الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 118الرجوع إلى "الثقافة"

صوتها، للانسة الزهرة

Share

ما هو الش الذي اجتذبك إلى زوجك ورفيقة حياتك ؟

في الرجال من يعجزون عن مجاوبة هذا السؤال لو وجه إليهم ، لان خواطرهم لم تتحرك بمعناه من قبل : على ان كثيرين يسارعون في هذا الموقف إلى الاجابة قائلين : لقد كان صوتها أول ما جعل لها موضعا في نفسي"

وكاني قد سمعت مرة ، أو قرات - لا أذكر - قصة رجل سمع في ( التليفون ) صوتا نسويا ، فجلب ليه ذلك الصوت ، وترك في نفسه أثرا جميلا طرب له ولم يقو على نسيانه ، بل اغراه بالبحث عن صاحبته وقتا طويلا ولم يلبث ان كوفيء على صبره ، إذ كان يوما في أحد المتاجر فسمع ذلك الصوت مرة اخرى ، وقد كانت صاحبته تطلب من البائع بعض السلع ، وكان وجهها جميلا فتانا كصوتها ، يشعر برقتها التى تحتضن فرائد العواطف وبرد الأخلاق . وما كادت تخرج حتي اقتني أثرها عن بعد في تهيب واحترام ، واهتدي إلي مسكنها ، ثم عكف على التعرف إلى ذويها ، وطالعهم أخيرا بإعجابه بابنتهم ؛ وما هى

إلا أشهر قلائل حتي تم زواجهما .

وليس  ثمة ما يدعو إلي العجب في كل ذلك ، فان كثيرين من الرجال يولعون بالصوت الجميل ؛ ولعل الصوت من اقوى الخصائص النسوية التي يعجز الرجل عن مقاومة سحرها ؛ وقد قرانا في كتب الأدب العربي ان بشار بن برد الشاعر الكفيف قد مر يوما بحي الفتاة التي كانت تغني وتذكر في شدوها " عميد القلب سكرانا " ، ففاجاه صوتها ، ورفع حجاب اذنه ، وتغلغل إلي صميم نفسه ، فبهره واشجاه ، واثار عاطفته ، وهز جوارحه ، حتى صدح قائلا :

هذا ولئن كان المران والتدريب يعملان عملا غير قليل في تهذيب الصوت وصقله من التنافر ، فإن الفطرة

وحدها هي التي تلقن الفتاة فن إجادة الكلام بصوت حلو واضح متعهل كخرير الجدول في الأرض المنبسطة ، بطئ ساحر كبعض نغمات المساء في ليالي الصيف المقمرة ، صريح الاشارة بما تفيض به نفسها من الأحاسيس العالية الصادقة . وليس من الضروري أن يكون ذلك الصوت موسيقيا غنائيا ، فان الفتاة التي تخلب الألباب شادية قد يكون صوتها خلوا من كل عذوبة حين تتكلم . . وإذا كنت أسلم مع القائلين بأن كثيرات من ذوات الصوت الجميل قل أن يمتزن بالوسامة وجمال القسمات ، فإني أجاهر بأنهن يباهين بمحاسن أخلاقهن وملاحة نفوسهن . والأصوات الجميلة التي أعنيها هي التي تكون قبل كل شئ عناوين القلب ، وشواهد النفس ، ودلائل السجايا ، وفهارس الصفات ، يملأها الحب والرحمة ، وتفيض منها نغمة حلوة تكاد تكون قبلات وملاطفات ومؤاساة ، وتوحي بما يجبر الكسر ، إذ تمتد إلي شفاء الأشجان فتسكنها حين تصبح وتطلع على الحائر الشريد أنوارا من الطمأنينة تدعوه إلي اللياذ بما فيها من عطف وأمن ، وتثير في نفسه الصبر والثبات ، وتلهمه النشاط والقدرة على احتمال المكاره والخطوب ، ومواجهة المشكلات والأخطار

ولبعض النساء العاديات أصوات مدهشة يرهف المرء اذنه لالتقاط نغمتها والإقبال على سمعها بكل جوارحه ، فى لاتفوته منها صغيرة ولا كبيرة ، لأنها تبرز اللفظ العادي والمعنى الساذج في أشرف نغمة وأعذب مغزي

اما الممثلات العظيمات فلهن اصوات عجيبة خلابة في الدرجة القصوي من المرونة ، تعلو وتهبط فتعتزج بها شتى العواطف والأهواء التي تتنازع قلوب البشر ، متراوحة بين الشجو والانين ، والأنس والطرب ، والمرح والشكوي ، والهف والوجد ، والجوي والوحشة ، والحنين والحماسة ، والمفاجأة والتوسل ، والابتهال والخشوع ، يؤديها دون تعمل ، كالموسيقي البارع يجري قوسه على اوتار القيثارة ، فياتيك بالمطرب والمعجب لا يتكلف لهما جهدا ؛ ويتلاعبن

بعواطف السامعين كما نشاء لهن عواطفهن ومعانيهن وهذا هو الذي يجعلنا نقدر القوة الكامنة في تلك الأصوات العجيبة وإذا كانت الموسيقى فتنة الألباب كما يقولون ، فليس في العالم كله ما عائل صوت الممثلات القادرات الذي يفتن الموسيقي لو ان الموسيقى تعقل . .

وللكثيرات من النساء الريفيات في مصر وأوربا صوت مطرب عذب ، كما ان لبعض نساء المدن صوتا غليظا اجوف مرتفعا يحز الأذن ، ويمثل التصنع والغطرسة . ولنساء إيقوسيا صوت قوي يميل بالسامع إلي حيث تريد صاحبته ، على انه يخلو من الرخامة التي تمتاز بها اصوات الإيرلنديات والأمريكيات . أما صوت الفرنسيات فمرن منسجم ، بعكس صوت الألمانيات اللواتي يرسلنه من حناجرهن متعهلا ذا دوي . ولعل الايطاليات يشاركن أخواتنا التركيات في رقة اصواتهن التي يحاكى أغاريد العصافير في صباح مشرق الجبين .

بيد أن العواطف الصادقة تغير الصوت العادي ، وتكسبه روعة ، فان الام حين تناغي طفلها في مهده ، أو الفتاة وهي تكشف سر قلبها لأمها متى تحقق لها حلم حياتها ، تهدى إلى السمع صوتا مؤثرا في حنان عميق ، تتصل نبراته بفؤادها وفؤاد من يحيط بها .

وهناك أصوات قاسية توسع سامعيها أذى بفظاظتها . هناك أصوات حادة سمجة تهيج الأعصاب وتربك الخواطر - اصوات بليسدة متشابهة تبعث على النفور والملل . وهناك اصوات غليظة خشنة تشبه رنين النحاس أو فحيح الافاعي . وهناك اصوات متكتمة ترسل في همس خفي كا نها موثل الفتن ووكر الدسائس

وللصوت تأثير فعال في غالبية الناس ، وبنبراته تذكر أعزاءنا الذين حجتهم عنا يد الردي ، كما تزواد بنغماته الخلوة اتصالا بالآلي نحبهم فوق الحياة نفسها ، لأننا نجد حياتنا في حياتهم ، ونحس في وجودهم بسعادتنا ونعيمنا

اشترك في نشرتنا البريدية