في الأدب الانجليزي اليوم ثلاثة اعلام من أشهر الكتاب العالميين الذين ترجمت مؤلفاتهم إلي لغات الغرب والشرق : هم برنارد شو ، وهربرت جورج ولز ، وسومرست موام somcrsct maugham
تقرأ الأول فأنت على ثقة من الشطحات الغريبة والنكات اللاذعة ، وتقرأ الثاني فأنت على ثقة من الحقائق العلمية والدعوة إلي الاصلاح ، وتقرأ الثالث فأنت على ثقة من الطلاوة والمتعة واللباقة الفنية .
يكتب " موام " حكايات موجزة ، وقصصا صغيرة ، وروايات مطولة ، ومسرحيات تعد بالعشرات ، وفصولا مختلفة في السياحة والنقد والآراء الفلسفية ، ويمتعك في جميع ذلك بقراءة منوعة لا تخطئ فيها الذكاء ، ولا الملاحظة
ولا النفاذ إلى السرائر ، ولا الأسلوب الرائق الانيق ولا نري وانت تقرؤه انه يجهل شيئا من ثقافة الجيل وخلائق الانسان في كل جيل ، وربما كان اذكي الثلاثة وأشبههم بسليقة الفنان .
تحدر من اسلاف إيرلنديين ، وامتزج بالسلالة الانجليزية ، ونشأ في اريس ، فتعلم الفرنسية قبل لغة قومه ، واصيب باليتم وهو صغير ، ودرس الطب ، وكابد أخطر الامراض في نفسه وراثة عن أمه ، واشتغل بالجاسوسية اثناء الحرب العظمي ، وعرف الأقطار الأوربية والأسيوية والأمريكية ، وبعض الأفريقية . واختبر كثيرا وقرأ كثيرا ، فاجتمعت له من ذلك كله عناصر الطلاوة والمعرفة والأمتاع .
إلا أنه....
نعم إلا أنه يمتعك ولا يبعث في نفسك الطمأنينة والتوفير ، فشعورك نحوه كشعورك نحو الجليس الظريف الذي يروقك بفكاهته وطرائف حديثه ، وصفاء ذهنه ، ولا يترك بعده اثرا من التوقير والأكبار ، أو من حسن الظن والطمأنينة.
سألت نفسي : من اين تأتي هذه الخلة في هذا الكاتب القدير الذي لا شك في اقتداره وتعدد ملكاته
وقبل ان اجمل الجواب عن هذا السؤال اقول إن الأوربيين يعرفون ضربا من الكتابة أسموه بالسينيسزم cynicism واستعاروا الكلمة من عنوان " الكلبيين "
الأقدمين الذين كانوا يعيشون عيشة الكلاب زهدا في المناعم واللذات ، ويشبهون الكلاب من جهة اخري في " العض " بالكلام والنهش بالسباب ، فنسبوا إلي الكلب من أجل ذلك ، ثم اطلقت هذه لتسمية في الزمن الحديث على من يكثرون من عيب الطبيعة الإنسانية وتحقيرها ، ووصف الجوانب الوضيعة فيها .
سومرست موام " واحد من هؤلاء الكتاب في العصر الحاضر ، بل هو من اقدر من كتبوا على هذا الأسلوب في جميع العصور .
ولكن هل هذا هو علة الشعور الذي يشعر به القارئ نحوه بعد أن يستمتع بطلاوته وبراعة نقده وغمزه ؟
لا اعتقد هذا ، ولا اعتقد أن الالتفات إلي عيوب الطبيعة الإنسانية والإكثار من تحقيرها بعقبان هذا الأثر في نفس القارئ لا محالة .
وإنما المعول ، فيما أعتقد ، على الطريقة التي ينهجها الكاتب في كشف العيوب والبواعث النفسية التي تبعثه إلي كشفها وتمثيلها .
فمن الكتاب من يكشف العيوب الإنسانية وهو ممتعض اسف كما يمتعض الصديق إذا بدا له من صديقه ما يسوؤه ويخلف رجاءه .
ومنهم من يكشف العيوب الإنسانية وهو ثائر غاضب كثورة النبي على قومه ، حين يخشى عليهم بواثق الفساد والفتنة
ومنهم من يكشفها كما يكشف الأستاذ عيوب تلميذه لتأديبه وتقويمه
ومنهم من يكشفها كما يكشف الحاسد اللئيم مواضع الذم والتشهير من محسوده .
ومنهم من يكشفها كما يكشف الجاسوس خفايا الأسرار ، ليست اجره ويرضي ما هو مجبول عليه من
حب الاستطلاع وهتك الأسرار
ومنهم من يكشفها لأنه يعلم أنه خسيس معيب ، فيسره ان ييفاجئ الناس وهم يسترون الخسائس والعيوب .
فليس كل قادح في طبيعة الانسان يعرضة لذلك الشعور الذي يشعره القاريء ، وهو يستمتع بطلاوة موأم وأشباه موأم ، ولكنها الطريقة أو النية التي وراء الطريقة ولا سيما النية التي تربك أن صاحبها مستريح إلى ما يهتك من الأسرار، فلا امتعاض في قلبه ، ولا رغبة عنده في تبديل تلك العيوب وتقويم تلك الطبيعة ، بل الخير كل الخير عنده أن نظل على ما هي عليه .
سومرست موام يوحي إليك انه من صميم هؤلاء ، وانه يخلق أبطال رواياته " ليتجسس عليهم ، ويفضح أسرارهم ، ويزيدك نفورا منه انه بارع في التجسس ، مفتن في الغمز والإيجاع غاية ما يبلغ إليه الافتنان في هذا الباب
لا إخال أنني تقززت من كتاب قرأته كما تقززت من قراءة كتابه " الفطير والجعة " cakes and Ale- الذي حاول أن يسمم فيه شعور الإكبار والمودة الذي ينطوي عليه قراء توماس هاردي لذلك الشاعر الروائي العظيم . ومهما يقل هو او يقل اصحابه في التبرؤ من هذه الوصمة الخبيثة فهي لاصقة لا تقبل النصول .
وكثيرا ما تبدر من " موام "كلمة في عرض حكاية ، فإذا هي قد تنت على شح نفسه ، وضنائته بالعطف على أبناء جنسه من حيث لا يريد .
مثال ذلك أنه في حكاية من حكاياته الصغيرة ،يتكلم عن اديب انجليزي لقيه في إيطاليا ، فرآه مثقل البال بوجيعه من الوجائع المكظومة ، ثم جلس إليه مرة فإذا بالرجل يقسي نفسه وتفلت منه كلمة يقول فيها : " إنني رجل تعس ! "
(قال ) موام : فغضبت من هذا الرجل الذي استخف
بي هذا الاستخفاف ، لأنه لم يرني اهلا لأخفاء ، آلامه و " خصوصياته " عني . .
كلام سائغ في لغة النادي وقانون القهوة ، ولكنه لا يشفع لصاحبه عند لغة الفطرة وقانون الانسان
وكتب مترجمه ريشارد كورديل يذكر " محاسنه " ، فإذا هو يعدد منها انه لا يطيق النفاجين ، وان مؤلفا مسرحيا من أصحاب الشهرة العالية قاربه مرة وقال له : " ياله من تعب . . لأخشي ياموام أن أكون مضطرا إلى الذهاب لهوليوود على آية حال . . فليس في وسعي أن أماطلهم وأؤجلهم بعد الآن . وليس يطيب لي أيضا أن أفارق العاصمة . . "
فرد عليه موام بلهجة قارصة قائلا : " وما بالك تذهب إن كنت لا تريد الذهاب فما من أحد يجبرك على الذهاب ! "
وانصرف المؤلف المتعب فشيمة موام بقوله لجليسه " رجل سخيف جدا ! "
هذه رواية صديق في معرض سرد المحاسن ، فما نحسبه قد دل على تنقج المؤلف الذي أوما إليه كما دل على كزازة في خلائق موام ، يستكثر صاحبها ان يستريح إليه أحد بكلمة أو أن يريح أحدا بكلمة ، إذ ليس بالنادر بين الناس أن يلقاك زميل فيقضي إليك بمثل ذلك الكلام الذي قاله المؤلف المشهور ، ولو على سبيل التنفج والمباهاة ، فماذا يضبر السامع ان يفتح اذنيه وقلبه لامثال تلك الهنات إلا أن يكون بقلبه ضيق شديد عن كل ما يسر المتحدثين إليه بالغا ما بلغ من التفاهة وقلة التكليف ؟
يقول فرويد وأصحابه إن الآحلام ترجمان الوعي الباطن الذي يفصح عما يكتمه الانسان من الأخلاق وما يداريه من العادات والأذواق والأسرار .
وعلى هذا النحو ينبغي أن تنظر إلي ثمرات القرائح الفنية ، لأنها هي أيضا أحلام دفينة تبتغي فسحة الفن وطلاقة التعبير ، وتعترف لنا بما قد ينكره الفنان ، وهو يتكلم باسمه ولا يتكلم بأسماء أبطاله وشخوص رواياته .
ومن هنا يخيل إلينا ان الكاتب يعرفنا أصدق التعريف بأسرار ضميره في روايته هذه الأخيرة " عطلة عيد الميلاد " التى كتبها بعد أن لخص حياته كلها وآراءه كلها وعلاقاته كلها في كتاب الخلاصة summing Up ثم احس أنه قد أعطي كل ما عنده واسترد نفسه لنفسه واستكان منها إلي قرار ،
وروايته " عطلة عيد الميلاد " متعة من متع القراءة الحديثة كسائر ما كتب وصنف ، تزخر بالملاحظات الفنية والاجتماعية ، والخواطر العارضة ، والمحاورات البارعة ، والتعليقات النفاذة على النظم الفرنسية والانجليزية والمشاكل العالمية ، وتشتمل مع هذا على (شخوص) كاملين موصوفين أحسن الوصف - بقلم الطبيب الدارس ، والرحالة الخبير ، والجاسوس المطلع على ما وراء الحجاب ، والادب القدير في التعبير والأيماء .
خلاصتها ان الفتي الإنجليزي " شارل " قد ارسلته أسرته الغنية إلى باريس في عيد الميلاد ، وتعمدت ان ترسله إليها منفردا ، ليختبر الدنيا في تلك العاصمة الجميلة اختبار الرجل الرشيد ، فيلقي في باريس صاحبه القديم سيمون ، وهو سليل اب سكير وام خائنة ، مطبوع على خلائق الجحود والشكاسة واللدد وحب الإيذاء وكراهة العطف
منه على غيره ومن غيره عليه ، ثم يصطحبه سيمون هذا إلي بيت من بيوت اللهو ، فيجمع بينه هناك وبين فتاة روسية غريبة الأطوار ، حكم على قريبتها بالسجن الطويل في جريمة قتل ثبتت عليه ، فهي تذل نفسها وتعذب سريرتها في عباءة العار ، تكفيرا لتلك الجريمة التي
وقع فيها من تحبه ولا تطبق السرور بمعزل عنه . وموضع الالتفات الأول من شخوص الرواية هما شخص هذا القاتل المسمى روبرت بيرجر وشخص الفتي سيمون الذي يعلم أن الأواصر بينه وبين أبناء جنسه منقطعة أو مشاولة ، فيتطلع إلي السيادة عليهم والعبث بأرواحهم وأمانيهم ، ثم يعلم أنه ليس بالرجل المخلوق للزعامة، ولاغني له عن السيطرة والأعتاف بين أبناء جنسه ، فماذا يصنع؟ ليكن إذن زوجنسكي Dzerjinsky رئيس الجواسيس في الروسيا الشيوعية إن لم يستطع أن يكون لنين أو ستائين ، و لينزع من قلبه كل أثر للرحمة أو الاكتراث للخلائق الآدمية ، بإدمان الصيام ، وزجر الأهواء ، والرياضة على المصاعب والآلام ، لأن زوجنسكي كان يتولي الجاسوسية العظمي بنزاهة الآلة وقسوة الدرويش المتعصب الغيور ، وكان يعيش للشيكا cheka- أي مكتب الجاسوسية ، ولا يعيش لنفسه ولا لأهله ولا لأحد من أبناء جنسه، ولم يكن ينصر الثورة ليسعد بها من يسعد من الروسيين وغير الروسيين ، بل ليشقي بها من يشقي من المتهمين والمحكومين .
ويقول موام بلسان الفتاة الروسية : " إن زرجنسكي كان نموذج المثالي المحصور الذي تسول له نفسه في سبيل مثله الأعلى ان يجلب الخراب علي وطنه ، دون ان يختلج ضميره اختلاجة واحدة من الالم . وليس صاحبك سيمون يبالغ هذا المبلغ، ولكنه إنسان صفر القلب، صفر الضمير ، لا يتحرج ولا يبالي إذا حان الحين أن يقضي عليك وأنت صديقه الحميم في غير تردد ولا ندم " .
وكل من قرأ سيرة موام وقرأ مصنفاته يعلم ان سريرته ليست بالموضع البعيد بين سيمون وقدوته العليا زرجنسكي في دولة الشيوعيين!
أما روبرت برجر وهو " الشخص " الثاني الذي
قلنا إنه حقيق بالالتفات في الرواية - فقد أئمة الكاتب ايما إتمام في التحليل والدرس والتصوير ، فأخرجه قائلا " فنانا " يقتل فريسته كما يصيد اللاعب قنيصة الغاب ، أو ينزع إلي القتل ليستوفي تكوينه بالتدمير كما يستوفي العبقري تكوينه بالإنشاء والبناء، وكل تلخيص لهذه " الصورة الشخصية " الكاملة فهو مثابة الجهد الضائع في تلخيص صورة منقوشة رسمتها ريشة فنان عظيم .
وإذا كان تمثيل صورة صادقة من صور الادميين حسب الكاتب النابغ من إتقان فنه وإبلاغ عمله ، فانه تخليق ان يتجاوز بالاتقان مداه إذا اضاف إلي علمنا بالصورة علمنا بالمصور وعلمنا بالتصوير.
