الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 237 الرجوع إلى "الثقافة"

صديقي الدكتور محمد عوض . .،

Share

رأيتك البارحة تسير في الطرقات وأنت تحمل من الملابس ما لو حمله غيرك لعد من أبناء الشعب ، وأنت لست من أبناء الشعب ؛ فأبناء الشعب هؤلاء يا سيدي من طبقة أخرى غير طبقتك ، هم أعضاء محلات الرواد ، ونادي كوبري الليمون ، ومؤسسة الزفاف الملكي ، ونحن وأمثالنا وأضرابنا ونظائرنا .

رأيتك يا سيدي تسير لابسا قميصا من القماش الأبيض الرخيص ، له ثنية متصلة به عند الرقبة ، وعنقك يطل على الشمس والهواء دون أن يحجبه برباط ( كرافته ) ودون أن تستره الثنية ( الياقة ) ؛ ثم كنت تلبس سراويل رمادية اللون ، وسترة بيضاء مصنوعة في مصر ، بينما السترات القيمة ينبت صوفها في استراليا وتنسج في إنجلترا ؛ وهي

أشياء لا يخطر ببال واحد من أمثالنا أبناء الشعب أن يفكر فيها ، ناهيك بالتطلع إلى الإنزار بمثلها !

ثم كنت تلبس نعلا لا يخلى سوى ما بين قدمك والأرض ، وأما ما عدا ذلك فترك قدمك تري ما تريد وتلمس ما تريد ، وأصابع قدميك مكشوفة لا يسترها شئ ، تداعب الشمس والهواء كما تشاء ، وتطل على الناس من كل جانب .

حقا أن كل هذه الأشياء كانت نظيفة يدل مظهرها على العناية التامة في التنظيف والكي والتلميع ، وأن ما يلامس جسمك منها يستريح إليه الجسم من غير قيد أو ضيق ، فيها من الطراوة واللين ما يحبب الجسم في اللباس ؛ وما يجعله يستريح إلي هذا اللباس في الجو الذي نعانيه في القاهرة .

فكيف تجرؤ يا سيدي على أن تمتع جسمك بمثل هذه الحرية ، وتجعله يستخف بحر القاهرة إلي هذا الحد ! كيف

تستطيع يا سيدي ان تنسي رباط الرقبة مع القميص ، وقد خلق هذا الرباط يضغط على أعناقنا بحيث نصبح نستجدي الهواء للرئتين استجداء ، من أين لك الشجاعة في الارتداء بالقماش الأبيض القطني الرخيص المصنوع في مصر ، بينما الطبقة التي تنتمي إليها تزدري هذه الأشياء ازدراء ؟ !

ماذا ! أهي مناورة منك يا سيدي تريد بها القضاء علي الفروقات بيننا وبينكم ؛ أتريدون أن تنزلوا إلي مستوي أبناء الشعب ، أم هي مداورة منك تذرو بها الرماد في عيوننا فنحسبك واحداً منا ؟ أم هي سياسة منك تسعى بها إلي أن تصير عضوا في منشآتنا محلات الرواد وأشباهها ؟ إن كان هذا غرضك فاعلم ياسيدي أن قيمة الاشتراك عندنا تتراوح بين عشرين ومائة مليم في السنة ، قد تقبلك في إحداها إن كنت جادا في طلبك ، وإن كانت سنك تسمح لك بذلك ؛ وقد نتغاضى عن مسألة السن هذه إن كنت تتذوق النشاط بين أبناء هذه الطبقة . والحق أني رأيت أولاد الشعب يقبلون عليك ويعتبرونك واحداً منهم في مجلة الرواد وفي كوبري الليمون .

ومع كل هذا وبرغم كل هذا مازلت حائراً في تعليل جراءتك على الظهور في شوارع المدينة بمثل هذا اللباس . ألست يا سيدي كنت عميدا لكلية الآداب ، وما رأيت عميدا يسير في أي مكان منتعلاً بما كان ينتعل به أنبياء الأديان الكبرى جميعاً ، وهل يصح لعميد أن يجاري الأنبياء وأولاد الشعب ؟ !

أنسيت أنك كنت مديرا للرقابة يقف أمامك تقلا باشا ونمر باشا ومحمود أبوالفتح ، ويشدون على أزرار ستراتهم احتراما للرقيب ، فكيف يشدون على أزرار ستراتهم أمامك وأنت لا تخنق نفسك برباط الرقبة ، ثم تطل أصابع قدميك عليهم من كل ناحية ؟ !

كيف تلبس مثل هذه الملابس وأنت أستاذ في جامعتنا يعرفك وزير المعارف ويحترمك ، ويدعوك باسمك مجردا

للدلالة على الصداقة ورفع الكلفة ! لا بل يعرفك رئيس الحكومة ويقول لك : صباح الخير يا عوض ، وكيف حالك يا عوض ، وأين تقضي العطلة الصيفية يا عوض ، وتكرم بزيارتي يا عوض .

أنا ألبس أحسن منك يا صديقي ، ولا أجرؤ على مجاراتك إلا في الظلام الدامس حيث يستوي الأعمي والبصير ؛ أليس أحسن مما تلبس ، لأني ألبس الجورب مع النعل ، وألبس قميصاً لا يتطلب رباطه رقبة وإنما له سيور كسيور الحذاء متداخلة في بعضها بحيث تغرر بالناظر ، فلا يدري أأنا من أبناء الشعب أم من أبناء الدكتور عوض ، وثمن هذا القميص سبعة وثلاثون قرشاً ونصف ، وهو من القطن المصري ومصنوع في مصر .

وما أريد أن أستفتيك فيه ، هو هذا : كيف ومن أين لك هذه الحركة فتظهر في الطرقات كما رأيتك ؟ ! ألأنك من الطبقة الاجتماعية ( الاستراتوسفيرية )، فلا تعود تخشي نقد أحد ، وهل ينقدك الناس ، وماذا تحس في داخلية نفسك عندما ينتقدونك ، إذا كانوا ينقدونك ؟

أريد أن أخرج إلي الطرقات في زي أبناء الشعب ، ولكني أخشى أن يراني وزير المعارف ، فيشطب اسمي من قائمة المربين في البلد ؛ أو يراني وزير الشئون الاجتماعية فينكر على أني خادم اجتماعي يعمل لصالح أبناء الشعب . وعلى هذا تجدني يا صديقى مضطراً لأن أتنكر لأبناء الشعب بعض الأحيان وأخرج إلي الطرقات في زي الوزراء وأساتذة الجامعة والرقيب العام . فما العمل ؟

اشترك في نشرتنا البريدية