اشتهر البنديت نهرو بكفاحه ضد الاستعمار الانقليزي في الماضي ، وحنكته السياسية اليوم . وقد ألف كتابا منذ سنوات بعنوان " حياتي وسجوني " ضمنه مذكراته ايام كان يقود الشعب الهندي الباسل في معركته ضد الاستعمار وقد رأت المجلة ان تترجم فصلا هاما من فصول هذا الكتاب لما قد يوجد بين وضعية البلادين : الهند وتونس من وجوه الشبه مما يدعو الى التفكير والتأمل . المجلة
ما زال الكفاح متواصلا خارج السجن . وكان من الشعب رجال ونساء يتحدون - في استمرار وبوسائل سلمية القوة الغاشمة ، وهم مع ذلك يعلمون ان النصر لا يتاح لهم اليوم ولن يتاح لهم في الغد القريب .
وكان القمع لا يفتر بل يشتد شيئا فشيئا فيكشف للعالم عن الوجه الحقيقي للسيطرة الانقليزية على الهند .
ونحن الذين كنا في السجن مرغمين على فقد قدرتنا ، كنا مع ذلك واثقين من اننا بهذه الصفة نفيد وطننا احسن من كثير ممن بقوا متمتعين طلقاء .
هم كثيرون اولئك الذين تألموا في ابدانهم ، او قضوا نحبهم ، او فروا من السجن ، او بلغ بهم الامر الى الخيانة اذ مجال الحياة وطاقة الاحتمال البشري محدودان ! الا ان القضية العليا باقية لا تزول . ولا يمكن ان تكون الخيبة حقيقة ما دام الهدف السامي مشعا ، والشجاعة مرفوعة الرأس ؛ ذلك ان الفشل الحقيقي لا يكون الا اذا خان الانسان المباديء ، او تخلى عن حقوقه ، او خضع للشر في مذلة وانكسار ؛ اذ الجراح التي يدمي بها الانسان نفسه تنمل في زمن اطول من زمن اندمال الجراح التي يدميه بها العدو .
وحاولنا مرتين اثناء سنين العصيان هذه عقد جلسة عامة لحزب المؤتمر في دلهي ثم في كلكته .
وفي كل من المحاولتين هجم رجال الشرطة بالسياط واعتقلوا جماعات من المؤتمرين ، ولكن الامر العجيب هو إقبال النواب آلافا من جميع اطراف الهند تلبية للدعوة . وأبت امي الا ان تحضر مؤتمر كلكته المنعقد في شهر مارس ١٩٣٣ . واوقفت اثناء السفر صحبة البنديت " مالافيا " وغيره وحبست بضعة ايام بسجن " أسانسول " ورغم نحولها ومرضها فقد بدا منها من التجلد ما ادهشني . وما كانت لتبالي بالسجن ، فقد عرفته مرارا . وكان ابنها وبنتاها - ان اقتصرنا على ذكرهم - قد عفنت اجسادهم غيابات السجون ، وأضحى لديها منزلنا شبحا مريعا .
إلا أني - كلما فتر الاندفاع الى الكفاح ، وفقدت المعركة - بطبيعة الحال - شيئا من صبغتها الحماسية الاولى ما عدا انتفاضات من حين لآخر - أتجه بأفكاري عن رضى الى اقطار اخرى ، فكنت أتأمل وأدرس - جهدي - العالم المتخبط في أزمته الاقتصادية ، فيبدو لي - اوضح فأوضح - ان الهند احد ممثلي تلك الفاجعة .
وتجاه المعركة العظمى التي كانت تدور رحاها في كل مكان بين القوى السياسية والاقتصادية في الميدانين : القومي والاممي ، كان ميلي الى المعسكر الشيوعي يتزايد .
ومنذ زمن طويل كنت اشعر بانجذاب نحو الاشتراكية والشيوعية . وكانت روسيا تجذبني اليها جذبا . وكثيرة هي خصائص روسيا السوفيتية التي كنت أنفر منها كالقضاء القاسي على كل من يستقل بتفكيره ، وسوق الشعب بأكمله كما يساق الجيش ، واستعمال العنف من غير داع - على ما يظهر لي - في تنفيذ هذا المشروع السياسي او ذاك ، غير ان العالم الرأسمالي هو ايضا كانت له دراية بالعنف وحذق القضاء على المعارضة . وكان يتضح لي - شيئا فشيئا - ان الاساس الاصلي لمجتمعنا النهم وأساس ملكيتنا كذلك هو العنف ، الذي لولاه لانهدم هيكلنا الاجتماعي .
وما قيمة مقدار ضعيف من الحرية السياسية بينما الاغلبية الساحقة من البشر - أنى وجدوا - يضطرهم خوفهم من الجوع الى الخضوع لارادة حفنة من امثالهم حتى تنال تلك الاقلية اعظم مجد واكبر نفع .
كان العنف اذن مشتركا بين المعسكرين ، الا انه يبدو عند الجانب الرأسمالي
من جوهر نظام . اما عند الجانب الروسي رغم ما فيه من عيوب - فانه يرمي الى إقرار نظام جديد عماده السلم والتعاضد وتحرير حقيقي للجماهير كذلك .
وان الاتحاد السوفيتي - رغم فادح أخطائه - قد ذلل مصاعب جساما ، وتقدم بخطى العمالقة نحو ذلك النظام الجديد .
وبينما كان باقي العالم يعالج انفاسه . وقد خنقته الازمة ، ويتقهقر في بعض النواحي ، كانت روسيا - اقتداء بمثل لينين العظيم - تتجه نحو المستقبل ولا تفكر الا فيما قد يكون .
كنت معجبا كبير الاعجاب - على الخصوص - بما انجزه النظام السوفيتي في الجهات المتأخرة من آسيا الوسطى من تحسينات عظمى . وفي قرارة نفسي - اذن - كانت كفة الميزان ترجح بروسيا . وكان وجود السوفيت ومثلهم عزاء مشرقا وسط الظلمات النحسة التي كان العالم يتخبط فيها وسواء انجح الاتحاد السوفيتي او خاب فان ذلك لن يرزع في شيء متانة النظريات الشيوعية ، مع ما في ذلك الافتراض من عظيم الاهمية من حيث التجربة العملية وإقرار دولة شيوعية معتبرة . وقد يتعثر البلاشفة او يخيبون لاسباب قومية او دولية فلن يبطل ذلك حقيقة الشيوعية من حيث هي . وان قبل مبدأ الشيوعية ذاته فمن العبث ان تقلد روسيا تقليدا اعمى ؛ ذلك ان تطبيق النظرية مرتبط بالظروف الخاصة القائمة في البلاد وبمرحلة تطورها التاريخي .
ومن جهة اخرى فالهند ، او اي بلاد اخرى ، يمكنها استخلاص العبرة من الانتصارات او الخيبات الروسية . فلربما اراد البلاشفة طي المراحل ، لانهم كانوا يخشون هجوما من الخارج اد كان يحيط بهم عالم مناويء لهم ، ولو تمهلوا لجنبوا الفلاحين آلاما كثيرة اثناء تجربتهم الحالية . الا انه كان لابد ان يتساءل المرء : هل كان ممكنا الحصول على نتائج عميقة بتبطئة الثورة . فالمذهب الاصلاحي كان عاجزا عن حل أية مشكلة حيوية في ظرف حاسم وجب فيه قلب أساس الوضع . ومهما تباطأ الرقي فيما بعد كان من الواجب ان تكون الخطوة الاولى قطيعة مطلقة مع النظام الموجود الذي انبهرت أنفاسه ، ولم يبق له الا تعطيل السير نحو المستقبل . وحتى خارج روسيا فان النظرية الماركسية والفلسفة الماركسية أنارتا جوانب مظلمة كثيرة من تفكيري : فقد تحدد عندي مفهوم التاريخ على
ضوء تأويل الفلسفة الماركسية ، وأصبح " مأساة " تتتالى مشاهدها حسب تنظيم مدقق ، ونحو غاية معينة ، قد يكون كل ذلك خفيا عن الشعور ، الا انه كان الواقع . إن ما كان يجذبني من تلك الفلسفة هو تحررها من كل معتقد ، ونظرتها العلمية الى الاشياء . ولا شك ان المذهب الشيوعي بروسيا تتكاثر فيه هو ايضا المعتقدات ويطارد الزيغ عنها . وذلك يبدو مؤسفا بالرغم من انه ما كان يعسر ان ندرك ان أية معارضة حقيقية ربما آلت الى فشل ذريع تبعا لسرعة التغيرات بروسيا .
لكن بينما كانت المذاهب الاخرى جميعها والفلسفات الاخرى كلها تتحسس في الظلام ازاء الازمة العالمية ، كانت الماركسية وحدها تعلللها تعليلا يكاد يكون مرضيا وتقترح حلا حقيقيا .
ان هذا الايمان كان يرتفع بآمالي : ذلك ان كفاحنا القومي في شكله الحاضر يندمج في الكفاح العالمي ، ولم يعد الا مرحلة من مراحل كفاحنا نحن : فان القمع والتألم يصلبان قناة شعبنا تجاه المعارك المقبلة ، وتضطرانه الى وعي الافكار الجديدة التي تحرك العالم أجمع . إننا سنزداد قوة وطواعية اكثر بقدر ما تتخلص من عناصر الضعف اذ كان الزمن حليفا لنا.
وما ان تأملت تلك الحيرة وذلك الكفاح العالمي المتعدد حتى نسيت - لحد ما - همومي الشخصية والهموم التي كنت اتحملها من اجل بلادي ، وعندما افكر في أني أحيا عصرا كهذا يذهب بي الحماس احيانا الى مدى الاندفاع بينما كان العالم في ثورة . وكنت في ركني الصغير من الكرة الارضية - اقول في نفسي ، هل يكون لي دور صغير اقوم به فيما سيجد في العالم من عنيف الاحداث . وكان ذلك الجو من النزاع والعنف المخيم في كل مكان ينال من معنوياتي احيانا اخرى .
وكان لانتصار " هتلر " ونجاح إرهابه " الاسود " Brune صدمة عنيفة في نفسي . وكنت أتسلى بترديد ان ذلك زائل ، وينتهي الامر بالمرء الى الشعور بتفاهة كل محاولة بشرية . وكانت العجلة تدور لا ترحم ، وكنا نشعر بحقارتنا في ذلك الدولاب .
اذا كانت فلسفة الوجود الشيوعية تبدو لي الامل الوحيد والعزاء الوحيد ايضا ، فكيف تطبيقها فى الهند ؟ ! ونحن لم نحل بعد مشكلة التحرر السياسي ، ولم نكن نفكر الا كمجرد وطنيين ، فهل كان ينبغي ان
نصيب عصفورين بحجر واحد ، فنضيف الى برنامجنا التحرر الاقتصادى ، ام تجري ذلك على مرحلتين مهما قصر الفاصل بينهما ؟ ان تطور الحالة العالمية وما كان يجرى بالهند ايضا يجعل الاهتمام بالمسائل الاجتماعية يحتل المركز الاول في الافكار ، بحيث كان يظهر انه لا يمكن من الآن فصاعدا - التفكير في التحرر السياسي على حدة .
وكانت نتيجة السياسة المرسومة للحكومة البريطانية بالهند ان زجت بالرجعيين الاجتماعيين في معارضة كل تحرر سياسي بالبلاد . وكان ذلك امرا محتوما ، وكنت اغتبط بذلك الخط الذي اصبح يفصل فصلا واضحا بين مختلف الطبقات وشتى الجماعات بالهند . ولكن كم كان عدد الذين يعون ذلك الحدث . إنهم لقلة في الظاهر : فهناك حفنة من الشيوعيين في المدن الكبرى الا انهم كانوا مناوئين للحركة القومية . وهناك الحركة العمالية المنظمة التي تنتمي انتماء غامضا الى الاشتراكية كما تفهمها الا انها كانت تتأثر بمفعول الازمة الاقتصادية وتتفرق شيعا ، وهناك النخبة المثقفة - دون شك - ولكن في نطاق محدود . وكانت الريح مؤاتية في غالب الاصقاع الا ان هبوبها كان فاترا وفي غير استقرار وكانت جماعة اخرى تراودها النظريات الفاشية .
وهكذا كنا نشعر شعورا مريرا بفقدان مذهب واضح مضبوط ، وغالبا ما كانت الوطنية الصرف مهيمنة على الافكار . وكان يبدو لي من المسلم ان الوطنية ستبقى الضرورة الاولى ما لم نبلع مستوى معينا من التحرر السياسي . وذلك ما جعل حزب المؤتمر - وما يزال ، ما عدا بعض اوساط عملية طليعة منظمات ال Index وذلك سرقوته ايضا . وطيلة الثلاث عشرة سنة الاخيرة احدث هذا الحزب بدافع من غاندي ، وعيا خارقا للعادة في الجماهير . وافاد القضية الثورية رغم مذهبه الغامض البورجوازي . وكان بعيدا عن ان ينتهي نفعه وسيبقى كذلك حتى يحل الضغط الاجتماعي محل الضغط الوطني .
. وترك حزب المؤتمر في تلك المرحلة قد يعتبر - في رأيي - انفصالا عن أقوى مطامح الامة الحيوية وفلا لامضى أسلحتنا ، وربما تبذيرا لطاقتنا بالمغامرة بها حيث لا طائل .
هل كان في وسع المؤتمر - حسب تكوينه الاصلي - ان يجنح الى حلول ناجعة حقا ؟ لو طرحت المسلة لوقع الشقاق حتما ، الامر الذي قد يكون مرغوبا فيه ، على
شرط ان يزيل الالتباس ، وان تبرز أغلبية أو حتى أقلية - متينة تميل الى نزعة اجتماعية حازمة . غير ان حزب المؤتمر الآن متمثل في شخصية غاندي . وما عسى ان يصنع غاندي ؟ ! فهو من الناحية المذهبية يبدو في مظهر المتخلف الى الدرجة القصوى . ولكن الهند المعاصرة لم تعرف ثوريا مثله في ميدان العمل . لقد كان شخصية فذة لا تخضع لسلم القيم المعروفة ولا لقوانين المنطق العادى .
ونحن على يقين من أنه لا ينسحب من الميدان ما لم يحقق هدفه في الاستقلال ذلك انه كان ثوريا من أساسه ، وأقسم ان يمنح الهند استقلاله وسيضطر اثناء الكفاح الى فتح المنافذ لتيارات شعبية عارمة . وبذلك يتقدم خطوة خطوة في طريق الاشتراكية . ومهما يكن فذاك ما كنت آمله بعض الشيء .
ان الشيوعيين " السنيين " في بلادنا لم يكادوا يكفون عن مهاجمة غاندي وحزب المؤتمر مهاجمة عنيفة . والكثير من انتقاداتهم في ميداني النظرية والمذهبية لم تفقد لا الجدارة ولا الاصابة ، وقد اقامت الحوادث الدليل في بعض الاحيان على صحتها . ولكنهم ما ان خرجوا من المبادي ليدخلوا الى التطبيقات الحربية حتى تاهوا أيما تيه .
ومن اسباب قلة الشيوعيين العددي وضعف تأثيرهم بالهند انهم عوض ان يقوموا بتربية الناس تربية شيوعية علمية ويحاولوا اقناع العقول فانهم اعتنوا اصالة بشتم الناس . واكثرهم تعودوا بالنضال الحزبي في المناطق المعمالية حيث تكفي عادة كلمتان دعائيتان او ثلاث لاكتساب ثقة الشغالين اما المثقف فلا تقنعه الكلمات الدعائية . ان الشيوعيين لم يدركوا ان العناصر المثقفة من الطبقات الوسطى بهند اليوم تكون القوة الثورية الحقيقية .
ويبدو ان تفكيرهم واه من اساسه عند ما يحكمون على حركتنا القومية بالاستناد الى الحركات العمالية باروبا . ولما اعتادوا ان يروا هؤلاء العمال ضحية خيانة قادتهم باستمرار ، ظنوا ان الامر كذلك بالهند . الا ان الحركة القومية الهندية لم تكن حركة عملية في هذا الظرف الذي اتحدث عنه ، فقد كانت حركة بورجوازية . ذلك ان هدفها لم يكن نظاما اجتماعيا جديدا بل استقلال البلاد السياسي وعلى ذلك فانه كان من الخطل ان يقال عن قادتها انهم يخونون الجماهير لانهم لم يحاولوا قلب نظام ملكية الارض والنظام الرأسمالي ، وما كانوا ليدعوا ذلك
ومع ان عدد المناصرين لهذه الفكرة كان يتزايد في صلب الحركة فانه لم يكن لهم الحق في التكلم باسم حزب المؤتمر .
وبدهي ان الرأسماليين الهنود - لا الفلاحين الكبار - استغلوا الاندفاع القومي ايما استغلال بسبب مقاطعة المنتوجات الانقليزية والاجنبية وبعث الصناعات القومية . وقد كان ذلك حتميا . وكان الدور الذي لعبه الكثير منهم فظيعا .
لقد ابرم رجال الصناعة بـ " بومباي " عقدا مع " الانكشير " بينما كان العصيان المدني على اشده ، وكنا ندعو الى المقاطعة ، فلم يتحرج حرب المؤتمر من التشهير بتلك الخيانة .
اما ان يقال - كما ذهب اليه الشيوعيون : إن حزب المؤتمر خدم مصلحة كبار الفلاحين فذلك خطأ ، اذ ان هؤلاء تألبوا ضده اثناء مفاوضات المائدة المستديرة ، ووقفوا - علانية وبصورة عدائية - الى جانب الحكومة طيلة العصيان المدني .
وفي الهند ربط الشيوعيون مصيرهم بمصير شغالي الصناعات في المدن . على عكس حزب المؤتمر الذي اتجه من المدن الى الارياف . فهم لا يعرفون اهل الارياف معرفة صحيحة ولا يتصلون بهم الا قليلا .
ان شغالي الصناعات الذين ما تزال اهميتهم فى نمو متواصل عندنا يحتلون منزلة هي دون منزلة المزارعين حاليا .
ذلك ان المشكلة الكبرى فى هذا اليوم ما تزال مشكلة وضعية المزارعين غير ان المزارع - اذا بلغ هدفه العاجل - قلما بقي على نزواته الثورية . ومن المحتمل ان يأتي يوم تجد فيه الهند نفسها - بدورها امام المشكل العادي : " المدينة ضد القرية والشغال الصناعي ضد المزارع " .

