الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 152الرجوع إلى "الرسالة"

صمويل بطلر والأسرة الإنجليزية

Share

كانت الأسرة الإنجليزية من قبل العصر الفكتوري إلى  أواخر القرن التاسع تشتهر بجمودها وركودها وتقديسها  لسلطة الأب تقديساً هو إلى الرجعية أقرب منه إلى الاحترام.

فلم تكن لأحد في المنزل إرادة بجانب إرادته، وكانت الأم  نفسها خادمة لا أكثر. . . تكدح طول يومها في المطبخ  أو المغسل، أو تعد الحطب للمدفأ، وهي في كل ذلك لا تألو  جهدا في تلقين الأطفال محبة الوالد، وكبت غرائزهم الثورية  كلما بدرت منهم بوادر التململ أو التبرم بهذا التقديس الخانق  لسلطة الأب. . . وكان أكبر العبء واقعاً على الفتاة. . فلم يكن  يسمح لها بتعرف الحياة ولا تشمم نسيم الحرية المنعشة، وإذا تقدم  أحد لخطبتها فما عليها إلا أن تنحني خاضعة لمشيئته

ولقد كان الأدب في العصر الفكتوري، برغم ما فيه من  صور حلوة وطرف براقة يساعد على هذا الركود المنزلي، ويضاعف  من سلطة الأب؛ ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان، فقد ظهر  الكاتب النرويجي إبسن فجأة في الميدان؛ وإبسن هو أكبر  نصير للمرأة في العصر الحديث؛ فقد ألف أكثر من عشرين  درامة لنصرتها والإكبار من وظائفها المدنية التي تعدو الطبخ والغسل والخياطة وتفريخ الأطفال. وقد تأثر الأدباء الإنجليز  بإبسن النرويجي وأخذوا ينتهجون منهاجه. وكان الأديبان  الكبيران جورج جسنج وصمويل بطلر في مقدمة المتأثرين به.

فقد ألف الأول كتابه New Grub Streetسنة ١٨٩١ وألف  الثاني The poy of All fleshسنة ١٩٠٣ على ضوء إبسن وصمويل بطلر هو أستاذ الكاتب الكبير جورج برنردشو.

وما يزال شو يفخر بهذه التلمذة إلى اليوم، بل ما يزال يتغنى  بمبادئ أستاذه العظيم ويرددها في جميع قصصه. وأهم هذه  المبادئ الثورة الصارمة على جمود الأسرة ومنح أعضائها - غير  الأب - كل حرية العمل في الحياة؛ فللفتاة أن تتزوج بمن تحب  وليس لأبيها أن يحول بينها وبين مثلها العليا، فإذا شاء أن يقسرها  على شيء فلها أن تثور عليه وتضرب بإرادته عرض الأفق؛ وللولد  كذلك أن يستقل بنفسه عن أبيه، ويعمل وحده، ويقوي  شخصيته. وعلى العموم كان يرى وجوب التحلل من مبادئ  الطهريين وإطلاق الحرية للفرد. وغلا بطلر في ثورته على الآباء فسب

أباه وهجاه فأقذع، وكأنه بذلك أفسح الطريق للشبان  فقلبوا الأسرة في إنجلترا رأساً على عقب!

ومع أن نظرية التطور التي بهرت العالم أجمع كانت في عنفوانها  في القرن التاسع عشر فقد وقف بطلر في صف المعارضين لها؛  ولكنه لم يقف في صف المتدينين دفاعاً عن الدين، بل وقف  يدفع إيمان داروين بهذه المادية البحتة التي يرد إليها كل ما يحدث  في هذا العالم من خلق ورقي. وكان يغيظ بطلر ما كان يقول به  داروين من تنازع البقاء وبقاء القوى المحتال، فكان بطلر نصيراً  للروحيين من العلماء وفي مقدمتهم العالم الفرنسي الكبير هنري  برغسون ألد أعداء داروين

اشترك في نشرتنا البريدية