( نشرنا فى العدد السابق مقالا لنفس الكاتب الأديب عن حياة جونسون الأديب الإنجليزي الكبير . ونحن هنا نقدم لحضرته مقالا آخر عن الأديب الإنجليزى بوزويل الذى لا يكاد اسمه يفارق اسم جونسون ) . (الثقافة)
لقد ذاع صيت هذا الكاتب . وكتب اسمه فى سجل الخالدين بتأليفه لكتاب " حياة جونسون " الذى نشر لأول مرة عام ١٧٩١ .
والذي ضمنه ما كتبه " جونسون " عن رحلته إلي جزائر " هيريده " فى غربى اسكتلندة
وكتاب " حياة جونسون " وليد المزاوجة بين أدب " بوزويل " وهو الذى خلق قصاصاً ، وبين أدب الدكتور " جونسون " وهو عظيم من عظماء القرن الثامن عشر ، وحكيم من أقدر حكمائه . وعالم من أبرع علمائه .
وهو كتاب لا يفوقه فى موضوعه كتاب آخر . وقد تناولته الأيدى بالتنقيح والمراجعة حتى أصبح تحفة من أغلى تحف الأدب .
والسر فى عظمة ذلك الكتاب أن " بوزويل " قد تقمص فيه روح " جونسون " ودخل فى إهابه ، حتى لقد يبدو الدكتور واضح الملامح فى كل جملة وردت فى هذا الكتاب الفريد ، الذى كتبه كاتبه وهو مأخوذ بسحر الإعجاب بصاحبه .
ويبدأ " بوزويل " كتاب بأول نفس تنفسه " جونسون " ثم لا يتركه يتنفس بعد ذلك إلا وهو شارح لحكمة كل نفس من تلك الأنفاس .
وهو لا يغادر صغيرة ولا كبيرة فى حياة " جونسون " إلا أحصاها . فهو يقول مثلا : " تغدينا فى مكان كذا وشاهدنا الأطلال الرائعة للكنيسة الكبرى . وعلى الرغم من تهطل المطر فقد عنى الدكتور بفحص أحجار تلك الخرائب فى صبر بالغ ، وعناية قد أربت على الغاية .
ثم قام " مستر جرانت " فصلى بنا . وقال الدكتور : إن صلاته كانت صلاة حسنة جداً ، وفى يوم الأحد التالى ، وهو اليوم الواحد والثلاثون من شهر يوليو قلت للدكتور : إنى حضرت اجتماعاً لقوم يسمون أنفسهم " طائفة الأصحاب " ، ورأيت امرأة تصلى بهم . فقال " جونسون " : إنى أشبه المرأة التى تؤم الناس للصلاة بالكلب الذى يمشى على عقبيه . .
وهو يقص أول لقاء لهما فى بيت واحد من أصحابه . فيقول : " كان الدكتور يبغض الإسكتلنديين ، فقلت لمضيفى : بربك لا تذكر له من أى البلاد جئت أنا . قال : بل إنى لقائل له إنك اسكتلندى لحماً ودماً ومولداً وموطناً . فلم أر بداً من أن أقول للدكتور : أرمى لزاما على يا سيدى أن أصارحك يأتى جئت من أسكتلندة . ولكن لا حيلة لى فما جرت به المقادير . .
وهو يمضى فيقول : ولم أرم بهذا القول إلى الحط من شأن بلدى ، وإنما قصدت إلى الترفيه عن الدكتور وإلى ممازحته .
وكتب " بوزويل " لصديقه " تمبل " Temple يشكو من أن " جونسون " - وكان قد نشر كتاباً عن جزائر " هبريده " يأبى عليه أن ينشر كتاباً آخر فى هذا الموضوع .
ومضى " بوزويل " يقول لصاحبه : " وإنى لأسر إليك القول أن " جونسون " ليس من شيمته أن يشجع أحداً على أن يشاركه ذيوع الصيت .
ولو كان هذا القول صحيحا لشقيت روح " جونسون " الشقاء كله لو قدر لها أن تعود إلى الأرض ، ذلك لأن أحداً من الأدباء لم يظفر بمقاسمة واحد من أنداده ذيوع الشهرة وبعد الصيت مثل ما قاسم " بوزويل " صديقه " وجونسون ". فكان كلاهما مكملاً للآخر . وكان إذا غاب أحدهما عن قرينه بات هذا كمن فقد نصف نفسه .
ولا نكران فى أن كليهما كان نابغة من النوابغ . وقد اعتاد الناس أن يتخيلوا أن " بوزويل " لم يكن إلا غبياً محظوظاً يدين بكل ما نال من مجد وشهرة إلى أنه قد علق بحبال " جونسون " ومشى فى ركابه .
والحق أن " بوزويل " كان رجلا آية فى الذكاء . ولو لم يقدر له أن يكتب ذلك الكتاب القيم عن " جونسون " لكان قد كتبه عن رجل آخر . وقد يكون هذا الرجل الآخر هو " بوزويل " .
وقد يمكن أن يقال " بوزويل " كان كأنه شخصان ركبا فى جسد واحد . وكان أحدهما لا ينفك يحدق فى الآخر ويقوم بتسجيل أعماله وتدوين تجاربة . وآية ذلك أن " بوزويل " يوم كان فى الواحدة والعشرين من عمره صنع قصيدة ونشرها غفلا من الإمضاء ، وأهداها إلي الفتى الماجد جيمس بوزويل .
وآية ذلك أيضاً أنه فى جميع رسائله التى بعث بها إلى صديقه ورفيقه فى الجامعة " وليم تمبل " - وهى رسائل تقوق من حيث رفع الكلفة جميع الرسائل التى بعث بها إلى جونسون - نراه ينظر إلى نفسه كما ينظر أحد للمتفرجين إلى ممثل على المسرح ، وكان يدعو صديقه " تمبل " أن يكون زميلا له فى التفرج .
وكان " بوزويل " إذا تحدث عن نفسه بصطنع طريقة صاحب " صندوق الدنيا " عند عرض صوره وشخوصه فيقول : " انظر إلى " يوزويل " فهو الآن سكران . .. وأنظر إليه فهو الآن نادم . . والآن فانظر إليه وهو المتيم الولهان . . وها هو ذا فى موقف مريب . . ثم انظر إليه وهو فى صحبة الصفوة المختارة من القوم . .
وكان " بوزويل " أشبه الناس برجل تزوج بامرأتين هما : " الرذيلة " و " الفضيلة " وهو يرى اللذة كل اللذة فى السعى بينهما بالوقيعة .
ومما يروى عنه أنه لما أشرب قلبه حب الآنسة " بلير " وأغرم بها بعث بصديقه " تمبل " سفيراً له عندها . وكتب له قائمة بالأوامر الواجبة الاتباع أثناء السفارة . وأشار على صاحبه أو سفيره بأن يذكر لها تلميحاً أحسن محامدة وأسوأ مساوثه ؛ فهو يقول له : يجب عليك أن تثنى على بما تحليت به من شيم
كريمة ، وصفات طيبة ، وأنت لا شك تعرف تلك الصفات وهاتيك الشيم . ثم اذكر ما تعرفه من نقائصى ومعايبى . فقل لها عن شذوذى : وقل لها إنى لا أستقر على حال من القلق ، وأنى قليل المبالاة وأنى تعودت مصاحبة النساء اللائى غرقن فى الدسائس إلى آذانهن . .
" بوزويل " لم يكن واحداً من عبدة الأبطال الذين يمحون ذواتهم محوا ويخرون أمام العظمة ساجدين . بل كان رجلا يتذوق النبوغ ، كما يتذوقي ملاحة الوجه المليح . وهو فى حضرة نابغة من النابغين كان يجمع بين الإعجاب بذلك النابغة وبين الإعجاب بنفسه . وكان يرى أن " جيمس بوزويل " إن لم يكن الممثل الأول فهو على الأقل ممثل يستحق بعض التكريم .
ومن نوادره انه لما كان شابا فى الرابعة والعشرين من عمره كتب إلى " جان جاك روسو " كتابا يطلب إليه فيه أن يسترده . وقال يصف نفسه : إنه رجل نسيج وحده فى الأهلية والجدارة . وهو إن كان لا يزال فتى السن فإنه قد حلب الدهر اشطره . ثم مضى يقول : " وأرجو أن تولى ذلك الغريب النازح ، الفريد فى صفاته ، تفتك وإنك إن فعلت فلن تكون يوما نادما . . . "
وإذا أراد باحث أن يحكم على " بوزويل " مستدلا بما خطه قلمه فإنه واجد أن أمتع اللذات عند ذلك الرجل هى صحبة الأذكياء من رجال العلم والأدب . وقد كان هو يوم لقى " جونسون " أول مرة فتى فى الثانية والعشرين من عمره ، وكان " جونسون " فى الثالثة والخمسين .
وقد ظن الناس أن هذا اللقاء إنما كان لقاء بين رجلين يختلفان فى السن ويتباينان فى المزاج وفى الأصل والنشأة . ويكادان يختلفان فى كل شئ آخر .
وكان " جونسون " مولعاً أشد الولع بعقد أواصر الصحبة مع الناس . وقد أسر إلى " بوزويل " فى أول عهدهما باللقاء قوله : إنى يا بنى أحب صحبة الشباب .وذلك لأنى لا أود أن يخطر ببالى أنى أهدف إلى الشيخوخة وذلك لأن صحبة الشباب هى أطول عهداً إن قدر لها البقاء ، وذلك أيضاً لأن قلوب الشباب أكثر امتلاء بالفضيلة من
قلوب أولئك الذين تقدمت بهم السن . فهم جد أسخياء فى كل ناحية من نواحى العاطفة .
ولكن " بوزويل " لم يذكر لنا رده على هذه التحية التى تشيد بذكر فضائل الشباب . وكل ما عرف فى هذا الصدد أنه كتب لواحد من أصحابه يقول فى جذل واغتباط : " سوف تبتسم إذا فكرت فى الصحبة التى جمعت بين نابغة عظيم القدر ، عالى المقام ، وبين فتى يكاد يكون فى العلم والأدب قزماً من الأفزام " .
وكذلك عرف أنه كتب بعد ذلك إلى صديقه " تمبل " بنبئه أنه تعشى وحده مع " جونسون " وانهما بقيا يتسامران حتى جاوز الليل ثلثيه ، وأنه قد أمسك بيده فى احترام وتوقير ، وقال له : إنى أحبك الحب كله أيها العزيز " بوزويل " .
وظل الرجلان بعد ذلك متلازمين لا يكادان يفترقان إلا لحظات قصارا . وقد دامت صحبتهما أكثر من واحد وعشرين عاما .
وعلى الرغم مما اتصف به " بوزويل " من صراحة فى القول فإنه كان يبدى من ذات نفسه فى حضرة " جونسون " بمقدار ما يبدو الهلال فى أولى لياليه ، على أنه كان يبدى من ذات نفسه فى حضرة صديقه " تميل " مقدار ما يبدو القمر ليلة تمامه ، وهو فى ذلك لم ينس أبداً أن " جونسون " كان حكماً من الحكماء ، وكان رجلاً من رجال المثل الخلقية العليا . ولكن كان صديق شبابه وهو الصديق الذى يستطيع أن يفاخر فى حضرته بما ارتكب من خطيئات ، وبما أعقب ذلك من ندم واستغفار
" بوزويل " يحدثنا فيقول إنه فى الأيام الأولى من أيام صحبته لجونسون كان يظل الليل قائماً بدون فى دفتر يومياته كل ما يستحق التدوين والتسجيل من أحاديث " جونسون " وحكاياته ، وهو يقول : إنى لأذكر أبى ظللت ساهراً ذات مرة أربع ليال سوياً ، أدون ما أدون ، وأنا لا أحس تعباً ولا نصباً .
وتدوين المذكرات كان عند " بوزويل " أشهى من الغذاء الدسم ، وأروى من أشهى الأشربة . وقد حدث عنه
واحد من أصحابه قال : رأيت " بوزويل " يضع الشوكة والسكين جانباً . ويمسك بأوراقه ليدون - وهو على المائدة - حكاية لطيفة . وحدثت إحدى صاحباته قالت : " إن من بعض حيله أن يجلس مستقراً هادئاً فى الركن البعيد من الغرفة . ويدون كل ما قاله " جونسون " وكل ما قيل له " .
وكثير من المحاورات التى دارت بين " بوزويل " و " جونسون " إنما كان يقصد بها فى الأغلب الأعم أن ننسق وتبوب ، بحيت تصبح صورة كاملة من الأبحاث التى يراد تركها ميراثاً للسالات المقبلة .
وكان من عادة " بوزويل " أن يسأل أسئلة تصوره فى صورة الجاهل وذلك لكى يستحث " جونسون " على الإفاضة فى الحديث .
و " بوزويل " هو القائل : إنى أضع سؤالاً من الأسئلة المعقدة التى تستعصى على الجواب ، وهو يدور حول حقيقة من حقائق الحياة العادية . كأن أقول مثلاً : ما السبب فى ان الخدم من النساء - اللائى يكلفن فى العادة بأن يشترين على حسابهن الخاص - هن أقل أجوراً من الخدم الذكور ، أولئك الذين يفرون بالملابس فى كل حين ؛ وذلك على الرغم من أن الخدم من النساء هن مثقلات بأعباء الخدمة أكثر من الخدم الذكور ،
ومثل هذا السؤال يضيق به " جونسون " ويجعله كواحد من الشهود فى ساحة القضاء قد ضيق عليه القاضى الخناق وهو يؤدى شهادته .
ولما كثرت هذه الأسئلة على " جونسون " ضاق بها ذرعا . وقال لصاحبه فى لهجة التعنيف واللوم : " لقد حييت بأسئلتك . فأنت تسألنى لماذا طال ذيل البفرة ؟ ولماذا كان ذيل الثعلب كث الشعر ؟ وما أنا وهذه الأسئلة ؟ وما غناؤها عندى ؟ وما شأنى بها ؟ "
و " بوزويل " يوم كتب كتابه " حياة جونسون " خانته صراحته . فلم يذكر انه كان السائل لهذه الأسئلة المحرجة ، بل نسبها إلى فتى ماجد لا يسميه . .
ومهما يكن من أمر فإن الباحث ليطمئن إلى أن
" جونسون " كان يلتذ بأن توجه إليه الأسئلة كما كان " بوزويل " يلتذ بتوجيه تلك الأسئلة . ولو أن " جونسون " كان برما بهذه الأسئلة لما وصف صاحبه بأنه خير رفيق في السفر .
ولقد حقر الناس " بوزويل " بعد ممانه ، ونالوه بالذم . ولكنه فى حياته كان حبيباً إلى كل قلب . إذا استثنينا قلب " جولد سمث " وقلب بعض الناس . وقد كتب إليه " جونسون " مرة يقول : لقد سمعت بأذنى أنك رجل يحبك الناس كلهم . وهذا الحب هو خير زاد المرء فى هذه الدنيا .
ولم يكن حب " جونسون " لبوزويل حب رفيق مؤسس فحسب ، بل كان حبه له أعمق من هذا وأشد تأصلا . وقد قال له مرة : إن أحبك كرجل رضى الأخلاق ، رقيق الحاشية ، نبيل الفطرة . وإنى لأرجو وآمل أن يجئ يوم أحبك فيه كرجل تضرب الأمثال بصلاحه وتقواه .
ولقد حقق " بوزويل " رجاء " جونسون " فأصبح من غلاة الصالحين حتى لقد جاء صاحبه يوما يقول : إنى لألوم الناس وأشتد فى لومهم على أنهم لا يذرون البيع فى يوم " جمعة الآلام " . وكان يرى أن لا بد للناس من أن يجعلوا يوم الأحد يوما خالصاً للعبادة . وهو يقول فى ذلك : يجب أن ينفرد يوم الأحد عن سائر الأيام بالتوفير والإكبار . فللناس أن يسيروا فى الطرقات فى ذلك اليوم . ولكن ليس لهم أن يرموا العصافير بالحصى . وللناس أن يتخففوا من القيود ولكن ليس لهم أن ينحدروا إلى درك التحنث والاسترخاء . .
و " بوزويل " قد حير عقول الباحثين عن الحافز الذى حفزه إلى تأليف ذلك الكتاب الضخم الذى ضمنه سيرة صاحبه . وكاد الناس يجمعون على أن " بوزويل " كان كسقراط يعمل بوحى شيطان من الشياطين ، وأن حماقاته وجهالاته إنما كانت مما وسوس به شيطانه .
ولكن شيطانه لم يكن يلهمه أن يكتب عن " جونسون " فحسب ، بل كان يلهمه أن يجعل " جونسون " يسير بين
الناس ، وأن يتحدث إليهم حديثا يهيئ لبوزويل مادة صالحة للكتابة . فهو لم يكن راوية أحاديثه وحسب . بل كان المبدع لتلك الأحاديث . وكان مثله فى ذلك مثل المشرف على حلبة مصارعة الثيران ، كل همه ووكده أن يحمس الثور للعراك . ولو كان ذلك على حساب المخاطرة بحياته وسلامته .
ولقد لامته مرة إحدى الكاتبات وتقدمت إليه بالرجاء أن لا يبالغ فى وصف غلظة جونسون وفظاظته فى بعض حالاته . فكان جوابه : ان أقلم صاحبى . ولن أجمل من التمر قطا . وذلك ابتغاء مرضاة الناس . .
ولقد عقد " بوزويل " العزم على أن يكون صريح القول صراحة لا حد لها إذا تحدث عن " جونسون " أو عن نفسه . وكان يقول : من الناس من يرى إخفاء خطيئات رجل عظيم كان ذلك العظيم يرى سترها وإخفاءها .
ولكن خطيئات " جونسون " كانت تستعصى علي الإخفاء ؛ ذلك لأنها كانت تسير بين الناس فى طبل وبوق .
