الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 271الرجوع إلى "الثقافة"

صلوات فكر ، في محاريب الطبيعة!

Share

نظرتان: عرفت في نفس نظرتين إلى الطبيعة : حينا أنظرها كراصد صورة فنية كبيرة الحجم جدا . فهو يتعد عنها لياخذ منها وضعا تبدو فيه وحدة مجمعة متناسقة واضحة الخطوط والمعاني التي أرادها راسمها ، وتترك في النفس أثرا واحدا رهيب الوحي .

وحينا أنظرها من قرب بقطع معه وجهها العام وتختفي وحدتها الجامعة ، وتبدو أجزاؤها وأصباغها المفصلة المميزة.

الأولى أتعمدها حين أريد إدراك معناها العام بفكرة واحدة . . . وهي نظرة تحرك في نفس نوازع الشعر والوجدان والاستغراق الحالم والإيمان المستسلم والشعور بالضآلة بين عمرات الكون ورحابه وأبعاده اللانهائية التي توحي إلى العقل بالصمت وترك الثرثرة . . والثانية أعمد إليها حين أريد أخذ المباديء والأبجديات ودراسة الكلمات التي أجدها في صفحاتها لأملأ بها أوعيتي ، ثم أنطق وأتحدث وأثرثر لأثبت وجودي . .!

وهي نظرة تبعث في نفس كفاية العلم والعمل والإحساس بالذاتية الإنسانية التي تؤهل الإنسان وتشجعه على أن يجلس بين يدي بارئ الطبيعة كتلميذ بين يدي أستاذه . . فله الحق في المناقشة والاستفسار والاقتراح ! وله الفخر والزهو أن يكون فكره قد سما حتى نفذ إلى بعض أسرار يد الله في الصنعة ! وله الجرأة أن يمد يده إلى مصانع الخالق فينقل شيئا من مكانه ، ويزاوج بين شئ وشيء ، ويفصل بين سر وسر ويحاول فتح ما يجده من الأسداد والأغلاق . .

وإني لجد حريص على أن يظل عقلي وقلبي دولة بين هاتين النظرتين .

وإني لأفر من هذه لتلك ومن تلك لهذه ؛ حتى لا تأخذني

الأولى إلى تعطيل قواي ، والشعور بالعجز المطلق . . ولا تأخذني الثانية إلى الغرور والادعاء ونسيان موضعي الحقير من الكون ومصيري المجهول إلى ظلمات الفناء!

قرى عميار : إذا تخليت عباب البحر بنو رفاعه حتى يصل إلي سطح في طرفة عين . . وإذا تخيلت جوف البركان يمور ما فيه ويتضرب بحمم ويحموم وحميم وجحيم . . وإذا تخيلت اندفاع الريح في إعصار مجنون يقفز من قمة جبل إلى أخرى ، ويعتبر الوديان والسهول ويدوس المراعي ويقتلع الشجر ويهدم المدر في خطفة صاعقة . . وإذا تخيلت سرعة الشموس والنجوم الكبرى في دورانها التي يكاد يأخذ الفكر الراصد . . وإذا تأكدت أن العالم ملء بهذه الأهوال ، التي لا قبل للجهد البشري بتحملها ؛ لأنه ابن الأرض التي يسير فيها كل شئ بميزان هين رفيق تلتقي فيه القوي متناسبة متوازنة وإذا تخيلت سكان العوالم الجسارة الذين لابد أن يكونوا من القوة والسطوة بحيث تكون هذه الأهوال مراكبهم ومضاجعتهم . . وإذا تيقنت أنه لابد أن يكون هناك فكر جبار يصاحب هذه القطعان العارمة ويسيرها كلها بعصا واحدة لئلا تنفر جامحة أو تلتقي طاغية متناقضة مخربة نظامه ناقضة أحكامه . . إذا تخيلت وتخيلت . . ثم تيقنت وتأكدت . . فاعرف قدر الذي يجب أن تفر إليه لتلوذ به وتحتمي فيه من أهوال النار والهواء والماء والتراب الثقيل الفادح ! الذي وضعك في هذه الأرض بموضع أمين كمهد الطفل تهيئه الأم.

إن سطح العالم الذي تشاهده عيناك سا كنا هادئا فوق في السماء ، وتحت قدميك في الأرض ، إنما هو غطاء قدر هائلة تتضرب فيها كل عناصر المادة وتشترك قواها وطاقاتها ، مما لا يمكن ان يدركه إلا الذين أيديهم فيهما وعيوبهم عليها من زبانية ودفاءين ورعاة وساقة وقادة

أولئك الذين يقبضون الرياح ، ويحبسون البحار ، ويديرون دولاب الليل والنهار . .

الكائنات جبارة عارمة ، ولكن القيود والقوالب

ضاغطة حازمة ! تحبس كل كائن في دورته الأبدية فلا يستطيع أن يتسلل من حظيرة لأخري إلا حين الانطلاقة الكبرى !

مغازل ومناهج : وراء سطوح الحياة تقف قوي وديعة صبور حاذقة دءوب تنتظر وفود البذور والطف فتتلقاها وتدير منازلها وتبسط مناسجها وتنسج منها ديباجة الحياة وتكونها وتصقلها وتخرجها موقعا عليها من مهندس واحد

وددت لو كنت الفنان النابغ " والت ديزني " لأخرج ما في نفسي من الصور التي أتخيلها في جو هذه الفكرة ؟ . ما الذي يوقظ البذور والنطف إلى أسرار وراثها ويدفعها في طريق سلالاتها ؟ . . ما الذي يدفع البذور إلى التفرع والعلو ، والجرثومة المنوية إلى الازدواج والنمو ؟ . . ما الذي يمط أجسام الأجنة ويخط وجوهها وينقل أسرار الأنواع من الآباء للأبناء ؟ . ما الذي يأخذ الطفولة من العجز والضعف والغباء والتفاهة إلى القدرة والقيمة والتسلط ثم يردها إلى الضعف والتحلل والفناء ؟ . . ما هو العامل الخفي في دفع الجراثيم البسيطة إلى مجري الحياة حتى تصل إلى التركيب والتعقيد ؟

الأيام واحدة والليالي واحدة ! الشمس والقمر والرياح والأمواه والأتربة واحدة . ومع ذلك فاليوم الذي يحيي مواتا هو ذاته الذي يميت حياة

ما هو هذا الشئ الدقيق الخفي العميق البعيد عن الأنظار والمجاهر والأرصاد ، السارب إلي ظلمات الأرحام أرحام النبات والحيوان فلا يدع سر نوع يلبس جسم آخر ؟

لماذا لا تنبت الغلال عقارب ، والحنظل تفاحا ، والشوك حرير ورد ؟

أيها العلم الخفي الهادي أقدام الحياة بين القوى العمياء ، الحارس الحافظ لضعفها بين عوامل الموت والجمود والجبروت ، المقيم الحواجز بين الأنواع والفصائل لمنع الاختلاط والطغيان ، القائل لكل بذرة وجرثومة : إستيقظي وخذي طريقك إلى سلالتك وأشياعك . .

هل تملك فكري أمامك غير هذه الأصوات الهاتفة

التي كأن روحي ينتزعها من أعماق كل كائن ليناديك بها في صلاة جامعة

جئت الماء : حينها تهب على وجهي الرياح الباردة ، أسافر بخيالي إلى حيث منافيخها هناك . . حيث تجتاح العواصف الثلجية البوادي والبحار وأريد رسم " لوحة " للطبيعة عند القطب . حيث أرى الشمس البيضاء والهواء المقرور والماء الشلول والتراب المستغني بأكفان الثلوح . . حيث تعوي الريح المجنونة في السكون الموحش الواجم الجائع على البوادي والبحار . . هنالك مكان وحي ! هو وحي العدم والتجمد . . حيث قلب الأرض بعيد بناره ودفئه . . حيث يسقط الماء وهو أصل الحياة جثة ميتة جامدة . . الماء الذي يحرك عوامل الحياة يغدو جمدا مشلولا ! سقط في قبضة فيح من زمهرير العدم الأزلي . .

هنالك تبدو الشمس أم الحياة ، وهي تمد خيوط أضوائها وإشعاعات حرارتها إلي قلوب أحياء تلك الأصقاع كما تمد أم يدها إلى أبنائها الضعاف المهازيل

هنالك طبيعة ذات شيب وعقل ، يرد في جسمها الدم وقل فيها سفكه ؛ بعدت عن أتون خط الاستواء الذي تغلي مراجله في أجسام سوداء تعترك فيها عوامل الحياة . طبيعة معجمة صامتة علمت أبناءها الصمت والإعجام إلا في قهقهة الدببة وصراخ كلاب الماء . .

وهنالك قد نتذكر ما في قلوبنا من حرارة قيست من مصدر مجهول !

نحن في غفلات عما يدور في الأكوان ! غفلات قلوب لا غفلات أفكار . . إذ أننا نحصل " العلم " وتحفظ قضاياه وكلماته في " حوافظنا " الباردة ولا نرسله للقلب " ليشعر " به ويضفي عليه من أحاسيسه ما يجعله حيا في الروح .

ولابد للقلب الإنساني من أن يسير وراء الفكر أيتها سار ، فيري هذا ليشعر ذاك لا بد من أخذ الطبيعة بالقلب كأخذها بالفكر .

ألا أن الحياة رحلة ممتعة للذين جعلوا رحاب القلب

هي رحاب الفكر ، ورحاب الفكر هي رحاب الأرض ، وما استطاعوا أن يدركوه من رحاب السماء ، فملأوا عيونهم من مشاهد الطبيعة كلها ، وتسمعوا إلى أوتارها كلها وشعشعوا أرواحهم بأنغامها قبل الرحيل . .

جزى الله " بيرد " و " أمندسن و " ننسن " و " شاكلتن " و " سكوت " ، وغيرهم من الرحالين الرواد الذين أضافوا إلي ملكوت الإنسان هذه الأصقاع القطبية النائية التى كان النهار والليل يتدولانها في خفاء ، وظلت ضنينة بأسرارها حقبا ضاربة في أعماق الأزل ، حتى أتى ابن الإنسان . . ابن الكفاح والشوق إلى قهر العوامل الجبارة واقتحام العقبات الكا داء ، فانتزعها من يد المجهول وأدخلها في رحاب المعلوم . .

اشترك في نشرتنا البريدية