الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 119الرجوع إلى "الثقافة"

صندوق العجوز الساحرة

Share

كان الجندي راجعا إلي بلده ، وليس معه من متاع الدنيا إلا سيفه وكيس صغير من الجلد يحمل فيه بعض ملابسه . وبينما هو يسير مر بساحرة عجوز واقفة على جانب الطريق ، فلما دنا منها حيته قائلة : " صباح الخير ! إن الغني والثروة شئ عظيم جدا ! أليس كذلك ؟ " فأجابها : " هذا شيء لا أعرفه ، فان جيبي خال وليس عندي ثروة ولا مال فابتسمت الساحرة ابتسامة ما كرة وقالت : " إني استطيع أن أجعلك غنيا . وإذا أردت الغني فما عليك إلا أن تسمع لما أقول وتعمل به ؟ أتري تلك الشجرة القريبة منا ؟ اذهب إليها وانظر ، فستجد في جذعها ثقبا ، فادخل منه وانزل في سرداب يوصلك إلي مغارة مملوءة بالكنوز والذخائر ، وستجد هناك ثلاثة أبواب ، فافتح الأول منها فإنه يوصلك إلي حجرة في وسطها صندوق مملوء بقطع من النقود النحاسية ، وفوق الصندوق يجلس كلب كبير العينين كأن كل واحدة من عينيه طبق فنجان ، فاذا رأيت هذا الكلب فلا تخف ، ولكن احمله بين ذراعيك ، وضمه على هذا الكساء الأزرق المخطط ، ثم خذ ما تشاء من النقود .

أما إذا أردت نقود الفضة ، فافتح الباب الثاني ، فإنه سيوصلك إلى حجرة اخرى صغيرة في وسطها صندوق مملوء بالقطع الفضية ، يجلس فوقه كلب كبير العينين كأن كل واحدة من عينيه شباك مدور ، فإذا رأيته فلا تخف ، ولكن احمله بين ذراعيك ، وضعه على الكساء الأزرق ، ثم خذ من النقود الفضية ما تريد

وإذا كنت تفضل الذهب ،  فاذهب إلى الباب الثالث

وافتحه ، تجد نفسك في حجرة اخري في وسطها صندوق مملوءة بالعمله الذهبية ، يجلس فوقه كلب كأن كل واحدة من عينيه قبة كبيرة ، فلا تخف منه ، ولكن أرفعه بين ذراعيك ، ثم ضمه على الكساء ، وخذ من نقود الذهب ما تشاء "

فلما سمع الجندي منها كل هذا تهلل وفرح ، وكاد من الفرح يقع على الأرض ، ثم قال لها : " إنك ياسيدتي طيبة وذات قلب رحيم ، ولكنك بالضرورة تنتظرين مقدارا كبيرا لنفسك " ! فأجابته الساحرة : " لا أريد نقودا مطلقا ، وكل ما أريده هو صندوق قديم كانت جدتي قد نسيت ان تحضره معها عندما كانت هناك آخر مرة " .

قال الجندي : " هذا شيء بسيط جدا ، ولكني احب ان اعرف كيف انزل من ثقب الشجرة " فأجابته : " اربط هذا الحبل حول وسطك واترك الموضوع لي " .

عمل الجندي بما أخبرته الساحرة ؛ فطلع الشجرة ، ودخل من الثقب الكبير في جذعها ، وظل ينزل وينزل وينزل ، حتى وصل سالما إلى مغارة كبيرة قد اشعلت فيها انوار كثيرة ، ونظر فرأى بابا ففتحه فاذا هو في الحجرة الأولى التي وصفتها له الساحرة ، فهذا هو الصندوق في وسطها ، وهذا هو الكلب الكبير العينين يجلس فوقه وكأن كل واحدة من عينيه طبق فنجان ، فتقدم الجندي ورفع الكلب ووضعه على الكساء الأزرق ، وفتح الصندوق وملأ جيوبه بالنقود النحاسية ، ثم غطي

الصندوق مرة ثانية ، ووضع الكلب كما كان ، وأراد ان ينصرف .

وفي هذه اللحظة لمح بابا آخر ففتحه ودخل فوجد صندوق كبيرا يجلس فوقه كلب كأن كل واحدة من عينيه شباك مدور كما أخبرته الساحرة ، فرفع الكلب ووضعه على الكساء الأزرق المخطط ، ورفع الغطاء فرأي كنزا كبيرا من النقود الفضية ، فأفرغ ما في جيبه وملأه إلي آخره بالفضة ، ثم وضع الكلب وهم بالإنصراف ، ولكن عينه وقعت على باب ثالث ، ففتحه فاذا صندوق كبير في وسط الحجرة ، وعليه كلب كبير العينين كأن كل واحدة من عينيه قبة كبيرة ، وقد كاد الجندي يخاف من هذا المنظر ، ولكنه تذكر ما أخبرته به الساحرة ، فاستجمع شجاعته ، وحمل الكلب ووضعه على الكساء ، ثم كشف غطاء الصندوق فلم يكد يصدق نفسه لما رأي النقود الذهبية البراقة ، وبغاية السرعة ملأ يديه وحشا جيوبه ، ولكنها كانت مملوءة بالنقود الفضية من قبل ، فقال في نفسه : لماذا أحتفظ بالفضة وقد وجدت الذهب ؟ وخلع كسوته وأفرغ كل ما فيها من نقود ، ثم ملأ جيوبها بالذهب ، وغطي الصندوق كما كان ووضع عليه الكلب ، وسار في طريقه صاعدا إلي جذع الشجرة ، ولكنه سمع الساحرة تناديه من أعلي : " لا تنس صندوقي القديم " فرد عليها : " لقد نسيت " ثم رجع وبحث عن الصندوق حتى وجده ، ثم سحبته الساحرة من جوف الشجرة ، وعاد إلى سطح الأرض ؛ فسأل الساحرة قائلا : " وماذا تصنعين بهذا الصندوق القديم ؟ لابد أن تكون له قيمة عظيمة ؛ " ولكن الساحرة لم تجبه ، بل ظل نظرها محدقا في الصندوق . فقال لها الجندي : " أخبريني عن سر هذا الصندوق ، فاني موقن أن سرا ، وإن لم تخبريني قطعت رأسك " . فصاحت الرأة العجوز : " أعطني صندوقي فان معك ذهبا كفاية ، أتريد أن

تنتصب مني صندوقي ؟ " فأجابها الجندي بكل خشونة : " نعم ثم سحب سيفه وقطع رأسها ، وحمل كيسه على ظهره وذهب إلي مدينة قريبة

عاش الجندي في تلك المدينه عيشة الأغنياء ، فاتخذ له قصرا عظيما وخدما وحجابا ، واجتمع حوله أصدقاء كثيرون . ولم يزل على ذلك حتى صرف كل نقوده ، قاضطر إلى مغادرة القصر والبحث عن حجرة صغيرة يسكنها في الحي الفقير من المدينة .

وبينما هو جالس وحده في مساء ليلة مظلمة لا مصباح عنده ولا نور ، تذكر الصندوق القديم ، فأخرجه من مكأنه المنسي المهجور ، وفتحه فوجد في اسفله بعض قطع من الصوان ، فقدح واحدة منها فطارت منها شرارة ، ثم الفتح باب الحجرة فجاة ، ودخل منه كلب كان كل واحدة من عينيه طبق فنجان ، وقال : بماذا يأمر السيد خادمه ؟ " فتعجب الجندي وقال في نفسه : " هذا هو سر الصندوق ، وإنه سيحضر لي كل ما أريد ، ثم قال للكلب بصوت الأمر الناهي : " هات لي بعض نقود " فاختفي الكلب ثم عاد بعد دقائق يحمل في فمه كيسا كبيرا مملوءا بالنقود .

عرف الجندي بعد هذا انه كلما قدح الصوانة مرة حضر الكلب الذي يجلس على صندوق النحاس ، فإذا قدحها مرتين حضر كلب الفضة ، فاذا قدحها ثلاث مرات حضر الكلب الذي يحرس كنز الذهب . وفي ذلك اليوم لم يكن في المدينة أحد أسعد من ذلك الجندي ، فانه رجع إلي قصر العظيم ، وعاد إلي حياة العز والعظمة .

وكان في تلك المدينة أميرة جميلة أخبرها المنجمون في صغرها انها ستتزوج من جندي من العامة ، وقد غضب ابوها السلطان لهذه النبوءة ، فحبسها في قصر من

النحاس ، وغلق عليها الأبواب ، ولم يسمح لأحد أن يزورها إلا هو والسلطانة . فلما سمع الجندي بقصة هذه الأميرة الجميلة صمم على رؤيتها مهما كلفه ذلك من الاخطار ؛ فقدح الصوانة مرة ، واستدعي كلب النحاس وأمره باحضار الأميرة من غير تأخير . أطاع الكلب الأمر وذهب ، ثم عاد بعد قليل يحمل الأميرة وهي نائمة مستغرقة في النوم ، فلما راها الجندي افتتن بجمالها ، ومال عليها فقبل جبينها ، وأمر الكلب بأن يأخذها ثانية إلي قصرها في سلام وأمان .

وفي اليوم التالي أخبرت الأميرة أمها السلطانة أنها رأت رؤيا غريبة ؛ رأت كانها ركبت على ظهر كلب كبير ، وانه سار بها حتى وصل إلي بيت فيه جندي وان الجندي قبلها.

فقالت السلطانة في نفسها : " هذا حلم عجيب لابد ان ابحث هذا الامر واعرف اين تذهب الأميرة وفي تلك الليلة ربطت كيسا صغيرا من الدقيق على وسط الأميرة ، وقبل ان تذهب جاءت بمقص من ذهب وثقبت به خروقا صغيرة في الكيس ، وكان قصدها من ذلك ان تعرف المكان الذي تذهب إليه الأميرة ، فإنها - بالطبع - إن خرجت تساقط الدقيق من الكيس على طول الطريق ؛ وهذا هو الذي حصل فإن الجندي قد وقع في حب الأميرة الجميلة لما رآها ، وقد أرسل إليها الكلب ليحضرها مرة ثانية ، فذهب وحملها وسار مسرعا من قصرها إلى بيت الجندي ، وتساقط الدقيق على طول الطريق .

وفي الصباح التالي أخبرت أمها أنها رأت الرؤيا نفسها مرة ثانية ، فأسرعت السلطانة إلى الشباك ونظرت فرأت الطريق معلما بالدقيق ، فنادت الحراس والخدم والحجاب وأمرتهم بأن يتبعوا علامات الدقيق حتى يصلوا إلى البيت الذي تنتهي عنده فيقبضوا على صاحب البيت . وفي الحال ذهب الحراس وقبضوا على الجندى والقوه في غيابة السجن لينتظر تنفيذ الأعدام فيه في اليوم التالي . وقد بقي الجندي

في سجنه يفكر ويتحسر على أنه لم يحضر معه الصندوق ، ثم نظر من نافدة السجن فرأى غلاما صغيرا مارا قريبا منه . فناداه ووصف له المنزل والصدق وقال له : " إن أنت أحضرت في الصندوق أعطيتك قطعة من الذهب جزاء تعبك ففرح الغلام بهذا الوعد وجري ثم عاد بعد لحظة ومعه الصندوق ، فانشرح صدر الجندي وعرف أن همومه ومتاعبه قد زالت . ولكنه سمح للحراس بأن يأخذوه إلى الشنقة حيث السلطان والسلطانة ورجال الحاشية وجمهور كبير من الناس ينتظرون ليشهدوا تنفيذ الإعدام فيه وقد تم كل شئ ، وبدأ الجلاد يستعد لأداء مهمته ، وعندئذ التفت الجندي إلي السلطان وقال : " أتسمح لي يا مولاي أن أدخن سيجارة ؟ " وفي أقل من لمح البصر أخرج الجندي صندوقه وقدح مرة ومرتين وثلاثا ، فحضرت الكلاب الثلاثة ووقفت أمامه . وعندئذ صاح الجندي قائلا للكلاب : " احميني ، احميني ، لا تتركيهم يشنقونني " . فانطلقت الكلاب بين جماهير الناس تدفعهم هنا وهناك ، وساد الهرج والمرج في المدينة ، وهجم كلب الذهب على السلطان والسلطانة يدفعهما ويقذف مهما في الهواء حتى قتلهما .

وعند ذلك صاح الناس جميعا : " تريد الجندي سلطانا علينا ، فهيا أجلسوه على العرش ، وضعوا التاج الذهبي على رأسه ، وزوجوه الاميرة واجعلوه حاكما علينا " . واندفعوا جميعا نحو المشنقة فأطلقوا الجندى . وذهب جماعة من الحراس إلي قصر النحاس فأطلقوا الاميرة ، وساروا بها إلي ميدان المدينة حيث وقف الناس جميعا في انتظارها يصفقون ويغنون ، وبعد ماهدات اصواتهم وقف وزير السلطان ، وأعلن ان الاميرة قد قبلت زواجها بالجندي .

وفي اليوم التالي أقيمت الأفراح ، ولبست المدينة حلة من الزينات والاعلام ، وتم زواج الجندي والاميرة ، وعاشا معا طول الأيام في أمان وسلام .

اشترك في نشرتنا البريدية