(كان لى أخت فقدتها صغيرة أيام نكبة الحرب العظمى بالكوليرا. ومازال اسمها يطوى أيامى حتى استقر على صغيرة لى حلت مكان الأولى؛ فكانت الأخت والبنت؛ وكان لها اسمها ومقامها)
يا لشد ابتهاجى حين أراها تخطر أمامى ووجهها يتدفق نوراً بالصفاء، وشعرها الأشقر يتموج كالشعلة! تملأ وحدها مكاناً ويملأ أخواها مكاناً، وتفعم وحدتى أنساً وقلبى محبة؛
فلا ألمحها إلا ضاحكة، ولا أسمعها إلا مهلهلة!. . . كأنها ضحكة انطلقت بها الحياة، أو بسمة انجلت عن معنى الرضا. أناديها باسمها، فيهزنى اسمها لأنه وليد ذكرى أليمة ترتبط بها ذكريات. أراها فأرى فيها صاحبة هذا الاسم أيام كانت تحيا بجانبى وتصل طفولتى بطفولتها، أيام كانت تتعانق أحلامنا وتتلاقى آمالنا...
أرى فيها صاحبة هذا الاسم طفلة كما كانت بالملامح التى كانت. ولكن العين التى أرى بها قد اختلفت وزالت عنها معانى الطفولة! ولكنى أراها وألمسها وأعانقها فأرى أن سلسلة هذا الزمان الطويل لم تكن خلال ذلك منقطعة، لأنها استطاعت أن تثبت لى اتصال الموت بالحياة، واستطاعت أن تعيد لى الميت باسمه وروحه!
أراها تخطر أمامى واثبة أو متهادية، ويراها من معى بعينه كما أراها، ولكن عين الذكرى تمتد إلى أبعد من هذا الحد، فتراها متصلة بذكريات بعيدة الأمد، تحملها كما تحمل عيناها نور غدها. تراها تحمل إلي شيئاً من طفولتى المطوية، أناديها باسمها فأرى (يسرى) الأولى التى كانت تخاف كثيرا من الدخان كأنما صفاء روحها لا يحتمل أن يرى السواد يغشى السماء الزرقاء
والتى كانت لا تجد وسيلة إلى إهداء سلامها إلى أبينا الجندى إلا القمر!
كانت فى الخامس من ربيعها يوم زحف الهواء الأصفر بجنوده وويلاته، يغشى المدينة فيأخذ منها جنوداً، ويدخل البيت فلا يرضى إلا بكبشين أو ثلاثة! أو بكل ما تنفس بحياة. كنا نسمع بصفته فنخشى ريحه، ونرتاع من صوته ونحذر أن نلقاه فى مكان؛ ولكنه كان يمشى ولا يرى، يدخل ولا يحسه أحد. فأنشب مخالبه فى أخى الصغير. فكانتى (يسرى)ى تخشى الدنو منه، ولكنها كانت تسمع من الجارات يقلن لأمه: إنه سليم لأن يديه
لم يزرقا. . خافى من زرقة اليدين فهى علامة الموت) وما مر على الصغير ساعات معدودة حتى سقطت (يسرى) التى كانت تحذر وتبالغ فى الحذر على صغرها، لأنها تفهم الموت شيئا مروعا. وكانت أمنا تجاهد فينا لا تخشى أن ينشب المرض مخالبه فيها، وما غلبته إلا بقوة اعتقادها وإيمانها. فحنت على سرير (يسرى) وقد رأت أخاها نجا بمعجزة. . . ولكن يسرى تتأمل فى يديها فترى أن الزرقة أحاطت بهما فتقول لأمها: (ها إننى أموت، لأن يداى مزرقتان. .) فتوارى الأم وجهها لتذرف دمعتها بعيدة عن عينيها! (إننى لن أشفى يا أماه لأننى لا أرى فى جسدى إلا
الزرقة.) هاتى لى ثياب العيد - وكان العيد بعد أسبوع - من خزانتي، أريد أن ألبسها كلها. هاتى ردائي الأحمر الذي أرسله إلى والدى من القدس.) لبست ثيابها واغتبطت برغم الألم، ثم أخذها ذهول عميق عقبه سكرة الموت، ولبثت حتى حان وقت وقوعها فى الداء، فأسلمت روحها ولما يتنفس الفجر! فبكت أمنا بهدوء يشقه بعض شهقات، تحاول ألا نسمع وكنا نياما، وهى تخشى على أخى النكسة، حتى طلع النهار - وأوصت حفار القبور
تتراءى لى هذه الصفحة الأليمة فأراها واضحة السطور على رغم القدم، وأذكر أننى نهضت فوجدتها كتلة زرقاء هامدة لا تنبض بالحياة، فروعني ذلك ولكنى لا أذكر كيف بكيت! فمشينا إلى المقبرة وهى على يدى الحفار لا يمشى خلفها إلا ثلاثة: أمها وجدتها وأنا، أعدو خلفهما حافى القدمين، ولكنى أرى من وراء ظهر الحفار رأسها الملتف وقدميها الملتفتين. وكيف يمشى
أحد معنا والناس لا هون بموتاهم. فوجدنا على باب المقبرة ولداً لا أهل له يوارونه التراب وكان اللحد ضيقاً، فطووا قدميه بالعنف حتى يتسع اللحد له! فمشينا حتى أدركنا لحدها وكان واسعاً، فقالت أمها:
إنه كثير السعة وهى صغيرة. وسدوها اللحد وهالوا على وجهها التراب. وكنت أظن أن وجهها توارى إلى الأبد. فعدنا وأخذ النسوة يعزين والدتى قائلات: - اشكرى الله على نجاة الصبي بهذه الفدية ولعل هذه التعزية كانت مما تخفف عن الأم لوعتها ولكن
مكان الولد لا يسد (لكلِّ مكانُ لا يسد اختلاله) بلى ضننت أن وجه يسرى قد توارى إلى الأبد ولكن هاهى ذى الحياة تتمخض مرة جديدة عن (يسراى) تعيدها إلى ابنة لا أختا؛ تعيدها قطعة من كبدى
لا أحفظ للأولى صورة، ولا أذكر من ملامحها شيئاً، ولكن جدتك - يا يسراى - تقول لى: إنها عادت بملامحها ونضرة وجهها وكأنها هى. وإنها لا ترى فيك إلا ابنتها. . . فأهلاً بك أختاً وبنتاً!
وأهلا بك يا شعلة حياتى !
