(لم تكن إلا مرات معدودة جلست فيها إلى فقيد مصر العظيم ثم هأنذا أعاني من الفجيعة فيه كأنها فجيعتي الخاصة. . . فيا ويح لأولئك الذين عاشروه، فأحبوه. ووارحمتا له كيف يعيشون. . .؟)
.جَفّ الرثاء بخاطري المفجوعِ ... وَصَمتُّ لا أُفضي بغير دموعي
إني ذهلتُ عن المصاب بوقعه ... حيناً، ذهول الواهم المخدوع
فضللت أُنصت للرجاء، وأتّقي ... صوت اليقين الفاجع المسموع
أيموتُ؟ كلا! لا يموت وهذه ... مصر تُرجَّي نجمه لسطوع
أيموت والأحداث تهتف باسمه؟ ... أتكون تلك هُتَافةَ التوديع؟
قُل أيها الناعي سواه، فما أرى ... أني - وإن جاهدتني - بسميع!
واويلتاه! أئنها لحقيقةٌ ... جلّتْ عن الإيجاف والترويع؟
صمت الذي قد كان ألحن حجةً ... وتحدثت طعناته بنجيع
متفجرات بالدماء كأنها ... كلماته في قوة ونضوع
كلماته الللائي نبضن بقلبه ... ودماؤه من ذلك الينبوع
يا واهب الوادي مَربع حياتِه ... ما بال عمرك لم يكن بمريع؟
يا مانع الوادي العزيز بنفسه ... ما بال عمرك لم يكن بمنيع؟
خطفتك عادية المنون وخلفت ... وطناً يعالج سكرة المصروع
لخلا مكانك ليس يملأ رحبه ... إلا الأسى وتفُّجعُ المفجوع
لخلا مكانك والبلاد تهيأت ... تخطو إلى أفق رسمتَ وسيع
وتلفتت تصغي لصوتك هادياً ... في المدلهمَّ ورأيك المسموع
فصمتَّ - ياللهول - صمتة واجم ... ماضٍ لغير تأوُّب ورجوع
واهاً لمصر ويا فجيعة أهلها ... في الرائد المتفرَّدِ المتبوع!
طريقي إلى بيتي؟ نعِمْتَ، طريقي ... إلى خير محبوبٍ وخير رفيق
طريقي إلى دنيا غرامٍ ونشوة ... وفردوس أرض ناضر وأنيق
وهيكل تفكيري، وقدس عبادتي ... وآية توفيقي، وكنز حقوقي
تقلبت في عيني كريهاً معبّساً ... وكنت تلقَّاني بوجه طليق
شجيراتك اللفاء تُقعي كأنها ... أفاعٍ على أذنابها بمضيق
نهارك مغبرٌ، وشمسك سمجة ... كأن شروقاً فيك غير شروق
وجوك خنّاق أَبيتُ لثقله ... بأنفاسِ مضغوط الضلوع خنيق
كذا أنت مذ جازت سراتك في الضحى
... جنازة زوجي، زوجتي وصديقي
تسير وئيداً للتراب، وخلفها ... أنا الأرمل الباكي أجرَّر سوقي
طريقي! لقد جازتك أيام أنسنا ... بخطوٍ له حلو الأناة رشيق
فما لك، قد مرَّتْ عليك حميلةً ... ولم ترتجف زلزالَ غير مطيق
طريقي! ومازالتَ الطريق، وإنما ... إلى وحدتي من بعدها وحريقي
إلى البيت مبناه، وأما صميمه ... فكالقبر مكشوفاً وغير سحيق
طريقي، طريقي! كل دُورك ظلمةٌ
... بغير بريقٍ - وهي ذات بريق
إذا سرت فيك اليومَ سِرْتُ كأنني
... جنازتها - نحو الحِمام طروقي
قطعتَ، فأوْصِلْ شائقاً بمشوق
... وإلا، فتَعْساً لي، وتعس طريقي

