في تاريخنا الحديث كثير من الأبطال المجاهدين الذين بذلوا أرواحهم بذل السماح في سبيل وطنهم ، وكافحوا كفاح الأبرار نضالا عن حقوق أمتهم ، ثم طويت مواقفهم الرائعة في مطاوي الإهمال والإغفال ، فلم يذكرهم ذاكر ، ولم يقف على أثرهم باحث ، وإنهم لخليقون بكل إجلال وتمجيد ، وهذا البطل الشهيد أحمد العوام واحد من هؤلاء الأبطال ، فمن هو أحمد العوام ؟ .
لم تحدثنا المصادر التاريخية بشيء عن النشأة الأولى لأحمد العوام وطبيعة الحياة التي كان يحياها ، وكل ما ذكره التاريخ عنه في هذا أنه كان من أبناء الإسكندرية وكان ملماً بشيء من الثقافة الدينية متجملا بالتقوي والاستقامة . وكان يجيد بعض اللغات الأجنبية وله اقتدار علي الخطابة وحسن التعبير ، فلما قامت الثورة العرابية ، ووضحت نيات الإنجليز وأطماعهم في استعمار مصر ، واستسلمت الدولة العثمانية أمام هذه الأطماع الخطيرة على مصر وعلى الدولة العثمانية معا ، دفعت الغيرة الوطنية والدينية بأحمد الهوام كما دفعت بكثيرين من أمثاله إلى مناصرة العرابيين ، وإلى الغامرة في ميدان تلك الثورة الوطنية الظافرة التي لم تكن في الحق تنشد إلا صالح مصر وصالح المصريين .
وكانت الإسكندرية الخط الأول في ميدان الثورة ، ومنها اندلعت الشرارة الأولى . وقد اتخذها الوطنيون مجالا لدعوتهم ولنشاطهم منذ البداية ، وجعلها عبد الله النديم ميدانا لخطاباته في استفزاز العواطب الوطنية وإثارة الحمية الدينية ، وألف فيها جمعية من الشبان المتحمسين المتكلمين ، فكانوا يتنقلون في المحافل والمجامع يخطبون ويتحدثون إلى الناس في حقوق الوطن وواجبات الجهاد في سبيله والدفاع عنه أمام الخطر الماثل على وطنهم وعلى دينهم ، وكان أحمد العوام في هذا الرعيل ، يخطب في المحافل والمساجد والطرقات ، ويتنقل بين الناس واعظا بحقوق الوطن ، وداعيا إلى الجهاد ، ولكن الأقدار جاءت بما ليس في الحسبان ، فانتهت الثورة بخيبة الأمل ، وسيطر الإنجليز على مقاليد الأمور في مصر ، وجرت محاكمة العرابيين وأعوانهم ، وقبض على أعضاء جمعية شبان الإسكندرية ، ومنهم من حكم
عليه بالإعدام ، ومنهم من حكم عليه بالنفي خارج البلاد ، وكان أن انتهى المطاف بأحمد العوام إلى الإقامة في السودان ، ولا تدري هل أبعد محكوما عليه بالنفي ، أم هو الذي آثر السلامة بالهرب والفرار إلى هناك .
وكانت إقامة أحمد العوام في السودان بداية حياته في الجهاد الصحيح ، فقد انتقل من ثورة إلى ثورة ، انتقل من ميدان الثورة العرابية التي استسلمت في بداية الشوط إلى ميدان الثورة المهدية التي كانت لا تزال في بداية الضرام والاحتدام ، وكان الإنجليز قد جعلوا من السودان هدفا لأطماعهم بعد أن استقرت أقدامهم في مصر ، وكانوا يريدون أن يجعلوا من الثورة المهدية تكأة للوصول إلى تحقيق هذه الأطماع وشطر وادي النيل ، كما اتخذوا من الثورة العرابية في مصر سبيلا إلى هذا ، ولهذا انتدبوا غردون باشا وزودوه بالخطط والتعليمات للعمل على إخلاء السودان من الجيش المصري والموظفين المصريين ، ولإحباط الثورة المهدية بكل وسائل الترضية وتعليل السودانيين بالأماني والأمال ، حتى يخلص السودان في النهاية للانجليز وحدهم ؛ وقد أخذ غردون يجاهد لهذه الغاية ويبذل كل ما في وسعه لبلوغها ، فأرسل إلى المهدي بأنه عينه سلطانا على دارفور وكردوفان ، وأخرج الجنود المصريين من الخرطوم ، وألف فيها مجلسا من السودانيين لحكم البلاد ، وأذاع في أبناء السودان بأنه أعفاهم من الضرائب وأباح تجارة الرقيق ، وجمع دفاتر المالية وأحرقها تحت أعينهم ليظهر بمظهر الصادق في وعوده أمامهم .
ما كانت هذه الرواية التمثيلية التي قام بها غردون باشا في حاجة إلى شئ كبير من الذكاء ، لإدراك ما تخفي وراءها
من الأغراض الاستعمارية والأطماع الإنجليزية ، وما كان في استطاعة رجل مثل أحمد العوام أن يغض عن هذه الأغراض والأطماع ، وهو الذي لا يزال قلبه عامرا بالغيرة الوطنية ، وبالثورة على أغراض الإنجليز ومطامعهم . وفي نفسه ما فيها مما جلبه الإنجليز على مصر وصنعوه بالعرابيين في حركتهم الوطنية ، فنهض يكشف للناس الحقيقة في سياسة غردون وتدبيراته ويبصرهم حقيقة الأطماع البريطانية في السودان ، ويهيب بهم للوقوف أمام هذه الأطماع قبل أن تلتهم وادي النيل لقمة سائغة ؛ واستجاب أبناء الوادي لهذه الدعوى الصريحة الجريئة ، والتفت جموعهم من حوله ، حتى بلغ أتباعه وانصاره أكثر من عشرين ألفا وكلهم يلتهب غيرة وحماسة ؛ كما أخذ ينصره في دعوته كثير من رجال الجيش والأعيان وأصحاب النفوذ وقناصل الدول الأجنبية الذين كانوا يتوجسون الشر في نيات الإنجليز وأساليبهم . وأراد العوام أن يسير في دعوته على وضع منظم ، فألف من أنصاره جمعية سماها " الجمعية الوطنية على غرار جمعية شبان الإسكندرية والحزب الوطني الأول الذي وضع مبادئ الثورة العرابية في مصر ؟ ولم يقتصر في مجال دعوته على الخطابة في المحافل والحديث إلى الأهالي ، ولكنه أنشأ نشرة أسبوعية وأخذ يكتب فيها المقالات الحماسية الملتهبة في الكشف عن نيات الإنجليز وأغراضهم التي يمهد غردون لتحقيقها بأساليبه وتدبيراته . والحض على مقاومة هذه الأغراض وإحباطها .
وكان لأحمد العوام في دعوته رأي واضح ، وخطة يدعو إلى تنفيذها والتعلق بها لقطع الطريق على الإنجليز في أطماعهم ؛ فكان يعتبر وادي الليل ميدانا ممتدا للمعركة مع الإنجليز ، وإذا كان الانجليز قد كسبوا المعركة الأولى في مصر ، فإن من الواجب أن يكون خط الدفاع الثاني في السودان ، وكان يرى أن الانجليز لن يخرجوا من مصر كما يزعمون ، وأن إخراجهم ليس بالأمر السهل ؛ بل إن استيلاءهم على السودان رهن بإحباط الثورة المهدية ، ولهذا أخذ ينادي بتقوية الروابط بين شطري الوادي ، ويهيب بالدولة العثمانية القوامة على تلك البلاد أن تبادر فترسل بقوات كبيرة من جنودها فتعسكر في الخرطوم ، كما كان يهيب بمناصرة الثورة المهدية ، ويدعو أبناء وادي النيل إلى الالتفاف حولها ، حتى لا يكون مصيرها مصير الثورة
العرابية ، ومصير السودان مصير مصر ، وتتم الكلمة والسلطة للانجليز على وادي الليل من أقصاه إلى أقصاه .
وقوي نفوذ أحمد العوام في دعوته . وقوي بأس الجمعية الوطنية وازداد أتباعها وانصارها عددا وبأسا ، فكان هذا مما أفزع في غردون ، وأثار في نفسه الخشية والتوجس من خطر هذه الجمعية . وأراد الداهية الإنجليزي أن يتذرع بأساليه وحيله في القضاء على الجمعية ودعوتها بالتفريق بين أعضائها وإفساد ما بينهم بالمال . فاستدعي إليه رأس الدعوة أحمد العوام وتلطف معه وأبدى إعجابه به ، ثم عرض عليه أن يكون معه ، ومنحه فعلا الرتبة الثانية ، وعينه سكرتيرا له . وقدر له تسعين جنيها مرتبا شهريا ، ولكن كم كانت خيبة أمله إذ رفض أحمد العوام الرتبة والراتب ، والجاه والمنصب ، وتقدم إليه قائلا : "حقا ياسيدي أنني رجل فقير ، ولكنني لا اقصد غير سعادة مواطني سكان وادي النيل ، وإنني قانع بالفقر مع بلوغ هذه الأمنية" . على أن أحمد العوام لم يكتف بهذا بل لقد عاد من حضرة غردون وسجل كل ما جرى بينهما من الحديث وأذاعة في النشرة الأسبوعية التي كان يصدرها . فكان هذا مما ألهب نفوس أتباعه من جهة ، وأضجر غردون من جهة أخري .
ولم يكن من الطبيعي أن يستسلم غردون وأن يغضي عن هذا الخطر الذي يتهدد خططه وسياسته بالاحباط أو الفشل ، ولا بد أنه استنفذ كل ما عنده من الحيل لعله أن يطوي أحمد العوام ويثنيه عن طريقه . ولكنه وجد نفسه أمام خصم عنيد ، لم يجد الحيلة في اقتناصه ، ولا الذهب في إغرائه . ولا المنصب في كبح جماحه ، وإنما يكون الخطر على أصحاب الدعوات من التكالب على المال ، والعشق لجاه المناصب ، وما فيها من فتنة الرتب والمظاهر ، فإذا ما احتقر صاحب الدعوة هذا كله ، فهو القوة التي لا تزحزحها قوة ، وهو الصخرة التى لا تنال منها سهام الكيد والوقيعة ، وإذا كان لابد أن يسارع غردون إلى تقليم أظفار هذا الخطر وتحطيم نابه ، فأمر بأحمد العوام رأس هذه الدعوة فقتل ؛ وبهذا طويت صفحة ذلك البطل العظيم ، وطوي جهاده الصادق لانفاذ وطنه في مطاوي الإهمال والاغفال ، وذهب في الجنود المجهولين ، فما في أبناء وادي النيل من يذكره أو يعرفه .

