الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 593الرجوع إلى "الثقافة"

صوت من أوربا :, من ضوابط السلوك

Share

كنا ثلاثة ألف وباء وأنا . أما ألف فرجل في قمة الشباب ؛ أتم تعلمه الجامعي بمصر ، ووصل في دراسته العلوم إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه شاب في سنه . وكان يصح أن يكون في طليعة من ترسلهم الحكومة في إحدي بعثاتها إلى الجامعات الغربية لولا قيام الحرب . فبقي بمصر وسار زوجا وأبا وشعر بتبعات الزوجية والأبوة ، وصار موظفا وتركزت حياته المهنية فشعر بأهميته وبتبعات المهنة . وتبلور تفكيره الاجتماعي فلم يعد حدود البيئة التي يعيش فيها . وفد منذ عهد قريب إلى انجلترا في بعثة عملية - أو علي الأصح اجتماعية عملية - ليزور معامل بعض الجامعات ، ويتصل ببعض الأساتذة ، ويستمع بعض المحاضرات ويسير في الشوارع والميادين ، ويعرف كيف يعيش الناس ويتحدثون ويتناقشون ويختلفون ثم يتفقون أو لا يتفقون .

وأما باء فرجل قارب الستين ؛ يبدو هذا في رأسه الأصلع وتضاريس وجهه ، أقل مما يبدو في حديثه عن تجاربه ومعارك الحياة التي خاض غمارها . جاء إلى انجلترا في باكورة شبابه مغامرا ببعض المشروعات ، ينشد الفن . وهو أحد المصريين القلائل الذين غامروا وتركوا بلادهم الرخية الهادئة ، يبحثون عن حياة فيها شئ من الكفاح الممتع ؟ فكافح وكوفح ، واغتني وافتقر ، وكسب وخسر ، وجاع وشبع ، حتى صادفه التوفيق فاستقر في هذه البلاد ناجحا في مشروعاته ، راضيا بما أصاب من آمال . وهو لهذا رجل قديم العهد بالحياة الإنجليزية يتحدث عنها حديث الخبير الملم بشئونها . وهو يعتقد أن الحياة هي المدرسة الحقيقية ، وان النجاح في الجامعة ليس ضمانا للنجاح في ميدان العمل ، وهو

يؤمن بأن تربية الواقع هي التربية المجدية . وقد كون لنفسه فلسفة برجماسية تبدو في حديثه ومناقشاته ، وفي سخريته بالآراء النظرية .

أما أنا فوسط بين الرجلين ؛ عشت في انجلترا قبل الحرب الأخيرة وأعيش فيها الآن ، ولهذا أعد نفسى مخضرما إذا قورنت بالرجلين .

جمعنا مجلس ، وبدأنا الحديث . قال ألف : إن سلوك هؤلاء الناس مدهش حقا ! قلت : أي الناس تعني ؟ وأي سلوك أدهشك ؟ قال : الناس هم الإنجليز . وأما سلوكهم فهاك بعضا مما شاهدته :

كنت راكبا في الطابق الثاني من إحدي السيارات العامة ، وقد ازدحم الطابق فجأة بالركاب ، فجاء الكمساري وكان على عجل ، فوزع التذاكر على الركاب ولم يأخذ منهم الثمن . وأسرع هابطا إلى الطابق الأول يشرف علي الخارجين والصاعدين ، عندما وقفت السيارة . ونزلت لأغادر السيارة مع المغادرين ، فما كان من الركاب الذين أخذوا التذاكر ولم يدفعوا الثمن ، إلا أن تقدموا كل واحد منهم يدفع ثمن تذكرته إلى " الكمساري يدفعه ويغادر . فانظر كيف يثق الكمساري بالركاب ، وكيف يقدر الركاب هذه الثقة فيدفعوا الثمن دون رقيب أو محاسب ! .

قال باء : ثم ماذا ؟ قال ألف : ثم ماذا ؟ ألا يدهشك هذا السلوك فتطلب المزيد ؟ هاك إذا حادثة اخري شاهدتها في السيارة العامة أيضا . كان الكمساري في الطابق الثاني حينما وقفت السيارة وهم جاري في الطابق الأول بالخروج . فنظر إلي وناولنى بنسين قائلا : أرجو أن تسلمهما إلى

الكمساري تمنا للتذكرة التي لم آخذها ، وأنا مغادر الآن . فعل هذا وانصرف ؛ إنه ترك الأجرة وراءه ، وهو لو أراد أن ينصرف دون أن يدفع الأجرة وان يراقبه الكمساري لفعل . ففي اى البلاد يحدث هذا السلوك ؟ .

قلت : إن هذه الظاهرة مألوفة في انجلترا . وقد تكون غريبة حقا على الأجانب الذين لم يشاهدوها في بلادهم . ومع هذا فهناك أنواع أخري من السلوك تستحق الإعجاب الخلقي ، أذكر منها الحادثة الآتية .

نويت السفر من إحدي المدن الاقليمية الى لندن فاشتريت من محل تجاري معروف في تلك المدينة حقيبة خفيفة تصلح للسفر القصير . وعبأت فيها من المتاع ما احتاج إليه . وحشوت المتاع - كعادتى - بعدد من الكتب والمجلات . فلما وصلت محطة السفر ، وجاء القطار رفعت الحقيبة فجأة ، وأسرعت لأستحوذ على مكان فيه . ولكن الحقيبة الثقيلة هوت على الأرض تاركة في يدي يدها المقطومة .

فلما بلغت لندن عرفت أن بها بعض فروع للمحل التجاري الذي اشتريت منه الحقيبة . فاتصلت تليفونيا بأحد الفروع ، وأخبرته بما حدث . فكان الجواب : " هات عنوانك . وأفرغ حقيبتك . وسيكون عندك رسولنا ليأخذها ويسلمك واحدة جديدة بدلا منها " . ولم يمض عشرون دقيقة حتى كان رسول المحل يطرق باب الفندق . فسلم وتسلم .

ثم نظرت إلي النديمين قائلا : فما رأيكما في هذا السلوك ؟

ابتسم باء ابتسامة ساخرة وقال : لست أجد فيما قصصتها شيئا غريبا . وكل ما حدث إنما هو سلوك طبيعى يتفق وظروف القوم الاجتماعية والاقتصادية . وقد يكون غريبا أن يسلكوا عكس هذا . إنني . . فقاطعه ألف بحماس قائلا : إن كلامك هذا عام وعائم ، فأفصح ووضح . غريب أن تلجأ إلى النظريات وأنت رجل عملي .

قال باء : رويدا يابني ؛ فما عندي من نظريات إنما هو نتيجة دراستي العملية . إني اعتقد أن السلوك الاجتماعي - كالظواهر الطبيعية - سلسلة من المقدمات والنتائج ، أو الأسباب والمسببات ، وأن هناك قوانين اجتماعية تضبط سلوك الناس وإن لم تشبه هذه القوانين في دقتها ووضوحها القوانين الطبيعية . من ذلك ما أدهشك من دفع الركاب ثمن التذاكر دون أن يكون عليهم رقيب . فلهذا السلوك أسبابه الاقتصادية والاجتماعية . من هذه الأسباب أن كل راكب يستطيع اقتصاديا أن يدفع أجرة السيارة العامة لأن دخله يسمح بهذا ، ولأنه قد دبر نفقات معيشته - أو دبرت له - على أساس أن يكون ضمنها أجرة المواصلات ، فلو لم تسمح اقتصادياته بدفع هذه الأجرة لحاول التهرب . وأنت تشاهد هذا التهرب من كثير من الركاب في بعض البلاد ؛ لأنهم حريصون على أن ينفقوا هذه الأجرة في أشياء هم أشد حاجة إليها . فهم يحاولون السرقة ليسدوا حاجة عندهم . ولو كان دخلهم كافيا ما حاولوا هذا .

قلت : إنك تجعل ظروف الفرد الاقتصادية الخاصة ضابطا لسلوكه ومبررا له . فأين إذا دور الظروف الاجتماعية ؟ قال : نعم إن ظروف الفرد الخاصة تضبط سلوكه وتوجهه ، ولكنها قد لا تكون مبررا لهذا السلوك ، فهناك اعتبار آخر هو اعتبار المجتمع . ولهذا يعاقب القانون من بهمل هذا الاعتبار أو ينساه . ومع هذا فسلوك الفرد خاضع أيضا لشعوره الاجتماعي . خذ مثلا الراكب الذي يقبض عليه الكمساري متهربا من دفع الآجرة ، ويسوقه إلى الشرطة . إنه يشعر بخدش كرامته الاجتماعية ، وبان المجتمع ينظر إليه نظرة شك وريبة . وبهذا يخسر ثقة الناس فيه . وقد يخسر وظيفته التى يؤديها ، إن هؤلاء الناس يعتقدون ان " الأمانة خير أساليب النجاح " Honesty is the best policy .

قال ألف : فلأسلم جدلا بما تقول ، فكيف تفسر سلوك المحل التجاري ؟ فعجل باء قائلا : الأمر لا يحتاج لتفسير ،

إن نجاح أي مشروع تجاري يتوقف على رضاء الزبون ؛ لأن في هذا الرضي دعاية كافية . والزبون الراضي لا يعود بنفسه إلى المحل فحسب بل يحضر معه زبونا غيره . فلتتصور هذه العملية الحسابية البسيطة ، عملية تضعيف عدد الزبائن من يوم لآخر . ومهما قل الربح الذي يناله المحل التجاري من الزبون فإنه ينمو بنمو الزبائن . ففي كسب الزبون وإرضائه إذا كسب مالي مهما قل الربح . إن الحقيبة مقطوما اليد التي استردها المحل التجاري لا تكلفه إلا دراهم معدودات لإصلاحها ، ولكنها ضمنت له عودة الزبون ، لا بل والدعاية له . ومن الأمثلة الأنجليزية التي تشير إلى حرص التجار على إرضا الزبانن قولهم : " الزبون دائما على حق " The customer Is always right وكم من محال تجارية أفلست لأنها حرصت على المكسب العاجل ، فنفر منها الزبائن .

قال ألف : هذا صحيح ، ولكني أعرف بعض المحلات التجارية الكبرى عندنا . وهذه لا تسمح بإرجاع البضاعة إليها - حتى ولو كانت سليمة - بعد أن تخرج من المحل . فرد باء قائلا : نعم ، ولهذا أيضا أسبابه الاجتماعية والاقتصادية : أما الاجتماعية فإن الزبون الذي تشير إليه لم يرتق بعد إلى المستوي الذي يدرك فيه متى يرجع البضاعة ومتى لايرجعها وهو لهذا قد يتفس أوهي الأسباب لإرجاعها ؛ كأن يتوهم أنها غالية الثمن ، أو أن يعيبها شخص لا يعرف قيمتها . ففي مثل هذا المجتمع الذي لم ينضج فيه تقدير الزبون السليم للبضاعة التي يشتريها ، وشعوره بنتائج إرجاعها للمحل ، ينبغي ألا يباح الإرجاع . أما الاقتصادية فإن فتح الباب على مصراعيه لإرجاع البضائع إذا ظهر بها عيب ، في مجتمع كالذي أشرت إليه ، يكبد المحل التجاري خسائر فادحة . وقد يتلف الزبون البضاعة لجهله ثم حاول التخلص منها بارجاعها .

قلت لباء : لقد لجأت إلي التعميم في حكمك هذا ؛ ففي بلادنا ولا شك - كما في انجلترا - الزبون الذي يدرك ما في إرجاع البضاعة إلي محلها من خسارة . ومثل هذا الزبون يتردد كثيرا في إرجاع البضاعة إلا إذا كان بها عيب واضح .

فعجل باء قائلا : ومن هذا الزبون يقبل المحل التجاري البضاعة المردودة ، ولكن كم عندنا من هذا النوع ؛

فقاطعه ألف محتجا : نعم عندنا الكثير ، ونحن لا نقل في وعينا الاجتماعي وتقديرنا المسئوليات عن أي بلد آخر .

قال باء : أرجو أن تجنبني المقارنة ، فلست هنا بصدد المفاضلة بين سلوك قوم وسلوك آخرين ، ولكني أريد أن أبحث السلوك بحثا موضوعيا وان أقرر أن سلوك أي قوم أو فرد - إنما هو نتيجة عوامل اجتماعية واقتصادية . وأنك إذا أردت أن تغير من هذا السلوك وجب أن تبحث عن هذه العوامل والظروف المؤثرة فتغير منها ؛ كان ترتفع بمستوي التعليم عند الشعب وتعمل على زيادة دخل الفرد وتحسين مستواه المعاشي . عند ذلك لا يفكر في خرق القانون أو الخروج على المبادىء الأخلاقية السليمة .

قلت : ولكن ثمة عوامل أخرى نفسية داخلية غير العوامل الاجتماعية والاقتصادية ، ولهذه أثر كبير في تكييف سلوك الفرد . فقد يعيش اثنان في ظروف اجتماعية واقتصادية متشابهة ومع هذا يختلفان في سلوكهما ؛ لاختلافهما في المزاج والطبع والخلق . قال باء : إني رجل لا أعرف شيئا عن العوامل النفسية ، ولا أفهم الفرق بين المزاج والخلق . وأغلب ظني أن هذه اصطلاحات يلجأ إليها المتفلسفون للتعمية إذا أعوزتهم الأدلة العملية من الحياة . قلت : لا بأس عندي أن أشرح لك ما تسميه ) اصطلاحات قصد بها التعمية ، فعجل ألف مقاطعا يقول : بربك أمهلنى قليلا فإني أريد أن أسأل العم باء : إذا كانت الظروف الاجتماعية والاقتصادية هي التي تضبط سلوك الناس فكيف إذا تفسر انتشار حوادث الشبان الاعتدائية المنفشية بينهم الآن . وما تشكو منه الصحف من تعدد السرقات وحوادث القتل والسلب ؛

نظر باء إلى ساعته وقال : لم يعد لدينا من الوقت ما يسمح باستمرار الحديث . فلنقف اليوم هنا ، ولنستأنف اجتماعنا في يوم آخر نسمع فيه شيئا عن العوامل النفسية والمزاج والخلق ، وأشرح أنا وجهة نظري في الأسباب الاجتماعية والاقتصادية لحوادث الشبان الاعتدائية الأخيرة . ثم نهضنا نحن الثلاثة ، وودع بعضنا بعضا .

( مانشستر )

اشترك في نشرتنا البريدية