تأليف : الأستاذ توفيق الحكيم إخراج : الأستاذ سعيد أبو بكر تمثيل: فرقة المسرح المصري الحديث
لا أدري من الذي أطلق على هذه التمثيليات القصيرة اسم " صندوق الدنيا" ؟ أهو المؤلف ؟ أم المخرج ؟ وسواء أكان هذا أم ذاك فإن الشيء الذي لا شك فيه هو أنه إنما أريد بهذه التسمية جلب المتفرجين , فإن كلمة " صندوق الدنيا " كلمة شعبية لها استدعاء خاص في نفوس سواد الناس الذين كان هذا الصندوق الخشبي يبهرهم ويستهويهم عندما يطوف بهم في القرى والمدن وهم أطفال يدرجون
ولو أنهم سموه " صندوق العجائب " لكانت التسمية أدنى إلى الصدق ؛ فإن الذي طلع به علينا هذا الصندوق إنما هو من الخوارق العجائب حقا :
وهل نشاهد في حياتنا الدنيا كثيرا من أمثال "صالح بك زهدي " الذي يحتقر المال ويزدريه وهو ومن يعولهم أحوج ما يكونون إليه ؟ أو هل ترى كثيراً من أمثال " سهام " تلك الفتاة التي ملأت نفسها شهوة القتل وتأجج بها فؤادها وملكتها " رغبة جامحة وقوة قاهرة تدفعها إلى أن تقتل شخصاً كما تقول ؟ أو هل ترى كثيرا من أمثال " عبد الغني بك " البخيل الذي أربى على البخلاء العالميين الأفذاذ من أمثال " الكندى" " و ليلى الناعطية " بخيلي الجاحظ , و " هارباجون " بخيل موليير , و " شيلوك " بخيل شكسبير , و " أوجين جرانديه " بخيل هونوريه دي بلزاك ؟ إن هذه الشخصيات فلتات في الحياة الدنيا , ولكن الرغبة في ازدحام المسرح بالناس هي التي أدخلتهم " صندوق الدنيا "
ولا أدري لماذا يتشيث الأستاذ توفيق الحكيم بأن يصف هذه التمثيليات المتفرقة باسم " مسرحية " ويأبى جاهدا إلا أن تكون مسرحية واحدة رغم ما بينها جميعا من " كمال الانقطاع " كما يقول رجال البلاغة ؟ مع أن المسرحية القصيرة أكثر مشقة على المؤلف , وأشد تضييقا عليه بحكم قصرها وقلة أشخاصها ومناظرها عن المسرحية الطويلة , وتوشك المسرحية القصيرة أن يكون لها القدح المعلى في العصر الحديث ؟ أغلب الظن أن المؤلف لم يجد بدا من هذه التسمية وهو يقدم هذه الفصول إلى وزارة الشؤون الاجتماعية ، أو أنه استشعر الحرج إن هو سماها باسم جديد لم يألفه الناس فجنح إلى السلامة وتكلم باللغة المألوفة عند الناس - وهو يضمر غير ذلك - ثم أخذ يبحث عن الأسباب هنا وهناك ! وأخذ يؤكد للناس أن الحكمة في جمع هذه الصور المتعددة في صعيد واحد أن ذلك " مما يساعد على إظهار صور المجتمع في أوضاعه العديدة المختلفة " وذلك قول مردود فليس المهم في المسرح أن تكثر المعروضات وتزدحم الموضوعات فهذا ميدانه الملحمة لا المسرحية , وقد يتناول المؤلف المسرحي غريزة واحدة أو معنى واحدا فيقيم عليه مسرحية ضخمة , تنبثق منها العبرة , ويفيض على جوانبها الفن والجمال ، كما فعل شكسبير مثلا حيث تناول غريزة " الغيرة " فأقام عليها مسرحية عطيل , وغريزة " الجشع " فأقام عليها مسرحية مكبث , وغريزة " الانتقام " فأقام عليها مسرحية هملت , وغريزة " الحماقة " فأقام عليها مسرحية الملك لير , والمسرح " لقطة " واحدة من الحياة تعيشها ساعتين أو ثلاثا متحداً مع ما تراه , مندمجا فيه بقلبك وعطفتك , وليس المسرح " معرضا " كبيرا أو " موكبا " ضخما يمر بك وأنت منفصل عنه تراه بنظرك ولا يستطيع قلبك وعاطفتك أن يتابعاه !
ولقد كتب الأستاذ توفيق الحكيم هذه المسرحيات بلغة أقرر أنها لغة المسرح حقا , كتبها باللغة العربية
السمحة السهلة المشرقة التي لا تعلو على أفهام السواد الأعظم من الناس , والتي لا تزيد على ما يتكلمونه إلا خطوة ضئيلة هي أقصر خطوة - فيما نعرف - بين العامية والعربية ، وذلك أمر ليس - كما يتصور البعض - سهلا ميسورا فإن تقريب العربية إلى العامية مع المحافظة على سلامتها ونقائها وإمكان أن يفهمها الناس جميعا , أمر فوق أنه لا غنى عنه في لغة المسرح , فهو عسير غاية العسر , وقد استطاعه - إلى حد كبير - صديقنا الأستاذ توفيق الحكيم كما استطاعه صديقنا الأستاذ علي أحمد باكثير
هذا أمر أشهد به ويسرني أن أشهد به , وأرجو أن يعلم المؤلفون المسرحيون أن الجزالة والفخامة وضخامة الألفاظ وغرابتها ليست من المسرح في شيء . وإن كنت ما أزال أرجو المزيد من الأستاذ توفيق الحكيم ؛ وآخذ عليه بعض كلمات كان الأولى أن يتجنبها , كقوله " مقدم الصداق " ولو قال " المهر " لكانت أيسر , وكقوله " إنني أثيرة عندك " ولو قال ( إنني مفضلة عندك أو إنني عزيزة عليك " لكان أقرب , وكقوله " وهكذا دواليك " وهذه عسيرة جدا على المسرح ولو قال " وهكذا تدور أو هكذا تمضي الأيام " لكان أخف كثيرا . على أنني أرجو كذلك أن يجمع الأستاذ إلى سهولة اللغة سلامتها من فساد قد يكون أضفاه عليها العرف , فهو يقول مثلا " إن رزقه محدود لا يكاد يكفي لفتح هذا البيت " وكلمة " فتح بيت " هذه قد أعطاها العرف معنى غير كريم فكان الأولى أن يتجنبها المؤلف ... ولقد أسلم المؤلف هذه المسرحيات بلغتها السمحة السهلة التي يقرؤها الناس في كتابه " مسرح المجتمع إلى ممثلين أبوا - كما حدثنا الأستاذ المؤلف - إلا أن ينزلوا بها إلى العامية اعتقادا منهم أنها عسيرة على أفهام الناس وأنهم لن يستطيعوا متابعتها , وقد ينتهي ذلك بالإعراض عنها , ولكنهم في ذلك جد مخطئين
أما المسرحية الأولى " دنيا المبادئ " فتقوم على رجل
لا تستهويه المادة وهو أشد الناس حاجة إليها ، رجل يؤثر الفضيلة والأخلاق على أعراض الحياة ؛ ويؤمن إيمانا عميقا بالمثل العليا ولو جلبت له الفقر ولذويه الحاجة والحرمان ويذكرني هذا الرجل الذي قدمه لنا توفيق الحكيم في مسرحيته هذه وأعني به " صالح بك زهدي " برجلين قدمهما لنا من قبل الكاتبان الشهيران : موليير وهتزيك إبسن , فقد قدم لنا الثاني ( دكتور ستوكمان ) وهذان الرجلان وصاحبهما الجديد ( صالح بك زهدي ) يقفون من الحياة موقفا واحدا , ويتخذون صفات واحدة , وإذا عرفت أحدهم فقد استغنيت عن صاحبيه !
وليس فى هذه المسرحية بناء مسرحي على الإطلاق , وإنما هي حوار طويل جدا بين رجلين استغرق في كتاب الأستاذ المؤلف اثنتي عشرة صفحة كاملة لا حركة خلالها , ولعل الأستاذ المؤلف قد استشعر الملل الذي استشعره النظارة , فأراد أن يكسر حدته بأية حركة , فأدخل الخادم بصينية القهوة بعد تسع صفحات كاملة ! على أن المخرج مسئول عن ذلك أيضا , فالمخرج ينبغي أن يكون أكثر إحساسا بعواطف الجمهور من المؤلف , والمخرج ليس آلة صماء في يد المؤلف , ولكنه متمم له يستدرك ما يفوته , ويكمل ما ينقصه . ولم يكن بطل هذه التمثيلية وأعني به " حمدي غيث " يمثل . وإنما كان يخطب ! وتلك النزعة إلى الخطابة تلازمه كثيرا , ويبدو أنه يجد فيها نوعا من التميز والتفرد والبروز على إخوانه , وأنا أرجو أن يحد من من هذه النزعة السيطرة عليه , وأن يلبس لكل حال لبوسها قبل أن يستحيل إلى يوسف وهبي آخر ! وإن لم يستطع فليعتزل التمثيل إلى سواه ...
وأما المسرحية الثانية "دنيا الوفاء " فتقوم على أزمة نفسية خطيرة ملأت قلب فتاة شابة هي " سهام "... أزمة الرغبة الجامحة في القتل ، رغبة " ليس باعثها الانتقام بل لا باعث لها على الإطلاق . إنها شهوة القتل لذاتها مجردة عن أي باعث " إن هذه الفتاة كما صورها المؤلف
" فتاة تصوم وتصلي ويتمزق قلبها رحمة بالطفل البائس ابن الكناس فتصنع له بيدها ثوبا يكسو عريه , فتاة حسناء وديعة مثقفة , لا تطيق سماع مواء قطة جائعة . ولكنها مضطرة برغبة جامحة إلى أن تقتل شخصا , وما تكاد تنفرد بخادم في المطبخ وفي يدها سكين حتى تلمع عيناها ببريق غريب وتهم بطعنه " هذه هي فتاة توفيق الحكيم فتاة يرثى لها ويشفق الإنسان عليها , فلما تسلمها منه الممثلون أحالوها إلى فتاة مضحكة ترفه عن النظارة وتسرهم بما تأتي من حركات بهلوانية متكررة طويلة !
على أني أسأل الأستاذ المؤلف لماذا سكنت ثائرة الفتاة وفي النهاية مع أن القتل لم يتم ؟ وهل يكفي لتسكين هذه الثورة الجامحة أسسها " اعتقدت أنها قتلت " كما يقول الأستاذ مع أنها تبينت الأشخاص الثلاثة الذين صوبت إليهم مسدسها فوجدتهم في سلام ؟ وتبينت كذلك أن مسدسها كان محشوا بالبارود الذي لا يقتل ؟ لو أن المؤلف جعل الفتاة تولي الأدبار عقب إطلاقها مسدسها مباشرة ودون أن تتبين شيئا مما حدث لكان أدى إلى المعقول وأقرب إلى منطق الأشياء , لأن الفتاة كانت تعتقد حقا أنها قتلت
وآخذ على الأستاذ المؤلف أنه يفسر موقف الفتاة فيقول " آه .. لقد قتلوا فيك روح الحياة , فحل فيك حب الموت " وذلك بعد تمهيد مفتعل ليؤدي إلى هذا الكلام . وهذا التفسير اللفظي ليس من المسرح فى شيء , فالمسرح تفسره الأفعال لا الأقوال كما يعلم الأستاذ , وإنما يحتاج إلى الكلام إذا لم تستطع " الأفعال " وحدها أن تقوم بالتفسير والإفهام !
وأما المسرحية الثالثة " دنيا الأعمال " فهي أدنى هذه المسرحيات إلى واقع الدنيا , وتقوم على صورة من الاتصالات غير الشريفة بين الشركات وبين رجال الحكومة الذين يسترون أعمال هذه الشركات في دور الحكومة نظير سهرات لطيفة , ورشاوى و" إكراميات " طريفة ,
وهي مسرحية تقوم على مشاهد مألوفة كثيرا لدى رواد المسارح , والحوار فيها حسن , والدور الذي قامت به " سناء جميل " وهو دور المغنية المتبذلة كان شاقا وقد أحسنت القيام به إلى حد كبير , غير أنها لم تخف تبذلها بعد حضور زوجة الرئيس وتقديمها إليها على أنها زوجة مدير الشركة رغم هذا ! وأعجب من هذا وذاك ألا تكون بهذه الشركة الكبيرة حجرة للاستقبال فتدخل زوجة الرئيس إلى حجرات صغار الموظفين والمفروض أنها مشغولة بهم لولا المصادفة !
أما المسرحية الرابعة " دنيا المال " فتقوم على شيخ بخيل يذكرني بصفة خاصة بها رباجون بخيل " موليير ".. ولا أدري كيف ينسى هذا البخيل العتيد أن يجعل للتليفون قفلا ويتركه لخادمه مفتوحا في حين أنه أوثق الرتاج على البن والسكر ! ولا أدري كيف يبقى خادمه " بسطويسي " عنده عشرين عاما متوهما بأن له في " الوقفية " نصيبا وهو أدرى الناس بسيده وبكاذب وعوده ؟ ولا أدري لماذا يأتي " عدلي كاسب " بحركات جسيمة كثيرة جدا لا مدلول لها فى تصوير هذا البخيل ؟ ولا أدري لماذا لم يظهر " عبد الرحيم الزرقاوي " و " كمال يس " في صورة الكهلين الجليلي المنظر كما أرادهما المؤلف ؟ ولماذا يكره الناس الكهولة حتى في التمثيل ؟
وبعد : فهذه كلمة عرضنا فيها المسرحيات الأربع التي ألفها الكاتب الكبير الأستاذ توفيق الحكيم ,. ونجمل الرأي فيها بأنها خفيفة الظل جيدة الحوار حسنة اللغة , وأنه كان من سوء حظها أن وقعت فى يد مخرج ناشئ لا يكتفي بأن يكون ممثلا ولا يرضى إلا بأن يكون مخرجا أيضا رغم عدم توفر الوسائل لديه , ووقعت فى يد ممثلين كانوا أضعف من المسرحيات ,كثيرا

