الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 262الرجوع إلى "الثقافة"

صفحات مطوية من التاريخ الاسلامى :، ٢-البلغار المسلمون

Share

ثم يقول ابن فضلان : " وقد كان يخطب له قبل قدومنا اللهم اصلح الملك بلكوار ملك البلغار . فقلت له : إن الله هو الملك . ولا يجوز أن يخطب بهذا أحد ، سيما علي المنابر . وهذا مولاك امير المؤمنين قد وصي لنفسه ان يقال على منابره في الشرق والغرب ؛ اللهم اصلح عبدك وخليفتك جعفرا الإمام المقتدر بالله امير المؤمنين . فقال كيف يجوز أن يقال ؟ فقلت يذكر اسمك واسم أبيك . قال : إن أبي كان كافرا ، وانا ايضا ما أحب أن يذكر اسمي إذا كان الذي سماني به كافرا . ولكن ما اسم مولاي أمير المؤمنين ؟ فقلت جعفر . قال : فيجوز أن اتسمي بإسمه ؟ قلت نعم فقال ؟ قد جعلت اسمي جعفرا واسم الى عبد الله . وتقدم إلي الخطيب بذلك ، فكان يخطب اللهم اصلح عبدك جعفر بن عبد الله امير بلغار مولى أمير المؤمنين " .

وعما ذكر ابن فضلان من المشاهد الطبيعية انه رأي البلد عند طلوع الشمس يحمر كل شئ فيه : من الأرض والجبال وكل شئ بنظر الإنسان إليه ، وان الشمس تطلع كأنها غمامة كبيرة فلا تزال الخمرة كذلك حتى تتكبد السها . وقال : إنهم يتبركون بعواء الكلب جدا ويعدونه بشري بالخصب والسلامة

وهذا خلاف ما يراه المصريون في عواء الكلب فهم يتشاءمون به . وزعم انه رأي الحيات عندهم كثيرة حتى يلتف على الغصن من الشجر عشر منها وأكثر ولا يقتلونها ولا تؤذيهم .

ووصف شجرا هناك يشبه النخل يستخرجون من

ساقه ماء حلوا يسكر إذا أكثر منه الشارب .

ثم قال : " وأكثر أكلهم الجاموس ولحم الخيل ، علي ان الحنطة والشعير كثير في بلادهم . وكل من زرع شيئا أخذه لنفسه ليس الملك فيه حق ، غير انهم يؤدون إليه من كل بيت جلد ثور . وإذا أمر سرية بالغارة على بعض البلدان كان له معهم حصة . وليس عندهم شئ من الادهان غير دهن السمك فانهم بقيمونه مقام الزيت والشيرج . وكلهم يلبسون الفلانس ، فاذا ركب الملك ركب وحده بغير غلام ولا أحد معه . فإذا اجتاز في السوق لم يبق أحد إلا قام وأخذ قلسونته عن رأسه وجعلها تحت ابطه ، فإذا جاوزهم ردوا فلانسهم فوق رءوسهم . وقد ذكر بعض الأحوال الفلكية في تلك البلاد ، وكان هذا موضع العجب في البلاد الإسلامية الأخرى . قال :

ودخلت أنا وخياط كان الملك من أهل بغداد قبتي لنتحدث ، فتحدثنا بمقدار نصف ساعة ونحن ننتطر أذان العشاء ، فإذا بالأذان فخرجنا من القبة وقد طلع الفجر . فقلت للمؤذن أى شئ اذنت ؟ قال الفجر . قلت فعشاء الأخيرة ؟ قال نصليها مع المغرب قلت كالليل ؟ قال : كما تري وقد كان أقصر من هذا ، وقد أخذ الآن في الطول . وذكر انه منذ شهر ما نام الليل خوفا من أن تفوته صلاة الصبح ، وذلك أن الإنسان يجعل القدر على النار وقت المغرب ، ثم يصلي الغداة وما آن لها أن تنضج . ورأيت النهار عندهم طويلا جدا . فلما كانت الليلة الثانية جلست فلم ار فيها من الكواكب إلا عددا يسيرا ظننت أنها فوق الخمسة عشر كوكبا متفرقة ، وإذا الشفق الأحمر الذي قبل المغرب لا يغيب البتة ، وإذا الليل قليل الظلمة يعرف الرجل الرجل فيه من أكثر من علوة منهم . والقمر إنما يطلع في أرجاء السماء ساعة ثم يطلع الفجر فيغيب القمر .

قال ابن فضلان : وعرفني أهل البلد أنه إذا كان

الشتاء عاد الليل في طول النهار وعاد النهار في قصر الليل ، حتى إن الرجل منا ليخرج إلي نهر يقال له إتل بيننا وبينه أقل من مسافة فرسخ وقت الفجر ، فلا يبلغه إلي العتبة إلي وقت طلوع الكواكب كلها .

-٥- وقصر الليل إلى هذا الحد كان موضع اهتمام الجغرافيين والرحالين والفقهاء

قال ابن بطوطة : وقد كنت سمعت بمدينة بلغار فأردت التوجه إليها لأري ماذكر من انتهاء قصر الليل بها ، وقصر النهار ايضا في عكس ذلك الفصل . وكان بينها وبين محلة السلطان ( يعني السلطان محمد اوزيك خان) مسيرة عشر ؟ فطلبت منه من بوصلني إليها ، فبعث معي من اوصلنى اليها وردني إليه ، ووصلتها في رمضان . فلما صلينا المغرب افطرنا ، وأذن بالعشاء في اثناء إفطارنا ، فصليناها وصلينا التراويح والشفع والوتر ، ولمح الفجر إثر ذلك . وكذلك يقصر النهار بها في فصل قصره ايضا

أقول في هذا الكلام نظر . فبين غروب الشمس وطلوعها في اكثر بلاد بلغار وقزان حين يبلغ الليل نهاية القصر ست ساعات ونصف . وقد ذكر هذا ابن فضل انه العمري من قبل ، إذ رومي عن الإريلي ان اقصر ليالي بلغار أربع ساعات ونصف . والمعروف ان بين الفجر والشروق في تلك البلاد نحو ساعتين .

* " وأظن أن الأمر اشتبه على ابن فضلان وابن بطوطة وامثالهما ، لأن الشفق لا يغيب فيقي الضوء بعد غروب الشمس إلي أن نطلع ، فلا فرق بين شقق الغروب وشفق الطلوع ، فلا يحد وقت المشاء الذي حده الفقهاء بما بين غياب الشفق إلى الفجر . فإن صدق ما ذكره ابن فضلان وابن بطوطة فقد كان بين اذان الفجر الذي سمعا وبين طلوع الشمس نحو أربع ساعات ساعات أو خمس .

وإنما يصدق ما قالا في بلاد أبعد من بلغار شمالا ، كما قال ابن فضلان في رسالته " وحدثني الملك ان وراء بلده بمسيرة ثلاثة أشهر قوم يقال لهم "ويسو " ، الليل عندهم أقل من ساعة " .

وقد ثار الجدل بين الفقهاء في وجوب صلاة العشاء علي أهل بلغار . وكان هذا الجدال سبب شهرة هذه البلاد في الأقطار الإسلامية . روي صاحب الفنية في فقه الحنفية أن شمس الآئمة الحلواني سئل عن حكم صلاة العشاء في بلاد بطلع فيها الفجر قبل غباب الشفق في اقصر ليالي السنة ؛ فأفتي بوجوب الصلاة . ثم جاء الاستفتاء إلي سيف السنة البقالي بخوارزم فأفتي بأن العشاء غير واجبة . فأرسل الحلواني إلي البقالي من سأله في جامع خوارزم : ما تقول فيمن اسقط من الصلاة الخمس واحدة هل بكفر ؟ فلما سمع الشيخ السؤال عرف مقصود السائل فقال له : ما تقول فيمن قطعت بداء من المرفقين ، أو رجلاه من الكعبين ، كم فرض وضوئه ؟ فقال ثلاثة ، لفوات موضع الرابع . قال الشيخ كذلك الصلاة الخامسة . وبلغ الحلواني جواب البقالي فاستحسنه . ووافقه على إسقاط صلاة العشاء في تلك البلاد .

وقد ثار الجدل من بعد في هذه المسألة ، واختلفت فيها الآراء ، وألفت فيها كتب خاصة . وكان هذا الجدل في هذه المسألة معرفا بهذه البلاد العجيبة ، بلاد بلغار ، فتردد ذكرها في كتب الفقه والجغرافيا والرحلات ، حتى زار ابن بطوطة بلغار ليشهد قصر الليل بها كما سمع .

-٦- وكانت بلغار باسلامها متصلة بالبلاد الإسلامية تبادلها السلع وتتوسط بينها وبين أوروبا المسيحية في تبادل التجارة . فكانت السلع الآتية من اقصى الشمال تبادل بالسلع الآتية من الأقطار الإسلامية المختلفة . وقد عثر في

اسكندناوة على سكة إسلامية ترجع إلي العصر العباسي ، وفي هذا دليل على بلوغ المعاملات الإسلامية هذا الصقع .

وكان أكثر ما يجلب من البلغار وبوساطتها ، الفراء الثمينة والجلود .

وكان أخذ أهل بلغار العلم والدين عن أقرب الأقطار الإسلامية إليهم ، بلاد ما وراء النهر .

وقد حفظ التاريخ أخبار طائفة من العلماء نشأتهم بلغار ، ولكنها لبعدها إلي الشمال وتطرقها لم تسجل احبارها وأخبار أهلها كثيرا في كتب المؤلفين المسلمين وكانت بلاد ما وراء النهر أكثر اتصالا بهم لأنها أقرب إليهم .

وقد عرفت أخبار بعض العلماء الذين رحلوا إلي بلغار ، منهم أبو عبد الله الغرناطي صاحب تحفة الألباب ، وقد رويت عنه اخبار عن الباشقر والبلغار . وثابه محفوظ في دور الكتب بالأستانة . وكانت وفاته حسوالي سنة ٥٣٠ ه

ومنهم أبو حامد الأندلسي صاحب كتاب المغرب في عجائب المخلوقات ، دخل بلغار سنة ٥٢٩ وصحب قاضبها يعقوب بن النعمان .

ومنهم ابن بطوطة ، وقد قدمنا ما قال عن رحلته إلى بلغار .

وممن حفظ التاريخ أسماءهم وطرفا من أخبارهم ، من علماء هذه البلاد ، يعقوب بن النعمان قاضى بلغار وقد ألف تاريخا لها ؛ ولكنكر تاريخه مفقود اليوم . وقد لقيه أبو عبد الله الغرناطي كما تقدم ، ونقل عنه أبو حامد الأندلسي وعده من اصحاب إمام الحرمين . توفي حوالى سنة ٥٥٠ ه

ومنهم الشيخ سليمان بن داود السقسيني ؛ ألف كتابا في الوعظ بالفارسية سماه بهجة الأنوار ، ثم عربه وزاد عليه وسماه نزهه القلوب المراض .

ومنهم الشيخ برهان الدين البلغاري شارح فصول الفسقي في علم الجدل .

-٧-

وهذه المملكة التى ابتدأ تاريخها الإسلامي في أوائل القرن الرابع الهجري استمرت بعد إسلامها أربعة قرون تدافع عن نفسها الامم المجاورة لها ، والتتار القادمين من الشرق .

وقد خلف جعفر بن عبد الله أول الملوك المسلمين ابنه أحمد ، ولعله الذي عناه المسعودي إذ قال عن الامير جعفر إن ابنه حج ، وقدم بغداد وقوبل بالحفارة . ثم خلف احمد ابنه طالب ، وقد عثر على سكة ضربت باسمه في بلغار سنة ٣٣٨ - ثم توالي الأمراء على الملك . ووقعت واقعات بينهم وبين الروس وغيرهم من مجاوربهم إلى ان كانت  قارات التتار الكبرى،فسارت التتار المغرية محاربين حتى بلغوا بلغار أواخر سنة ٦٢٠ ه . وبقول ابن الأثير : فلما جمع أهل بلغار بقربهم كمنوا لهم في عدة مواضع واستجر وهم إلى أن جاوزوا موضع الكمناء فحرجوا عليهم ، وأخذهم السيف من كل ناحية فقتل اكثرهم ، وسارت بقيتهم مشرفة . واتصلت الطرق بين بلغار والبلاد الإسلامية بعد أن قطعمها التتار حينا .

ثم عاد التتار إلى الغرب واضطر البلغار إلى مصالحتهم والدخول في طاعتهم سنة ٦٥٣ . وتقلبت بهم الأحوال من بعد حتى سنة ٨٣٤ ه . ثم لا تذكر التواريخ المعروفة بلغار بعد هذه السنة ؛ ويظن بعض المؤرخين ان الروس استولوا عليها بعد نضال طويل

وزوال مملكة البلغار لا يدل على زوال الأمة ، فقد بقيت هذه الأمة المسلمة في موضعها بين القلجا وجبال اورال حتى اليوم . ولكن غلب على معظم هذه البلاد اسم قزان يدل بلغار ؛ وذلكم حينما اخذت مدينة قزان مكانة مدينة بلغار في السياسة والحضارة .

اشترك في نشرتنا البريدية