من النوادر الصغيرة ذات المغزي الكبير ما يروي من أن اثنين من أهل فرنسا وقع بينهما ما اعتبره كل واحد منهما ماسا بكرامته . فكان لا بد لهما أن يغسلا الإهانة على طريقتهما الخاصة التي كانت سائدة في فرنسا في القرن الماضى وهي طريقة ( المبارزة ) . ولم يكن لأحد منهما علم سابق بالسلاح ولا باستعماله . ولكنها التقاليد دفعت أحدهما إلى طلب المبارزة ، وقضت على الآخر أن يقبل التحدي . ولما عرض أمر السلاح الذي تجري به المبارزة وقع الاختيار على المسدس . وكان الباعث على اختياره أنه قد لا يحتاج لخبرة خاصة . وأن كل ما يطلب إلي حامله أن يشد على زناده فتنطلق قذيفته ، وليس على الله بعد ذلك بعزيز أن يصيب المقذوف قلب الهدف !
وكان صاحبانا - فضلا عن جهلهما بالسلاح - من الرعاديد الذين يخشون الموت ويكرهون القتال ولا يطيقون رؤية المتقاتلين . فكانت محنة لهما أية محنة ، أن يقوما هما بحمل السلاح - وإطلاق النار - والاستهداف للضرب والطعن ... والموت !
ومرت الأيام ثقالا . واقتربت الساعة التي تم الاتفاق
على اللقاء فيها . وتجلد الغريمان ، وسار كل واحد منهما إلي الساحة الموعودة وسط شهوده يتظاهر بالعزم والبأس ، ويخفى في جوفه قلبا خفاقا متهالكا يكاد يذوب من الهلع ولو لم تمسسه نار !
ووقف كل واحد منهما في طرف من طرفي الساحة يواجه خصمه والمسدس في قبضة يده كأنه جمرة حية لا قطعة من الحديد البارد . ولم يبق لواحد منهما أي أمل في الحياة إلا ان يخطئه غريمه فلا تصبه قذيفته . ولكن الخوف والوهم ألقى في روح كل واحد أنه هو الهالك لا محالة في هذا الصراع الفظيع !
وتأهب الرجلان لإطلاق النار . ووقفا متخلخلين ينتظران إشارة الحكم . وأخيرا صدرت هذه الإشار فدوت في الفضاء طلقتان . سقط الخصمان على أثرهم صريعين !
وأسرع إليهما الشهود والطبيب لإسعاف من لا يزال به رمق . ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أشلاء المقاتلين . ولكن المأساة وياللأسف وقعت كاملة ، فقد كان البطلان في عداد الأموات ، ولم يعد في الأمر مجال للأسعاف ولا الانقاد ؛ ووقع في روع الحاضرين أن قذيفة كل واحد لا بد قد استقرت في قلب غريمه فصعقته . وأخذ الطيب في فحص أول البطلين فوجد القلب سليما لم يصبه سوء . فانتقل إلى الدماغ لعل الطلقة نفذت إلي المخ فهتكته ، فإذا هو أمام رأس نظيف غير مثقوب ولا دام فأخذ في تقليب الجثة ذات اليمين وذات الشمال وهو يلتمس المكان الذي نفذ منه المقذوف ، فلم يجد اثرا ، لا في ملابس القتيل ولا في جثمانه ، يدل على أن المقذوف قد مسه من قريب أو من بعيد ...
فترك الطبيب تلك الضحية الأولى وانتقل إلي الثانية ، فكان حالها حال أختها حذوك النعل بالنعل . لا جراح ولا نزيف ولا أثر لأية إصابة خارجية .....
وأخيرا انجلي الأمر . ووضح الغامض من أمر هذين
السيدين . فقد سقط كل منهما ميتا لمجرد سماع طلقة زميله بعد أن تهيأ هو للموت ووطن نفسه عليه وآمن بوقوعه ، وأخلص في إيمان بحلول الكارثه إذا ما انطلقت النار ! ولم تكن النار هي التي صرعته ، ولكن الذي صرعه هو الوهم !
والذي أذكرني بهذه النادرة ما سمعته منذ أيام من أن عاملا مسكينا شاهد زميلا له وقد أخذه القئ والإسهال فجأة . فأدرك أنها مسة من هذا الوباء الخبيث الذي نشكوه في هذه الأيام . وأيقن التعس أن الموجة التي جرفت صاحبه في طريقها لابد أنها ستقتلعه من قواعده ، ومن يكون هو أمام هذا التيار العنيف المكتسح الذي تعد ضحاياه كل يوم الألوف والذي لا يمر بوسط إلا أتي على كل من فيه . أو لم ترو الصحف عنه أنه هو ( الهواء الأصفر ) الذي يمر الرجل في يومه فيتركه جثة هامدة في غده ؟ ! وأحس الرجل الغثيان . . ولم يلبث أن ألقي ما في جوفه . فاستبان صدق ما رأي وحقق واقع الأمر ما جري به الخيال ... ثم شى بطنه .... فلما نقل إلي المستشفى لم ينتظر نتيجة التحليل استبق الحوادث فقضي نحبه قبل أن يأتيه البشير بأن تحليل أثبت أن ( عيناته ) سلبية ! وأن المسة التي أصابته تكن لها صلة ( بالكوليرا ) ولكنها كانت مسة عصبية فعل لها جسمه تحت تأثير الخوف والوهم والإيحاء الخبيث !! ذهب هو الآخر صريعا من صرعي الوهم !
ومن عجيب أمر هذه الظاهرة أنها تكاد تكون عامة بأدلة - وقل بين الناس من لا يخضع لسلطانها . غير بها أفتك ببعض الناس منها ببعض . فإن في الناس من مسه السوء هلع - ومنهم من إذا حلت به المصبية قلت حيويته وقاوم ودفع . وسأظل أذكر ما حييت كيف زميل لي وهو في شرخ الشباب وميعة الصبا ، لأنه وقع تحت تأثير وهم باطل بأنه مصاب بمرض خبيت في المرارة ...
لم يقل له ذلك طبيب ولا أثبتته نتيجة تحليل . ولكنه هو استمع لأحاديث الناس وتطوع ( التشخيص ) داء لا علم له به ولا خبرة له فيه . وقرأ قليلا ولكنه توسع في التطبيق . وعبثا حاول أهله أن يصرفوه عن هذا الخاطر . وعبثا حاول أطباؤه أن يقنعوه بحقيقة حاله . ولكنهم كانوا جميعا عنده من المنافقين المتسترين الذين يعملون على خداعه عن مرضه القتال ... يقولون له إن شكواه من بطنه لأنه كان يسرف في طعامه ، وإن شيئا من الحمية كفيل بأن يشفيه . ولكنه هو يضع إصبعه على طرف كبده ويقول لهم : ها هنا أحس بالداء ، فلا حيلة لي في إنكار ما تقولون ما دمتم أنتم تحددون وأنا وحدي الذي أعلم ما لا تعلمون !
وقلت له ذات يوم : ساير أطباءك أياما ، فإن تحسنت فقد كذبك وهمك وكانوا من الصادقين . وإلا فقد كذبوا وكنت أنت من الصادقين . وكأنما هداه الله لأن يأخذ بمشورتي فاستسلم لإرشادات أطبائه ... ولم يلبث أن تحسنت حاله وارتدت إليه ثقته بنفسه وبدا كأنه نصل من مرضه ، وعاود عمله كما كان . وابتسم للحياة من جديد . وكان احتفاؤه بهذه النتيجة السعيدة أن دعاني لاتناول معه الغداء . فلبيت دعوته وجلست تجاهه آكل وأراه وهو يتناول مما يضعه الخادم أمامنا من مختلف الألوان والأصناف . فراعني إقباله على الطعام ، وكثرة ما أودعه منه في بطنه . وسرني أن أراه على هذه الحال ، وأنا أحسب أن جسمه الضخم إنما يسترد على هذه الصورة بعض ما بذله في أيام الشدة الماضية ، ولم أكن أدري أن هذا النهم سيودي به بعد قليل . فقد عاوده الألم بعد أسابيع ، ولست أدري ما الذي ألقي في روعه أن هذه نكسة سوف يكون لها ما بعدها . وأنه يحس أنه لا قبل له في هذه المرة بالمقاومة . ورأيته يستسلم لدائه ويستعصى على أطبائه أكثر مما فعل في المرة الأولى . واعتكف فلم أعد أراه . وسألت منه فقيل لي : إنه يسير من سيء إلي أسوأ وبينما
أنا وبعض إخواني نقلب وجوه الرأي لنصل إلى حل نجتذبه به من تلك الهوة التى ألقى بنفسه فيها ونستخلصه من تلك العقيدة الوهمية التي تسلطت عليه فوجئنا بنعيه منشورا في صحف الصباح فرأينا فيه مثالا لما يستطيع أن يفعله الوهم الباطل بفريسته . إذ هو الذي تولي بنفسه خلق متاعبه ، ورسم لها طريقها ، وحدد لها نتائجها . ثم عمل من حيث لا يشعر على تنفيذ تلك الخطة القاتلة كأنها القدر المقدور الذي لا حيلة له فيه ولا سلطان له على دفعه .
وقد يخيل لمن يسمع هذا الكلام أن المقصود هو أن الإنسان حياته في يده ، إن شاء عاش وإن شاء مات . ومن الطبيعي أن هذا المعنى لا يمكن أن يقول به عاقل . فالحياة الدنيا إلى زوال مهما طال بصاحبها الأجل . ولكنها في كل أطوارها تسير طبقا لقوانين ثابتة خالدة ، تؤدي مقدماتها إلى نتائجها المحتومة . فإذا كان من هذه المقدمات الاستسلام واليأس وضياع الثقة بالنفس وفقدان الإيمان بقوة الإرادة ، كانت النتيجة اللازمة سرعة الانهيار وخسران المعركة في جولتها الأولى . وأهل هذا الجيل لا يمكن أن يكونوا قد نسوا أن أمة من أمم هذه الأرض اشتبكت منذ سنوات في صراع رهيب كان خصمها قد تهيأ له منذ زمان ودخلته هي ، وليس لها من العتاد والاستعداد ما يكفي للدفاع فضلا عن الهجوم ومع ذلك فإنها اعتصمت باليقين واستعانت بالصبر ، وآمنت بالنجاح والنصر فاستكملت عدتها وهي تحت نيران عدوها وبثت ألغامها حول خصمها وسياطه تلهب ظهورها ، وأحاطته بأذرعها الأخطبوطية ، وهو مشغول بدقها على رأسها . وانجلى غبار المعركة آخر الأمر عن نصرها هي وعما يشبه أن يكون زوال خصمها من الوجود .
ومن الناس الذين نعرفهم من اتخذ لنفسه مثل هذه الخطة في حياته . فهو يؤمن بالبقاء إيمانا شديدا ، ولا يفكر
في الموت ، بل أكاد أقول لا يعرف الوت إلا بالقياس إلي غيره من الناس . أما هو فإنه لا يزال يعتزم البقاء ، ولا يشغل باله إلا بما سيعمله في غده وفي الأسبوع القادم وفي الشهر التالي ، وفي العام الجديد . وهو بذلك يشغل نفسه عن الموت فيبقى ، وكأنه يشغل الموت عن نفسه فيعيش !
كان لنا صاحب أصابه ( السكر) ومن المبادئ الأولية التي لا تخفي علي من يعرف هذا المرض ومن لا يعرفه أن من ابتلي به فقد حرمت عليه الحلوي وما دخل السكر في صنعه من ألوان الطعام . ولكن صاحبنا لم تكن تخلو وجبة من وجبات طعامه من مقدار كبير من ( الحلاوة الطحينية ) يأكلها على أنها علاج لحالته وكانت نظريته في ذلك أنه ما دامت أجهزته تنقي السكر من طعامه ولا تمثله فليرهقها بجرعات كبيرة من السكر ليذهب أكثره - نعم - بغير تمثيل . ولكن ليبقي ولو أقله فيما يمتصه جسمه . وكانت النتيجة أن وقعت الكارثة التي توقعها أطباؤه ، فاعترته كل مضاعفات المرض : فتورمت قدماه ، وتحجرت عضلات ساقيه وسري الانتفاخ حتي شمل أسفل بطنه - كل ذلك وهو لا يغير شيئا من نظام حياته . فهو يلعب الورق كل مساء مع أصحابه حتى ينتصف الليل ، ويأكل من طبيبات ما يقدمه لضيوفه . ولا يزال يستدعي الطيب أثر الطبيب ويقوم بالتحليل أثر التحليل وتتوارى المشورات ، وتجمع نتائج التحليل على أنه سائر إلي النهاية المحتومة في شهور أو أسابيع ، كما كان يسر إلينا بذلك أطباؤه ، وهو مع ذلك لا يشغله إلا المستقبل وما سوف يصنع فيه بعد أن تحل حبوته وينهض من فراشه . وإن أنس لا أنس ذلك اليوم الذي بلغني فيه أنه قد ساءت حالته كما لم تكن قد ساءت من قبل . فهرعت إليه ومعي طبيب جديد لم يكن قد عاده قبل ذلك . وكنت قد سمعت عنه أنه الخبير الذي لا يخطئ في تشخيص هذا الداء وفي علاجه . فلما دخلت عليه وقدمت إليه الطبيب الذي معي
رحب به وقال : إنه كان قد سمع عنه وفكر في استدعائه . ولذلك لقيه مستبشرا . فأكب الطبيب عليه يفحصه ولم يترك جارحة فيه إلا خبرها وعرف مبلغ كفايتها في أداء عملها ، ثم نهض عنه واختلى بى ليلومني على أني استدعيته إلي مثل هذه الحالة التي تعتبر أنها في دورها الأخير . ولما استفسرته عما وجد قال لي في استنكار :
- ماذا تريدني أن أجد ؟ إن أعجب لصاحبك هذا كيف يعيش !
قلت : وهل لم يعد أي أمل في تحسين حالته ؟
قال : إن خير ما يتمناه الإنسان لصاحبك أن لا يطول بقاؤه حتى لا يطول عذابه .
إن الكبد معطلة . والكليتين لا تعملان . والمثانة يملأها الصديد . والصدر يعوم في لجة من ماء الاستسقاء ، والقلب أضعف من أن يدير الدورة الدموية ؛ فماذا تريد من الطب أن يعمله لمواجهة مثل هذه الحالة ؟
وتركني الطبيب ومضى .
ودخلت على صاحبي وأنا واجم . ولعله لمح آثار وجومي بادية على ملامحي . وقد خذلتني في اصطناع شيء من مظاهر الاطمئنان . فابتدرني بقوله :
- يظهر أن صاحبك كبقية جماعته . فدعنا منه ! أتدري علام استقر عزمي ؟ قلت : خيرا .
قال : لم يبق على دخول الصيف إلا شهران أو ثلاثة , فإذا كنت ما تزال على عادتك من السفر إلي أوربا كل صيف فاني سأسافر هذا الصيف معك !
فهالني هذا الخيال الواسع الذي يصبح فيه هذا المسكين ، وهذه الآمال العريضة التي يشغل نفسه بتشييد قصورها ، وهي لا تقوم إلا على أساس من أوهي الرمال ...
ولكنه في تشبثه بالحياة لم تتخل عنه الحياة . وفي تجاهله بالموت لم يعرف الموت طريقه إليه . وعاش بعد ذلك زمنا طويلا - عاش اولا تلك الشهور الثلاثة التي اعتزم
بعدها أن يسافر إلى أوربا . ولما حل الصيف سافر كما كان يريد أن يسافر . وعاد من أوربا وهو أحسن حالا . كان تحسنه قليلا ، ولكنه كان تحسنا على كل حل . وكان من بين مشروعاته التي تشغل تفكيره وتحجب عنه خواطر العجز والزمائة والموت ، أنه كان يريد أن يبني لنفسه دارا أنيقة في ضاحية من ضواحي القاهرة . فكان لا يفكر في (المقاولين ) ( والبنائين ) وأدوات البناء . ولا يشغل نفسه إلا بمقابلة النجارين والحدادين ( وتصميم ) الأثاث الذي يليق لكل حجرة ويتفق مع ذوق كل ركن ، وكان في ذلك واسع الخيال إلى أبعد الحدود ؛ فهو يريد أن يضع في ( الصالون ) حوضا يعتزم أن يجمع فيه من أصناف السمك كل غريب في لونه أو في تكوينه ، وهو ينتوي أن ينشئ في الحديقة قفصا كبير الحجم لا تحس العصافير التي تعيش فيه أنها في أسر أو أنها فقدت شيئا من حريتها ..
وفي هذه الأجواء الطلقة التي استطاع أن يحلق فيها صاحبنا بخياله . وبفضل هذا التشوق البعيد إلى المستقبل الحافل الذي كان يضفي عليه من تفاؤله وقوة عزيمته ، استطاع هذا الصديق أن يراوغ الموت نفسه حقبة طويلة من الزمن ، وأن يعيش سعيدا إلى آخر لحظة من حياته .
والعبرة من كل هذا الحديث أن يذكر الإنسان دائما أن الحياة نضال وأنها فن . وأن سعادة الحي فيها او شقاءه إنما يكون من صنع يده هو إلى حد كبير . فمن اختار أن يحيا حياة سلبية ، والقي بنفسه في خضم الحياة ، ثم تركها لتعيش كيفما اتفق يكون مثله كمثل الجثة التي تلقي فوق تيار الماء ، فهي خليقة أن ترتطم بكل صخرة فى الطريق ، وحرية أن تجنح عند أول منعطف تلاقيه .
أما الحي الناجح فإنه صاحب الإرادة الذي يؤمن بنفسه ويستمد من هذا الإيمان قوة يغالب بها ما يعترض طريقه من صعاب . فيتغلب بها ... حتى على المرض ، ويكافح بها ... حتى ملائكة الموت .

