أراد " أنانول فرانس " بوضعه لهذه القصة التى تقوم على السخرية اللاذعة والتقريع المنيف أن يجمل منها تاريخا لفرنسا . وأن يضفى على هذا التاريخ حلة رمزية .
وقد جاء فيها أن مبعوثا غيورا من مبعوثى إحدى الجماعات الدينية المسيحية - وقد سماه " سان مايل" - قد أخطأ فحسب سكان هذه الجزيرة وكلهم من طير البطريق قوما من الوثنيين ، ولما ألماهم يستمون إلى خطبه فيحسنون الاستماع وينصون إلى مواعظه فيحسنون الإنصات ، فقد أجرى عليهم جميعا طقوس المعمودية . وتم له ذلك فى ثلاثة أيام وثلاث ليال . ثم اجتمع فى المساء جماعة من العلماء الأعلام لينظروا فما سوف تستتبعه هذه الغلطة المشئومة التى اجترحها صاحبها بحكم العمى والشيخوخة . ورأت تلك الجماعة أن تلك المعمودية التى جانبها التوفيق صحيحة مقبولة ، وأن الشئ الذى لا مفر منه ولا معدي عنه هو أن توهب تلك الطيور أرواحا آدمية . ثم أخذ " سان مايل" بأطراف تلك الجزيرة فوصلها بأطراف القارة الأوربية ، وبدأ طير البطريق تاريخهم الإنسانى وارتدت تلك الطيور التى حلت بها أرواح آدمية ثيابا كتلك الثياب التى يرتديها الناس . وما إن ارتدت إناث تلك الطيور الملابس حتى استيقظ الوعى الانسانى لمفاتن النساء وشهوات الرجال . ثم لحق بتلك الأسراب من الطير ما يلحق عادة بالأقوام من الناس من نقائص الحضارة ومعابها . ثم اضطرت تلك الأسراب - على مر الزمن - إلى تقنين القوانين . وذلك على أثر ما ارتكبوه من جرائم النهش والعض فيما بينهم . ثم تبع ذلك صدور قانون التمليك . وذلك عندما وضع الأقوياء منهم أيديهم على الأرض غصبا وقسرا . ثم بدأ أقوى أولئك القادرين بإنشاء أسير من النبلاء
واتخذ النظام الضرائى طريقه التاريخى . وهو أن يقع
عبء الضرائب على كأهل الفقراء ؛ ذلك لأن الأغنياء والنبلاء يعلنون دائما أنهم معفون من الضرائب كلها . ثم يجيء " أنانول فرانس " فى الفصل الذى عقده على تاريخ العصر الوسيط بما يثير الضحك من الخرافات التى الصقت ظلما بالدين . ثم يقص بعد ذلك قصة الحروب والمجازر . حتى إذا وصل إلى العصر الحديث قص على الناس أحاديث أمجاد " ترينكو " ( نابليون ) الذى فتح نصف العالم وألحقه بمملكته ثم خسره آخر الأمر . ثم يجىء بتفصيلات فضية " بيروت " ( دريفوس ) .
ثم يقص بعد ذلك قصة حروب الصناعات ، ومنها صناعة القطن ، وصناعة الفحم ، وصناعة الحديد ، وهي الحروب التى استشهد فى سبيلها ألوف وألوف . وذلك لضمان السلامة والبقاء لصناعة المظلات ولصناعة المطاط
ثم يذكر الكاتب أنه قد أصبح لطير البطريق" اتحادات للشركات " كما أصبحت لهم بنابات كبرى من " ناطحات السحاب "كما أصبحت لهم براعة لا ننكر فى صناعة التفجيرات حتى لقد بات ميسورا لأية أقلية صغرى من الأقليات الثائرة أن تدمر الثروات كلها ، وذلك بنسف العالم كله فى ثوان . حتى إذا تم ذلك نبتت الحشائش مرة أخرى فوق الأرض التى تقوم فوقها مدينة باريس . .
وفى آخر فصل من فصول القصة يتنبأ الكاتب لطير البطريق بتاريخ لا تنتهى أحداثه ومصائبه . ويتعاقب أدوار متتابعة : حضارة ! ثم حرب ؛ ثم دمار ! هذه هى الخطوط الرئيسية لتلك القصة . وإلى القارئ فصلا من فصولها تسبقه كلمة موجزة عن أناتول فرانس " . ولد أناتول فرانس عام ١٨٤٤ وكان أبوه كتبيا يبيع الكتب واناتول فرانس هو الوارث لسخرية "مونتانى" و " فولنير " و " رينان " .
وقد كان إنتاجه خصبا . ولكنه إنتاج نشوبه شوائب من التهكم والنشاؤم .
ومن الأقوال المأثورة أنه لولا " سويفت " الكاتب الإنجليزى الساخر لما كان فولتير ، ولولا فولتير لما كان أناتول فرانس . ولولا هؤلاء لما عرفنا الفرق بين السيف والعصا فى ميدان المجادلة وقرع الحجة بالحجة
وقصة " جزيرة البطريق " قد تكون أكثر قصص " أناتول فرانس " قبضا بالسحر وقد اتخذ كتاب آخرون بلدانا خيالية ميدانا لعرض آرائهم عن الناس والأشياء . ولكن أناتول فرانس كان أكثرهم رضى وقناعة بجالية من طير البطريق أجريت عليهم طقوس " المعمورية" واتخذوا كساء من الحضارة وأنزلقوا فى مزالقها .
ويحدثنا " أناتول فرانس " فى قصته عن الملابس الأولى فيقول : - كان القديس سان مايل جالسا ذات يوم على شاطئ البحر فوق حجر يشع منه الدفء . . وكان يظن أن الدفء آثر من آثار حرارة الشمس . ولم يكن يعرف أن إبليس كان منذ قليل يستريح فوق ذلك الحجر . وسرعان ما رأى القديس راهبا اسمه " ماجى" يتوجه إلى ناحيتة وهو يحمل صندوقا فوق ظهره . فلما اقترب منه ألقى بالصددوق على الأرض ومسح جبينه بكم قميصه وقال : - والآن أيها الأب ، أتريد أنت أن تكسو طير البطريق ؟ - نعم يا بنى ! إذ لاشئ ألزم لهم من الكساء ، فهم منذ دخلوا أفرادا فى أسرة " إبراهيم " قد حق عليهم اللعنة التى حلت بأمهم حواء ، فأصبحوا يحسون أنهم شراة . وهذا ما كانوا يجهلون من قبل . وقد حان أوان كسوتهم لأنهم قد فقدوا رشيهم منذ تركوا هيئة الطير واتخذوا هيئة بنى الناس . قال الراهب : ولكن ألا ترى أيها الأب أن من الخير أن يتركوا عراة ؟ وعلام تكسوهم ؟ إنك إن كسوتهم بلغ منهم الزهو مبلغه . وتملكتهم ألوان من النفاق . وضروب من القسوة .
فتتهد القديس وقال : أكذا يكون فهمك السئ لما يحدثه قانون الأخلاقى من آثار . وهو القانون الذى يخضع لحكمه الناس كلهم حتى الوثنيون منهم ؟ قال الراهب : إن قانون الأخلاقى يضطر الناس الدين هم - فى الحق - وحوش إلى إنكار طبائعهم . ولا شك أن
هذا الإنكار مؤد إلى تقييدهم بالقيود . ولكنه فى الوقت فانه مؤد إلى إشاعة الملق من ناحية وإلى بعث الطمأنينة فى نفوسهم من ناحية اخرى . ولذلك فإنك تراهم يجمعون بين خلال الكبر والجبن والولع باللهو أشد الولع .
والرأى عندى أيها الأب أن تفكر مليا قبل أن تقدم على ما أنت بسبيله . فلا يزال فى الوقت فسحة واذكر أنك إذا كسوت الطير فقد خلقت مشكلة من أعقد المشاكل . . وإنى لقائل لك إننى أرى فى هذه اللحظة زوجين أو ثلاثة أزواج من طير البطريق يتغازلون فوق الرمال . وهم يمثلون البساطة فى أجلى مجاليها .
ولن تجد من الناس أحدا يلقى بالا إلى ما يفعلون ، فاصبر عليهم يا سيدى الاب وأمهلهم بعد أن تكسوهم - ألف عام ، وسترى ما سوف تفعل الملابس بإناث تلك الطيور . وإني لأرجو أن تأذن لى بأن أتنبأ بما سوف يكون : ولنبدأ بأن تأخذ واحدة من إناث طير البطريق ؛ وليكن انتقاؤنا لها خبط عشواء . ولتكن هى من اللاتى يفتقن - إلى حد ما - أنظار الذكور من بنى جنسها . ولنكوها بالقدر الذى نستطيع ، وها هى واحدة مقبلة علينا . وهى ليست بأجمل ولا أفيح من أخواتها ، إنما هى فنية السن . ولكنى أرى أن أحدا لا ينظر إليها . وهى تمشى الهوينا علي الساحل ، وهى تحك ظهرها وأنفها .
وأنت أيها الأب إذا رأيتها رأيت كتفين ضاقت مسافة ما بينهما ، وتهدين ضخمين . ورأيت سمائة وبدانة . ورأيت ساقين قصيرتين ، ورأيت ركبتين قد خالطتهما حمرة ، ورأيت فى كل فصل من مفاصلها شيئا يحسبه الرائى رأس قرد ؛ فإذا بدأت المشى اشتركت كل عضلة من عضلاتها فى هذه المهمة . وإنى لأرينك أيها الأب الموقر ماذا أنوى أن أفعل بها . ثم قام الراهب فأمسك بتلك الأنثى ورفعها بين يديه ، ثم رمي بها تحت أقدام القديس ، وبينما هي تبكى وتتوسل إليه أن لا يمسها بسوء ، وقد بلغ الذعر منها مبلغه أمسك الراهب بزوجين من النعال وأمرها أن تنتعل ، فلما انتعلت بنت ساقاها وقد اكتسبنا أناقة لا عهد لهما بها . وخالط الأنثى الزهو فنظرت إلى الصندوق المفتوح فألقته مليئا بالجواهر والحلى ، فابتسمت من خلال دموعها . وأمسك الراهب بشعرها فعنده ضفائر تغطى ظهرها ، ثم أضفة عليه إكليلا من الزهور ، وطوق معصمها بأساور
من ذهب ، وجعلها تقف منتصبة القامة ، ثم جاء بنطاق كبر من نسيج الكتان وأداره عن نهديها ، وهو يريد بذلك أن يجعل خصرها نحيلا ، وردفها ثقيلا ، ثم جاء بدبابيس وثبت بها ذلك النطاق وكانت هى تقول له : يمكنك أن تزيد فى تضييق النطاق
وبعد أن تم له ذلك أضفى عليها قميصا فى لون الورد ، وكانت هى تميل برأسها تارة إلى الشمال وتارة إلى اليمين اتستوثق من بديع زينتها . ثم سأل الراهب أنثى الطير : ألا ترين أن الفستان هو أطول قليلا مما يحب ؟ قالت: بل إنه لقصير ؛ ومهما يكن من شئ فإن أستطيع أن أرفع أطرافه بإحدي يدىء ! وما لبثت أن أمسكت بطرف الفستان وسحبته حول فخديها جاعلة همها أن تلقى بنظرة إلى عقبها ، ثم سارت فى طريقها وهى تمشى بخطوات قصيرة ، وهى تهز أردافها ، ومرت وهى فى طريقها بجدول ماء فألقت بنظرة من نظراتها إلى صورتها منعكسة فى ذلك الماء . ثم جاء ذكر من طير البطريق كان قد لقيها اتفاقا ، فوقف ذاهلا واختفى آثار خطوها ، فلما وصلت إلى الشاطئ تبعها كل من كان يصطاد السمك من الطير ، كما سار وراءها أولئك الذين كانوا يفترشون الرمال ولم ينقطع سبل المعجبين ومنهم من نزل من قمم الجبال ، ومنهم من انشقت عنهم أخاديد الصخور ، ومنهم كل بناء وغواص . وعلى الرغم من ذلك كله فإن تلك الأنثى قد مضت فى طريقها هادئة مطمئنة ، وكأن الأمر لا يعنيها . .
والأن فانظر أيها الأب الموقر كيف يتوجه كل فرد من ذكور الطير إلى ناحية ومركز الثقل " لتلك الآنسة الصغيرة بعد أن كسوناها ، حتى إذا غابت عن أنظارهم بدأوا يفكرون فيها بعقولهم ؛ وإنى لا أبرىء نفسى فانى أرانى مدفوعا بدافع لا يقاوم إلى النظر إليها وإلى التفكير فيها . وإنى لأحس أنى لو عانقتها لكنت كمن عانق دنيا السرور بأسرها .
ثم قام الراهب من مجلسه . وذهب إلى حيث احشد الذكور حول تلك الفتاة . فأمسكها والتى بها فى كهف خلفه المد فى إحدي الصخور . وسرعان ما أحى القوم المعجبون أن الشمس التى كانت تشرق عليهم قد غربت . وعندئذ أحس القديس أن إبليس قد اتخذ من الراهب (ماجي ) مثالا له يمشى على الأرض وذلك ليستطيع أن يلبس تلك الأنثى ثياب النساء ، فأحزته هذا الأمر
وأقض مضجعه ، وما راعه وهو يسير فى طريق صومته إلا رؤيته لرب من أخوات تلك الفتاة وكلهن فى سن السابعة ، وقد ضيقن خصورهن بأن لففن عليها نطفا صنعها من أعشاب البحر . ومشين يختلن فى زيتهن وينظرن هل يتبعهن أحد من المعجبين ؛ فأيقن القديس أن اكتساء النساء قد غيض من تواضعهن . ومع هذا فقد رأي أن لا ينكص على عقبيه ، وأن يسير فيما اختطه من خطة إلى آخر الشوط . فأمر بأن يشهد الطير جميعا اجتماعا أعده لهم ، ثم أمر بالثياب فوزعت عليهم ذكورا وإناثا ، فارتدى الذكور أقمصة قصيرة الأ كمام وسراويل قصيرة الأذيال وارتدى الإناث فساتين طويلة الذيول ، ولكن هذه الفساتين لم تحدث الأثر الذى أحدثته ملابس الأنثى الأولى فبدون جميعا وقد جانبتهن الأناقة ، وكانت أشكالهن غير متناسقة فلم يلتفت إلهن أحد .
وفى صباح من أصبحة الخريف ، وبينما كان القديس المبارك بجوب وادي ( كلانج ) وبصحبته راهب اسمه ( بولوك ) إذ رأى عصابات من الرجال يثير منظرهم الرعب والفزع وقد ساروا وهم يحملون سيارة وحديدا ، وفى الوقت ذاته سمع عن يمينه وشماله ومن خلفه ومن قدامه صراخا يضم الأذان وشكايات تتجاوب أصداؤها فى أرجاء الوادى ، وهى تصعد إلى السماء المطمئة ، فقال لصاحبه ؛ إنى أرى يا ولدى والحزن يرمضنى أنه منذ أصبح الطير من سكان هذه الجزيرة رجالا من الإنس قاض من الجزيرة معين الحكمة . وقد كانوا وهم طيور لا يختصمون إلا فى موسم الحب والزواج ، ولكنهم اليوم قد أصحوا قوما متشاكلين . فهم يختصمون أثناء الصيف ، وهم يختصمون إذا جاء الشتاء ، وقد نسوا أيام السلم يوم كانوا وكأنهم شيوخ فى جمهورية قد أوتي رجالها الحكمة وفصل الخطاب .
ثم استطرد القديس يقول الفناء : انظر يا ولدى إلى ناحية المدينة تر فى واديها الجميل حفنة من ذكور طير البطريق - وقد أصبحوا ناسا - يضرب بعضهم بعضا بالمعاول والفثوس . وقد كان أليق بهم وأجدى عليهم لو أنهم حرثوا بها الأرض فتفتتت لهم حدائق ذات بهجة ، وتنبت لهم من كل زوج كريم . . ثم انظر يا ولدي تر النساء أشد قسوة من الرجال ، وعن يقطعن بأظفارهن وجوه اللائي يخاصمتهن .
قال الراهب : الرأى عندي أن الرجال والنساء إنما يتخاصمون بحكم عداوة الحرفة أو بداعى الاهتمام بشئون المستقبل ، وإنه لمستحيل على الناس وهذا شانهم أن لا يفكروا فى أمر ملكية الأشياء ، وإنك لترى أيها الأب الموقر أن هؤلاء الناس يقسمون الأرض فيما بينهم .
فقال القديس : ألا يستطيعون تقسيمها فى غير عنف ؟ إنى أراهم - وهم يتعاركون - يتبادلون الشتائم والسباب ، ولست استطيع تمييز كلماتهم ، ولكنى أرى من نشاز النغم أنها كلمات شديدة قاسية . فقال الراهب إنهم ينهمون بعضهم بعضا بالسرفة ، وسلب الحقوق . فزفر الشيخ وتشهد وقال : ألا ترى يا ولدي ذلك الرجل المجنون الذى يقضم بأسنانه أنف خصمه ؟ وألا ترى ذلك الرجل الآخر الذي يدق رأس امرأة بحجر كبير ؟ قال الراهب : إني أراهم . وإني لأحسيهم بذلك يخلفون القوانين وينشئون الملكيات الفردية ، ويقيمون مبادئ الحضارة ويقعدون قواعد المجتمع ، ويضعون أسس الحكومات والدول .
قال القديس : وكيف يكون ذلك ؟ فأجابه الراهب : إنهم يوضعهم العلامات المبينة لحدود كل حقل من الحقول إنما يضعون أساس كل حكومة ، وهم يعملهم هذا يؤدون أكبر الوظائف شأنا وأعظمها قدرا ، وسوف يفرغ المحامون في كل عصر من العصور المقبلة لصيانة تلك الحقوق ، وسوف يفرغ القضاة والحكام لتدعم بنيان تلك الحقوق .
وبينما كان الراهب ينطق بهذه الكلمات مر طائر كبير من طير البطريق ناعم الجلد . أحمر الشعر وهو يهبط إلى الوادي حاملا فوق كتفه جذع شجرة ، وسار إلى حيث كان طائر صغير يسقي الخضر في الحفل الذى يملكه ، وتكاد الشمس تقتله مجرها ، وصاح الطبر الكبيرة ثلاثا : هذه الأرض أرضى ، ثم أتبع هذا القول بأن أهوي يجذع الشجرة على رأس الصغير فسقط هذا وقد فارقته الحياة فوق الأرض التى مهدها كمهيدا . وما إن سمع القديس بهذا النبأ حتى انتفض انتفاضة اضطرب لها جسمه كله . ثم فاضت دعوعه حزنا وأسى ، وفي صوت كاد محبسه الخوف والفزع توجه إلى الله سبحانه بهذه الصلاة : " أسألك اللهم يا من تقبلت القربان من هابيل ، ويامن أنزلت لعنتك على قابيل ، أن تنتقم لهذا المفتول ظلما ،
وهو الذى ضحى بحياته فوق الأرض التى كان يزرعها ، فليست هناك جريمة فى حق عدلك أشنع وأفظع من هذه الجريمة التى جمعت بين القتل والسرقة .
قال الراهب : أرجو أيها الأب الموقر أن تعلم أن ما نسميه قتلا وسرقة إنما هو ما يسميه الناس الحرب والفتح ، وهما من الأسس المقدسة فى بناء الإمبراطوريات . تلك الإمبراطوريات التى نبعث منها كل الفضائل الإنسانية وشع منها كل ضوء من أضواء العظمة . واعلم يا سيدي - وقيت الشر - أنك بلومك الطائر الكبير إنما تهاجم قانون الملكية الفردية فى ليه وصحيحه ، وليس يعيني أن أشرح لك المسألة . فاعلم يا سيدى علمت الخير - أن حرث الأرض شئ وأما ملكيتها فشئ آخر ، وهذان الشيئان لا يجب الخلط بينهما . أما فيما يتعلق بالملكية الفردية فإن حق المالك الأول ليس حقا ثابتا ، بل هو حق غير مقطوع بصحته . أما حق الغلبية والفتح فهو حق دعائمه اكثر ثيانا وأمتن بنيانا . وهو الحق الوحيد الذى يلقى الاحترام . ذلك لأنه الحق الوحيد الذى يظفر لنفسه بإحترام الناس .
وأرجو أن تعلم يا سيدى أن الأمل الوحيد الثابت الملكية الفردية هو القوة . فهى التى ولدته . وهى التي قامت على صوته ورعايته . ومن ثم جاء المثل الذى يقول : " إن من يملك إنما هو الرجل القوي النبيل " .
وهذا الطائر الكبير الذى أهوي بهراوته الضخمة على رأس الطائر الصغير إنما هو أول منشئ لبيت من أنبل البيوت على ظهر هذه الأرض . وإنى لأهئك يا سيدى الأب على وجوده . ثم غادر الراهب مكان الشيخ وذهب يخاطب القاتل بقوله : " أيها السيد العظيم للهيب : إنما جئت أنا لأقدم فروض الولاء لباعث القوة التى تستند إلى القانون . ولموجد الثراء الذى سوف يرثه أولاده وحفدته ، وإن رأس ذلك الطائر الحقير الذى ألقيت به ودفنته فى ترى حقلك سوف يظل شاهدا لا تنكر شهادته على تثبيت حقك وحق أبنائك وحفدتك فى هذه الأرض التى تشرفت بتملكك إياها . فليبارك الله لك فيها ، وفي أولئك الأبناء والحفدة ، وليجعلهم حكاما على هذه الجزيرة . . " أما الأب الموقر فلم تفنعه حجح الراهب ، ولكنه وقد تنبأ بأن ما يقول ، هذا الراهب سوف يكون الرأى الذى عليه الممول فى الجماعات المتحضرة فقد أضفى على ذلك الراهب لقب " موجد القانون المدنى فى جزيرة طير البطريق " .
