من الناس من يعجبك ظرفه وحلو حديثه فتستأنس به ويهفو إليه فؤادك ، ولكنك لا تخالطه أو تتعامل معه حتى تمقته وتزدريه ومنهم من لا تزيدك مخالطته والتعامل معه إلا شغفا به ، وتعلقا بصداقته .
ولعل أعظم من علق قلبي واطمأنت إليه نفسي في هذه الحياة هو شاب هندي عرفته يوم كنت طالبا في باريس ، فأحببته حبا جما ، وأسكنته قلي وكل جوارحي ، لا لأنه مغرم بالصداقة ومتصف بالشمائل والمزايا التي ينشرح لها صدري فحسب ، بل لأنه أراني الجمال كامناً في أكثر مظاهر الحياة ، فحببها إلي وجعل لها حرمة في نفسي وهيبة في خيالي ، أتحمل من أجلها المتاعب والمشاق كما يتحمل العاشق الولهان في سبيل معشوقته الضر والأذي
اجتمعت وإياه المرة الأولى في حديقة اللوكسمبرج . وصحبته بعد ذلك إلي مرقص العميان ، ثم إلي ساحل الباسك
إن صديقي الهندي ممن تحاملت عليهم الطبيعة ، فحرمته منذ الطفولة أثمن الأشياء وأغلاها عند المبصرين ، إلا أنها عوضته باليمين ما سلبت باليسار ؛ فأعطته قلباً خفاقاً يخلق اللذائذ والمسرات خلقا ، وعقلا مستطلعا نزاعا إلي المعرفة واستشفاف روح الأشياء
وقد شاءت المقادير الألهية أن يذوق صاحبنا لذة العلم منذ الصبي ، فيحفظ في قريته القرآن الكريم ، وينتقل بعد ذلك إلي المدرسة الابتدائية في ( كينون )، فالثانوية في (سيفون) منقاداً دائماً إلي العمل بقوة الحاجة إلي الدرس والتفهم المجردين عن كل غاية سوي الدرس والتثقف .
فهو لم يكن إذا يعتبر العلم وسيلة من وسائل الرزق وآلة من آلات العيش ، كما يفعل الكثيرون الذين يدرسون ويتعلمون طلبا للثروة والجاه .
إن العلم في نظر صديقي ( طريف ) أجل وأكبر من أن يكون مطية من مطايا المــــــــــادة التي يمقتها مقتا شديدا ويود لو يستطيع إلي الخلاص منها سبيلا
وكانت نزعته العلمية في بادئ الأمر عامة شاملة تتناول المعارف البشرية جمعاء ؛ فلما أخبره احد معلميه بأنه
يستطيع رغم عاهته ان يدرس الحقوق ، وان يذهب في دراستها شأواً بعيدا ، هام بهذا العلم هيام ابن الخطاب بالعدل ، والمتنبي بالسيادة ، وروسيو بالحرية الشخصية ، وكما ان هؤلاء الأبطال ثم يرضوا عن أهدافهم بديلا ، ولم يعرفوا الراحة والهناءة إلا في متابعة السعي للوصول إليها ، كذلك صاحبنا الهنـــــــــــــــــــــدي ؛ فقد اعتقد اعتقاداً قاطعا ان لا خير له في الحياة ولا رجاء إلا إذا درس الحقوق وأصبح علما من اعلامها ، وإماما من ائمتها ، ليس في الهند الصينية والأقطار الهندية فحسب ، بل في العالم كله
إن الذين سبقوه إلي درس الحقوق واستوعبوا ما لها من قواعد واصول ، واستخلصوا ما لها من روح يتمشي . ويتغلغل بين الحروف والسطور , لايفوقونه عزما ولاذكاء ولا يستطيعون منعه عن مجاراتهم والاستعلاء عليهم أليسوا بشرا مثله ؟ ثم اليس بين جنبيه من العزم والحزم وشدة البأس وقوة الإرادة ما في أعطافهم ؟
لا شك أن غاية كهذه تتطلب مجهودا عظيما ونشاطـــــــــاً مضنيا ؛ ولكن أي روعة فيما يصيب المرء من غير عناء ؟ لقد خلقنا لا نستجرئ من متع الحياة ونعيمها إلا ما كان بكد اليمين وعرق الجبين
فكلما كانت الصعاب التي تعترضنا والعقبات التي نصطدم بها عظيمة ، كان ذلك مدعاة إلي زيادة سعادتنا وتوسيع نطاقها
وكان في الهند الصينية جامعة وطنية تشبه الجامعة السورية بمعاهدها والقائمين علي أمرها ؛ فرأي صديقي أنها المكان الخصب الذي يستطيع فيه أن يحقق أحلامه
يدخل تلك الجامعة طالبا ، ويظهر فيها مقدرته وتفوقه ؟ فتعجب به الجامعة وتعامله كما عامات الجامعة المصرية ابنها الفذ ( طه حسين) فترسله على نفقتها إلي أوربا كي يتم فيها تحصيله . ويعود إليها بعد ذلك أستاذا للحقوق
إن هذا المنصب بما يضمن له من حياة ميسورة يكفيه عناء المادة ، ويمكنه من ان يقف حياته وقلبه على خدمة العلم والمتعلمين
على أن هذا الحلم الذي خامر نفسه ودغدغ حينا من الدهر خياله ، لم يلبث ان تحطم وثلاشي على شفتي رئيس الجامعة المذكورة ؛ فقد أعلمه هذا الرئيس أن من المحال ان يقبله (السعادة والرضي ) وان يقبله في معهد الحقوق ؛ وحجته في ذلك أن هذا المعهد لم ينشأ إلا لتخريج المبصرين ، أما العمي فليس لهم في نظر ذلك الرئيس إلا أن يحفظوا القرآن الكريم ، وأن يتكسبوا عيشهم من تشييع الموتي وإيناسهم في مراقدهم الموحشة . ولا ريب أنكم تقدرون ما تركت هذه الخيبة في قلب الفتى الحساس من ألم ؛ غير أن هذه الصدمة وإن تكن أعنف ما لقى في طريقه فإنها ثم تزعزعه ولم تدفعه إلي اليأس والاستسلام
إن نفسا كنفس (طريف ) طموحا جموحا ، لا تعرف اليأس ولا ترتضى دون غايتها مفرا ، فما إن قنط صاحبنا من الجامعة الوطنية وارتد عنها دامى القلب مغرورق العينين ، حتى ازدحمت في صدره الامال وانبثقت منه الاحلام ؛ فتذكر أن في العالم جامعة غير الجامعة الوطنية ، وان في مقدوره ان يخابر كلــــــــــــــكنا ، ويومباي ، وطهران ، ولندن ، وباريس ، وغيرها من المدن الجامعية ، عله ان يجد في كنفها من العدل والتشجيع ما لم يجد في الجامعة الهندية الصينية .
ولم تمض على ذلك غير شهور حتى كان ( طريف ) يختلف إلي مدرسة الحقوق الفرنسية في ( سيفون ) ؛ ثم يركب البحر إلي مرسيليا ، ومنها يأخذ القطار إلي باريس ، فينزل الحي اللاتيني ، ويتنقل بين مدارج معهد الحقوق والآداب ، ومدرسة العلوم السياسية
( يتبع - بيروت )

