تُصور بالنغم العبقريِّ ... كما ترسم الريشة الماهرة!

كأني أرى مخدعاً للغرام ... تقوم به غادة ساهرة

مدلهة أسلمت نفسها ... لنشوة إحساسها الغامرة

تعانق أطياف معشوقها ... وتلثم أصداءه الطائرة

تضم يديها إلى صدرها ... كقديسة برة طاهرة

وتهتف في وَلَهٍ ضارع ... وفي لهفة بالجوى زاخرة:

ظمئت إلى الحب يا ساحري ... فأين إذن خمرك المائرة؟

وصرت كريحانة تشتكي ... بصحرائها وقدة الهاجرة

فأنزلْ عليها نداك الرطيب ... وأطلع لها شمسك الباكرة

على وجنتيك شعاع يرف ... وفي مقلتيك رُؤى باهرة

وثغرك يبسم في رقة ... ولكنها رقة آسرة!

وصدرك يهتز مثل الغدير ... تداعبه النسمة العابرة

وروحك تسبح مثل الفراش ... ترفرف في الليلة النائرة

ويغمرني منك سحر عجيبْ ... به دفء أنفاسك العاطرة

وعيناك تخترقان الأثير ... إلى جنة بالهوى زاهرة

أراك بها جد مسحورة ... فيالك مسحورة ساحرة!

لقد ذاع سرك يا فتنتي ... أذاعته أنغامك الثائرة

فلا تحزني إن سر الهوى ... أذاعته أشعاري الحائرة

هو الفن يُظهر ما في الضمير ... ويترك أسرارنا سافرة!

اشترك في نشرتنا البريدية