الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الثقافة"

صفحة الأدب الانجليزى:, الفزع المقدس : كتاب " ولز " الأخير

Share

هربرت جورج ولز او " ه . ج ولز " كما يجري اسمه على الألسنة ، دعامة قوية من معالم الأدب الانجليزي في العصر الحاضر ، وقد نيف على السبعين ، ولا يزال يعمل ويكتب ويساهم في الحركات الفكرية والاجتماعية ، ويشن الغارة من كتبه ومقالاته وأحاديثه على المستبدين وأعداء السلام

يؤرخ الماضي ويصف الحاضر ، ويتنبأ عن المستقبل ، ويبشر في جميع ذلك بالسلام وإصلاح بني الإنسان بإصلاح المجتمع ونظامه . وليس هو على رأي مذهب من مذاهب الإصلاح الشائعة في العهد الحاضر ، لأنه يحارب الشيوعية والفاشستية ، وينتقد الديمقراطية ، ولا يرجع بفساد المجتمع إلي سبب واحد من أسباب الاقتصاد أو الأخلاق أو السياسة ، لانه واسع النظر عارف بالجوانب الكثيرة التي تشترك في احداث الحوادث وتكوين التاريخ

يقول بعض الحكماء : " إن المؤرخ نبى الماضي " لأنه يستفسر الماضي او يفسره ، كما يعني الأنبياء بتفسير المستقبل . فإذا صدق هذا الوصف على مؤرخ من أبناء عصرنا ، فهو اصدق ما يكون على ولز فيما كتب عن القرون الأولى . إذ هو يكتب التاريخ ليمهد به طريق الأجيال المقبلة ، ويستعين به على تحقيق اماله المنظورة ، وقد علم أن داء الحرب يتفشي من الدوافع النفسية ، كما يتفشى من الدوافع الاقتصادية والسياسية ، وعلم ان " المجد العسكري " هو السحر الذي يستهوي بعض العقول إلي المخاطر ويشحذ فيها الضراوة بالقتال . فكتب التاريخ ليمسح الطلاء المكذوب

عن اصحاب هذا المجد الموهوم ، ويقشع الرغو عن الزبد كما يقولون ، فإذا بمعظم القواد الذين فتنوا بالحرب وولغوا في الدماء ، واستخفوا بالأرواح والحرمات ، أناس من المرضى الموخين ، او ممن تم اخبارهم وتصرفاتهم في معيشتهم الخاصة والعامة على اختلال الشعور وانحراف المزاج

فالإسكندر مثلا كان معروفا في طفولته وصباه بالشراسة والجموح والأفراط في الآثرة و " الأنانية " وتدليل النفس والتأثرت والاقبال علي الشهوات ، وكان يحسد أباء و يقضه ويتطاول عليه . وقد ورث هذه الخلال الدميمة من أمه الفتاكة الغبور التي كانت تتلهي بتربية الثعابين ، وتستطيب مناظر التعذيب . وروبت عنه في شبابه أمور لا تصدر من عقل سليم ، فكان يقتل أصحابه لأهون مظنة وأضعف شبهة ، وكان يموت له بعض العشراء فيحزن عليه حزن المجانين المخبولين ، ويأمر بقتل طبيبه ، وهدم العاقل ، وحلق شعور الخيل حدادا عليه ، وكل ما صنع في حياته فإنما هو من المصادفات ، وليس من الخطط المرسومة والسياسات المدبرة ، فقد أراد أن ينشيء دولة واسعة ، فأنشأها بالفتح والقارة ، ولم يخطر له أن يربط تلك الدولة ، ويجمع بين أجزائها بالطرق البرية والبحرية ، أو بالنظم السياسية والإدارية ، بل صنع ما يقطع الوصلة بين أجزاء هذه الدولة ويبت الاواصر التجارية والملاحية فيها ، وذاك حين هدم مدينة " صور " المشهورة ، وقد كانت بمثابة قناة السويس في العصور الحديثة

وعلي هذا النمط كتب سيرة بوليوس قيصر ونابليون

وغيرهما من مشاهير الحروب ، فلم يكن واحد منهم مثلا طيبا من امثلة الطبيعة الانسانية ، ولم يكن لواحد منهم رسالة أساسية أو قيمة رفيعة من قيم الأخلاق الجوهرية ، ولم يكن سر نجاحهم عظمة فيهم ، بل انانية مفرطة تشغلهم من طلب السيادة بما لا يشغل غيرهم ، ثم اضطراب في ازمانهم بفتح أبواب المغامرة لأمثالهم . ولا يسودون الناس لأنهم أعظمهم واقدرهم ، بل لأن السيادة صناعة لها أدوات خاصة كالأدوات الضرورية لكل صناعة ، وكثيرا ما تتوافر هذه الأدوات لأناس من الأوساط المشوهين .

وقد ظهرت لولز رواية جديدة باسم " الفزع المقدس " (the Holy tcrror)خلاصتها انها شرح لهذه الفكرة في عالم القصة المخترعة ، أو نقل لابطال التاريخ إلي قالب الخيال .

فهي تشرح لنا كيف ينشأ الزعيم المستبد " من الطفولة إلى الشباب فالكهولة ، وتحلل لنا اخلاقه والتفانات ذهنه ، وطبعه ، ومصادفات نجاحه ، وبواعث تفكيره في طلب السيادة على غيره .

فرودلب وتسلو (RudLI    WhitLOw)هو نموذج " الدكتاتور " العصري في تكوين جسمه وعقله واحوال يبئته وزمانه : طفل عسير على والديه وإخوته ولداته ، ميثوس من تقويمه وكبح جماحه ، غاضب العاطفة ، محروم من بواعث المحبة ، بشتد به سخطه حين يثور على اخوته حتى يقذفهم بالسكين ، أو يهجم عليهم هجوم المجانين ، وهو مع ذلك ضعيف ! وليس بالقوي المتبن التركيب ، وبنفر منه الناس ، وبنفر هو من الناس ، فينطوي علي نفسه ومذاكرة دروسه ، فيتقدم بعض التقدم ، وينتهي إلي سن الدراسة العالية ، وليس أبوه وامه بقادرين على تعليمه وتعليم اخوته معه في الجامعات والمدارس العليا ، ولكن أخوته ودعا لا يهددون ولا بثورون ، وهو

وحده الذي يثور وبقيم القيامة ، ويوشك أن يبخع نفسه أو يبخع أبويه ، فيرسله أبواه راغمين إلي مدرسة عالية ، ويجد نفسه يوما في حلقة الخطابة ، فيغربه حب الظهور بالصعود إلي المنبر فيتكلم فإذا هو بحسن الكلام ، ويؤثر في سامعيه ، وإذا هو يفعل بالكلام ما لعله كان  يود أن يفعله بالعضل والسلاح ، وإذا هو يفرغ في آرائه كل ما في نفسه من السخط والحرد وقلة العطف على إخوانه في الآدمية ، فكل شئ في الدنيا سخيف أو معيب ، وكل عمل من أعمال الحاكمين ناقص أو معكوس ، وكل وزير مخطئ أو جامد على القديم ، وكل نظام في البيت أو في المدرسة أو في الحكومة محتاج إلي القلب والتبديل ، وتروق هذه النغمة من يستمعونه ، لأنهم يعيشون في عصر القلق والحيرة ، ويشتهون التطاول والتهجم ، ويعجبون أنفسهم أو يرضون غرورهم حين يسمعون قدحا في عمل الحاضر ، وتنويها بالعمل المنظور في المستقبل ، فيبلغ بينهم " رودلف " - أو " رود " كما يدعونه للتحبب - مبلغ الحظوه والنباهة ، ويقبلون على الحلقات التي يخطب فيها ، ويسألونه الأسئلة ، ويستطلعون رأيه في كل معضلة ، ويقترحون عليه أن يقترح عليهم ما يبشر به من دعوة ، ويمهد له من تجديد وتغيير .

وذكر الكاتب طائفة من حاشية الزعماء " التابتين" الذين يحيطون بالفتي " رود " واضرابه ويوالونهم في نشاتهم بالتشجيع والأغراء والتحبيذ ، ويتعقبونهم كما يتعقب السماسرة بعض " الاسهم الجديدة حتى تثبت في السوق .

فهذه الحاشية تتألف - أكثر الأحيان -من رجل مقطور على الإعجاب والكلامة الأموية ، يعلم صفات الزعامة ويعلم أنه هو نفسه ليس بالزعيم ، فيسره ان يخرج الزعماء على يديه ، من باب العزاء والتعويض .

ورجل صابى" من مذهب آخر غضب على زعمائه

فتحول إلي جانب غير جانبهم لينتقم منهم ويريهم مقدار ما يستطيعه في محاربتهم ، ويخدم صاحبه الحديد بما يعرفه من المصطلحات وما يحذقه من أساليب الدعوة والتنظيم .

ورجل موسر لا يدري ماذا يصنع بماله ، فيراهن على كوكب صاعد في سماء الشهرة كما يراهن على جواد جديد في حلبة السباق ، ثم لا يعنيه ان يربح او يخسر لانه كثير المال يطلب لذة المراهنة قبل أن يطلب لذة النجاح

ورجل قادر علي التدبير والدسيسة ، ولكنه غير قادر على القيادة والاقتحام .

ورجل آيد عظيم اليأس كالفيل والجمل يحب ان يحمل الأعباء وباقي بزمامه إلي من يقوده وهو وادع مستريح . واناس يتبعون كل صائح ويحدقون بكل من يتحدث عنه الناس ، ويحبون التخرب والتعصب ليقال إنهم من هذا الفريق وإنهم صارعوا أو يصارعون ذلك الفريق .

وقد أحاطت هذه الحاشية بالزعيم الثابت على حسب المألوف في جميع هذه الحركات ، فتمت عناصر الدعوة ووجب أن تبرز للدعوة صورة وعنوان تستقبل به الأنظار والأسماع .

وهنا تسعف " رود " مناقشاته ومساجلاته مع أفراد الحاشية ، فإذا هو ملم بأطراف المباحث الاجتماعية التي تناولها ا أشياء هذه الدعوات ؛ وإذا هو يصوغ من هنا وهناك بعض العناوين التي لا يدرى هو نفسه هل ابتدعها او لفقها من فئات الاقواء وصيحات الصائحين ، فيسمى حركته حركة " الطبع السليم " او البداهة السديدة Common    Senee- هربأمن المصطلحات العويصة او تعريضا بها لأنه لا يستطيعها ، ويجعل عنوانه محو " الرجل الشائع أو رجل القمار والسواد     Common Man هربا من وصف الزعامة الذي يثير الحسد وببعث المخاوف ، كانه يقول إنه لا يتصدى لهذه الحركة لأنه سيد مطاع بل يتصدى لها لأنه واحد من سواد الناس يمثل سائر السواد ، أو لانه هو

" الأقوم " الذي تتجلي فيه روح الجماهير معروضة في صورة فرد من الأفراد .

هذا هو عنوان الدعوة وهذا هو عنوان قائدها . فما هي الدعوة وما هي غايتها ؟ مطلب إنشائي في الظاهر ، ولكنه يستهوي إليه كل من يريدون الهدم ويحبون التجول ويذهبون مع القلق ويغرقون من الحيرة في تعيين الإغراض ، وهذا المطلب هو الجمع بين الانجليز والأمريكين في وجهة واحدة ، ولو ادي ذلك إلي تفويض كل نظام او هيئة أو حق أو حائل يحول دون التوحيد المطلوب ، وحجة رود " فيما يدعو إليه أو فيها اضطره حكم الصناعة ان يدعو إليه ، هي أن الحركات الاجتماعية والفكرية بين انجلترا والولايات المتحدة تتقارب وتتماثل ويمكن ان تتعاون وتتكافل ، وليس الأمر كذلك فيما بين الانجليز والأوربين من حركات ومشكلات ، فلا العمال في فرنسا يشبهون العمال في الجزر البريطانية ، ولا أصحاب المصانع والمصارف والأموال أو رجال الدين ورجال العلم يشبهون نظراءهم في الجانبين . ومتي اختلفت حقيقة العاملين فلا معنى للتعاون على الأعمال .

ولم تنقض خطوات على ابتداء دعاة " الطبع السليم " في طريقهم حتى ظهر أن النقص الذي في زعيم الدعوة يفيده في بعض الأحيان وقلما يضيره .

مثال ذلك أنه لنضوب عاطفته وخداج طبعه وانقطاع الصلة النفسية بينه وبني نوعه ، كان يتجافي النساء ولا يشغل قلبه بالعشق والمغازلة ، فكان هذا النقص يصرفه إلي غايته الكبرى بغير مشاركه في مساعيه وجهوده ، وكان يكسبه ولاء الفتيان والفتيات ، لأن الزعيم الذي يشغل قلبه بالعشق يجلب علي نفسه وعلى حركته افات الغيرة بين النساء وأفات الغيرة بين الرجال .

ومثال انتفاعه بالنقص ايضا انه كان في مظهره هز بلا "

لا يروع الانظار بقوام فارع ولا يطلعة مهيبة ، فكان ذلك يكسبه عطف الاصحاب ورغبهم في تاييده ولا يحفزهم إلى التحدي والمقاومة ، وهؤلاء بعوضونه بعطفهم عليه وتأييدهم له وتكبيرهم لخطره عما يفقده في النظرة العاجلة بين الجماهير .

ولما ان اجتمع للدعوة عدد مقبول من المدئرين والمنظمين ، او اجتمع لها ما يصح ان يسمي مجلس الإدارة " عند الاحزاب ، فكروا في إحدي طريقتين : هل بنشئون حزبا جديدا ، فصعوبة ذلك ان يرزحوا بتكاليف التأسيس والنفسيه ؟ او ينضوون إلي حزب قائم ثم يقبلون زعامته ويقبضون على زمامه ، فذلك ادني إلي النجاح وإيسر في الكلفة ، واشبه بتحقيق الظفر وتدعيم التفاؤل والرجاء في الوقعة الأولى ؟

وعلى هذا دخلوا حزبا ناشئا اوشك أن يتضاءل ويخفت بعد تباعة شأنه ، فغلبوا رئيسه لأنه كان يتخابل بسماء ويعتز بغناء ، ويردد الصيحات التي سئمتها الإسماع ولم تسقر عن وجهة محدودة يتجه إليها تابعوه .

وينتقل بنا " ولز " نقلة مفاجئة إلي المستقبل ، فإذا بالزعيم قد افلح واستولي على أعنة الدنيا ، ووقع في حرب زبون مع البقية الباقية من مخالفيه ومعانديه . ثم ينمي إليه ان فائد خصومه يوشك ان يسلم في الميدان ، وان القائد الذي ائتمنه هو على جيوشه والمعسكراته يهم بقبول هذا التسليم وتوحيد القيادة على العسكرين والمناداة بنفسه حاكما بأمرء في العالم بأمره ، فيماجله بغارة هوائية تنسفه هو وقواد الأعداء المتآمرين معه نسفا سريعا ، وتهي" له سبيل التفرد بالميدان في الحرب والسياسة ، فاذا هو سيد السادات وفائد القواد وقبلة المغرب والمشرق ومصرف الأمور في مصير بني الانسان . ثم ماذا؟  ؟

ثم انتقض عليه الأقربون والأبعدون ، لأنه وصل إلي دور البناء وليس هو من اهل البناء ، ولانه انتهى من الهدم ولا تزال اخلاق الهادمين من حب العدوان على الناس وخوف عدوانهم وغدرهم غالية عليه منقضة لحياته ، ولان الذين ساعدوه قد فعلوا ذلك لانهم  يكرهون امورا في النظم القائمة قد تخلصوا منها وبطلت الكراهة التي جذبتهم إليه وحرضتهم على تأييده ، فماذا بقي إلا ان يتاوثوه ويتمردوا عليه ؟ .

ويموت " رود " مسموما ويبني له الذين طلبوا موته ضريحا بزار ، ويحج إليه الوافدون من جميع الأقطار ، ويدور دولاب الدولة ويجري كل شئ في مجراء كأن لم يكن زعيم ولم يكن " فرد فريد " كان يظن ان سيموت بموته خلق كثير .

تلك خلاصة موجزة لرواية " الفزع المقدس " التي تتبع فيها الكاتب الجليل حياة زعيم من الزعماء العالميين منذ كان جنينا إلي أن واراه تابعوه " غير المخلصين " في جوف الضريح .

وزيدة الرواية كزبدة التاريخ الدنيوي الذي وضعه " ولز " هي ان صناعة السيادة والاستبداد ليست بأشرف الصناعات ، وليس اصحابها بأشرف الناس ولا بأقدرهم أو أجدرهم بين أبناء ادم بالاكبار والاعجاب ، وإن نجاحهم لا يختلف كثيرا عن نجاح جرثومة الداء أو " الميكروب " في الغلبة على الجسم المنحل ، لأن الميكروب يعمل والجسم المنحل لا يقاوم عمله ولا يطيق المقاومة ولا يوفق بين اجزائه القادرة عليها .

وفي الرواية كلمات قيمة وآراء شتى لا يغني تلخيص الحوادث عن العودة إلي موضوعها بالتعقيب والمناقشة ، ونحن في المقال التالي عائدون إلي هذا الموضوع .

اشترك في نشرتنا البريدية