لو كنت - أيها القارىء الكريم - مثلى ، ممن تعلموا الجغرافية فى كتاب المستر سمذارد ، أو كتاب " جغرافية مصر والسودان " للمستر مارتن ، لكان من الجائز أن تعترى ذاكرتك الآن رعدة حين يقع نظرك على عنوان هذا المقال ، كما هى الحال معى كلما ذكرت درس الحفرافه عن البحرات ؛ فقد كان على - كبقية التلاميذ -
أن أحفظ أسماء البحيرات فى آسيا وأفريقا وأمريكا الشمالية والحنوبية وغيرها من القارات ، وأن أسمع هذه السلسلة من أسماء البحيرات عن ظهر قلب ، وكان على أن أذكر أن بحيرة فكتوريا مثلا تقع على خط الاستواء وجنوبيه ، وأنها أكبر بحيرة فى أفريقيا ، وتزيد مساحتها على ٢٦٠٠٠ ميل مربع ، وأن البحيرات الخمس التى تقع بين كندا والولايات المتحدة هى أكبر مجموعة من البحيرات فى العالم . ولو كنت من ذوى التصور البصرى مثلى لتصورت - كما أتصور الآن -
هذه القطع والبقع غير الهندسية التى يسمونها " بحيرات " مرسومة على خرائط الأطلس ، ومنتثرة هنا وهناك كل واحدة فى مكانها وبجانبها اسمها ، ولم تكن هذه الأشكال غير الهندسية للبحيرات تحمل إلى معنى من المعانى أكثر مما يدل عليه شكلها العام . فالبحيرات الكبرى بالولايات المتحدة وهى : Superiorm, Michigan and Huron ، كانت تذكرنى بشكلها على الخريطة شكل ورقة الخروع . وبحيرة فكتوريا بروافدها الكثيرة القصيرة التى تصب فيها تذكرنى شكل الأخطبوط .
وفى الخرائط الملونة كانت البحيرات تبدو زرقاء ؛ فكنت أتصورها آبارا أو عيون مياه . تشترك جميعها فى التعريف الذى كنت أحفظه ، وهو أن " البحيرة جزء من
الماء محيط به الأرض من جميع الجهات " . وما دام هذا تعريف البحيرة فلن يضيرنى ألا أعرف عنها أكثر من اسمها . وقد كنت بحفظى هذه الأسماء أضمن الدرجة الكاملة للأجابة عن سؤال البحيرات .
أما إذا كنت تسكن - أو سكنت - قريبا من إحدى البحيرات ، أو زرت بعضها ، فإن ذكرياتك عن البحيرات ستكون - ولا شك - إحياء لخبراتك السارة أو المؤلمة التى لابست قربك من هذه البحيرات .
وأنا أذكر أننى لم أر واحدة من البحيرات المصرية قبل سن الأربعين . فقد زرت وصحبا بحيرة قارون (1) ، تلك البحيرة التاريخية التى عاصرت مصر فى كل أطوارها . والتى اتخذ منها أمنمحعت الثالث خزانا لتنظيم الرى فى منطقة الفيوم .
زرت هذه البحيرة فوجدتها راقدة راكدة ، كأنما أنهكها مرور القرون ، فلم تعد تعبأ بما يحيط بها وما يطرأ عليها . زرتها فرأيت رقعة زرقاء قائمة من الماء الآسن الصافى الذى تنبعث منه رائحة الملوحة فى قوة وحدة ، ممتزجة برائحة السمك السجين . ورأيتها ، وقد انسابت إليها من هنا ومن هناك أمواء المصارف حاملة معها أملاح التربة التى غسلتها . والبحيرة تبتلع الأمواه والأملاح فى غير نمو ، لقد أدركها الهرم ، وبدأت تضمحل وتنكمش وتتجعد حافتها كما تتجعد بشرة الهرم . ثم حانت منى التفاتة إلى الفضاء الفسيح حول
البحيرة ، فلم أر إلا تربة غبراء أو أرضا قد اخضر إهابها بعد أن سقاها الفلاح الكادح بعرقى جبينه ، وهى بهذا كله مناظر رئيسية كتلك التى ألفناها فى جميع أنحاء الوادى ، فليس بها جبال أو تلال ، وليس عليها غابات أو أشحار ، ولا يجملها مسقط ماء ولا ينبوع تر . وعلمت أن هذه الأراضى قد آلت إلى بعض الأثرياء بثمن بخس ، وسوف تقسم وتباع بعد إصلاحها ، أراضى للزراعة أو البناء . والرائد لهذه البحيرة من طالبى الراحة والمتعة لا يجد من المنازل غير فندقين أعدا لمن كان ذا مال ، فيصل إليهما بسيارته ، ويدفع لهما من ثروته بسخاء . أما صاحب الدخل المعتدل فبينه وبين البحيرة طريق يسلكه إليها راجلا ، ثم لا أمل له فى البقاء عند البحيرة بعد الغروب إلا إذا بات فى العراء .
ثم رأيت بحيرة البرلس ، وهى امتداد داخلى للبحر الأبيض . وهناك بينها وبين هذا البحر ، وعلى ساحل رملى نظيف سهل منبسط ، أمضيت إجازة سعيدة صحية رخيصة فى أحد المخيمات . لقد كان الوصول إلى هذه المنطقة الهادئة البسيطة نوعا من السفر الذى يسمونه قطعة من العذاب . ففى قطار سكة الحديد الضيقة ، وفى الدرجة الأولى منه ، تكدس الرجال والنساء والأطفال والأغنام والمعز وركائب الحشيش ومقاطف البلح . وكان القطار يسير ويقف وفقا لرغبات الأهالى . فلا يتحرك قليلا حتى يقف ، ويقذف الأهالى من راغبى السفر أحمالهم من نوافذه إلى داخله ، ثم يقذفون أنفسهم بعدها . وهكذا عانيت ورفاقى ما حرمت بعده أن أضع قدمى فى مثل هذا القطار .
ولكن ما لهذا وسواحل البرلس وبلطيم ؟ إنها هناك ممتدة هادئة لمن يصل إليها طائرا أو سابحا أو راكبا
أو راجلا ، إنها هناك قطعة من الجمال الطبيعى البسيط ؛ ماء ورمال وسماء وشمس وهواء . هذه هى الطبيعة التى لم تفسدها يد الإنسان كما يقول روسو . وإن كنت لا أومن بقوله على إطلاقه " كل شىء صنعته يد الطبيعة جميل ما لم تمتد إليه يد الانسان . فإذا امتدت إليه يد الإنسان أفسدته " فالطبيعة قد تكون جميلة حقا ، فإذا امتدت إليها يد الإنسان المصلحة زادتها جمالا وتنسيقا وتهذيبا ، وقد تكون الطبيعة عشواء فى إنتاجها فتحتاج إلى يد الإنسان المصلحة لتقودها وتوجهها . أما إذا كانت يد الإنسان مفسدة فإنها ستفسد ولا شك ما جملته الطبيعة .
هناك على بساط الرمال البيضاء ، وبجانب مياه البحر الأبيض الزرقاء ، وبالقرب من ضفاف البرلس عشنا فى مخيمنا
الهادىء بعيدا عن صخب المدنية وزحامها ، عيشة بدائية منظمة . وقد كان الذى دفع بنا إلى هذه البقعة الثانية قصر اليد وخفة الجيب ، فما كان فى مكنتنا أن نرتاد من المصابيف المتحضرة ما يرتاده أمثالنا ممن هم فى سعة من العيش .
وقد كادت تمضى إجازتنا سعيدة هادئة لولا أن نقصها زيارة لإحدى القري القريبة من البحيرة . زرنا تلك القرية فرأينا سكانها فى أكواخهم البدائية الجرداء الدكناء ، رأيناهم ونساءهم وأطفالهم ومواشيهم وحشرات الأرض وأسراب البق بعيشون فى تلك القبور ، وقد انبعثت منها روائح بشرية وبهمية ، وتكدست حولها أكوام من الأسمدة الكريهة المقززة ، ورأينا أطفالهم - وفيهم العباقرة ورجالات المستقبل - وقد تجمعت على وجوههم زمر الذباب ولطع الأوساخ ، وتدلت فوق أجسامهم الناحلة أسمال قد ربطت أنسجتها بعضها ببعض بمزيج لزج من العرق والتراب . وكانوا ينظرون إلينا وننظر إليهم ، كأنهم ليسوا منا ، ولسنا منهم . وتأملنا وجوههم فلم تر فيها إلا أعور أو أعمش أو أعمى . ويلاه ! قرية بأكملها مصابة بأمراض العيون ؛ إنها أمراض
معدية وهم جاهلون مهملون . وما أسرع انتشار المرض مع الجهل والإهمال .
ولكن دعنى أنتقل بك بعد هذه التجربة الأليمة إلى منطقة تضم خمس عشرة بحيرة ، يسمونها " منطقة البحيرات " رقدت هذه البحيرات ، كبيرها وصغيرها ، بين أحضان الجبال الشامخة والتلال الناهضة . وقد تطامنت وهوت إليها خلال الجبال والتلال وديان تتسع أحيانا وتضيق أخرى ، وأخاديد عميقة بعيدة القاع . ولكن أى جبال ، وأى تلال ، وأى وديان ، وأى أخاديد ؟ إنك سوف لا ترى إلا لونا واحدا قد طغي عليها جميعا ، فضمرها وأغرقها ، هو لون الغابات الباسقة ، والأشجار المورقة ، والشجيرات المخضرة ، والأعشاب النضرة ، والمراعى الفسيحة ، هو لون الخضرة ذات الظلال التى لا تحصى ؛ الخضرة القائمة ، والخضرة الداكنة ، والخضرة الفاضحة ، والخضرة اليانعة ، والخضرة الفاترة ، والخضرة الذابلة ، والخضرة المصفرة ، والخضرة المحمرة ، إنها خضر لا حصر لها ، ولكنها مع ذلك خضرة مشتركة . ومن هذه الجبال والتلال ، وفى هذه الوديان
والأخاديد تنساب منذ الأزل نهيرات ومجارى مياه ، فى حماسة وروعة تارة . وفى وداعة ورقة تارة أخرى ، وتنطلق جميعها إلى حيث الزوال . تنطلق وتتلاشى فى هذه البحيرات التى تبتلعها ، فتحيل قوتها العالية خضوعا واستسلاما ، ودوبها الفتى وسوسة فصمتا ، وخريرها الموسيقى لحنا فانيا .
ياعجبا لهذا المجرى الرقراق يجرى مسرعا إلى نهايته ! والبحيرات كالمرايا الناصعة اللامعة تحف بها أطر من الشطآن المحضرة المزهرة . البحيرات غير متشابهة شكلا ولا لونا ؛ فلكل منها شخصيتها المميزة لها . لا ، إن بينها جميعا عنصرا واحدا مشتركا هو سحرها وجمالها .
وفوق هذه الرقعة الصافية من مياه البحيرة قد انعكست آلاف الصور والألوان والأضواء مما يحيط بها . فلست تدرى أيهما أجمل ! المناظر الحقيقية الماثلة فوقها أم الصور المنعكسة عليها ؟ كلتاهما سحر وكلتاهما جمال .
وقد تقف شاخص البصر حائر الفكر بين جمالين ، فتقطع عليك حيرتك مناظر أخرى ، هى مناظر القوارب الصغيرة ، جاريات بقلاعها الناصعة ، يعبث بها الهواء على صفحة الماء ذاهبة هنا وهناك ، تتهادى كعرائس تسرن بيض الثياب . أو تقطع عليك حيرتك مناظر الجزائر الخضراء الصغيرة قد أطلت برءوسها فوق المياه ، كما تطل الأمانى الحلوة المكبوتة أثناء حلم لديذ .
والغابات الفارعة البعيدة على رءوس الجبال وثم الهضاب لم تصل إليها يد الإنسان ، فظلت صائنة جمالها البكر ، عذراء لم تعبث يد بجمالها . وما امتدت إليه يد الإنسان مما أخرجته الطبيعة زادته جمالا وتهذيبيا . فهذه وديان من الأزهار الطبيعة ، صفراء وحمراء وزرقاء ، وبيضاء . وهذه حدائق نسقت أزهارها وأشجارها يد صناع ، فلا ترى إلا زخارف هندسية ، وأبسطة هندسية عجمية ذات ألوان واضحة جذابة . وقد ترى بحيرات من الأزهار وسط الغابات والأشجار .
وفى سفوح الجبال وعلى قمم الهضاب والتلال ، وفى أحضان الوديان ، وعلى جوانب البحيرات ، انتثرت " قبلات " مبعثرة هنا وهناك فى غير نظام ، كما تنتثر حبات اللآلى انفصم سمطها .
هذا يوم عيد من أعياد القوم ؛ وفدوا فيه إلى بحيراتهم أفواجا وزمرا ، وأزواجا ووحدانا ، عجائز وشيوخا ، شيبا وسبانا ، فتيات وفتيانا . بنين وبنات ، عاشقين وعاشقات ، غانيات غاديات رائحات ، أطفالا نضرا وادعين كأطفال الملائكة وفدوا وفى محياهم بشر ، وعلى وجوههم ابتسامة وسرور . يتحدثون فى هدوء ، ويسمرون فى دعة ، ويتغازلون فى أدب ، ويعبثون فى نظام . فلا ترى لكاعة متطفل ، ولا صفاقة متسكع ، ولا تسمع كلنة نابية ، أو صوت سيارة مزعجة . القوم فى عيد . وموكب الحياة معهم فى عيد ١ القوم يسيرون طلقا ، أحرارا ، وكل ما حولهم طلق حر . الهواء يسير حولهم حرا ، والأشجار تتتمايل حولهم حرة ، والطيور تغنى حولهم طلقة حرة ؛ الطبيعة الطبيعة فى عيد الطيور تدنو ثم تبتعد ، مغنية فرحة مرحة ، على أغصان الأشجار ، وفوق أسوار الحدائق ، وفى جوها الحر الطلق . إنها تغنى لحنا متسقا منتظما ، إنها تغنى لحنا شجيا وآخر مرحا . إنها تغنى لأنها فى الربيع . ولحنها موسيقى الربيع !
لقد كانت - وما زالت - هذه المنطقة " منطقة البحيرات " مصدر وحى وإلهام لكثير من الكتاب والشعراء والفنانين . ألم يعش فيها وردزورث ، وكواريدج ؟ ألم يتردد عليها سكوت وتشارلس لام وديكونسى ؟
لا عجب أن كانت هذه المنطقة مصدر إلهام هؤلاء ؛ فهى لوحة صورتها يد الفنان الأعظم ، لوحة صورتها يد الله . ففى كل ركن له آية تدل على أنه المبدع . (مانشمتر)
